تبون: خزي وعار أن يهدد الكيان الصهيوني بلدا عربيا من بلد عربي آخر (فيديو)    الصحة العالمية تطلق على سلالة كورونا الجديدة اسم "أوميكرون" وتعتبره "متحورا مثيرا للقلق"    شاهدوا إعادة حلقة الجمعة (398) من مسلسلكم "الوعد"    المنتخب الوطني يصل للعاصمة القطرية الدوحة استعدادا لخوض كأس العرب    نذاء للرعايا الفرنسيين المتواجدين على أراضي المغرب بالعودة إلى ديارهم في أقرب الآجال.    معلومات عن متحور كورونا الجديد الذي أثار القلق، و تسبب في توقيف الرحلات بين عدد من البلدان .    تعليق النقل البحري للمسافرين بين المغرب وفرنسا    بني ملال-خنيفرة.. وفد من رجال الأعمال والمستثمرين الرومانيين يستكشف فرص الاستثمار بالجهة    تنظيم الدورة الثالثة للقاء الوطني لنزيلات المؤسسات السجنية بالمغرب -صور    إيقاف 230 مهاجرا سريا من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء بالعيون وطرفاية    المغرب يرسي ضمانات قانونية ومؤسساتية في المناطق الجنوبية    القلق العالمي من المتحور الجديد يهوي بأسعار البترول في أكبر تراجع منذ عام ونصف    عاجل: نتائج قرعة الملحق الأوروبي .. إيطاليا أو البرتغال خارج مونديال قطر !    كوفيد-19.. أمريكا تغلق حدودها أمام المسافرين من ثماني دول إفريقية بسبب المتحور "أوميكرون"    أوميكرون اسم جديد للمتحور الجديد لكورونا و منظمة الصحة العالمية تصفه ب"المقلق"    بعد الجو… تعليق الرحلات البحرية بين المغرب و فرنسا    كأس العرب بثوب جديد ومشاركة موسعة بحلة مونديالية    وفاة 4 مذيعات مصريات في أقل من 10 أيام    برلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي "يتقاسم موقف المملكة بشأن الصحراء المغربية"    قضايا ‬وازنة ‬في ‬جدول ‬أعمال ‬دورة ‬المجلس ‬الوطني ‬لحزب ‬الاستقلال ‬        ما خلفيات خروج الأمين العام لحزب الله بتعليق عن العلاقات المغرب وإسرائيل؟    تركيا تقرر تعليق الرحلات الجوية من 6 دول إفريقية بسبب المتحور الجديد    استئنافية الرباط تعيد رئاسة المجلس الجماعي للناظور لحزب الإتحاد الإشتراكي    الفيفا:المعترضين على إجراء كأس العالم كل عامين "يخافون التغيير"    بالصور.. الحموشي ينير المقر المركزي للأمن بالبرتقالي دعما لحماية النساء    كيف للمرأة المعرضة للعنف أن تتصرف قانونيا؟ الجواب في "صباحيات"    ذ.القباج يكتب: المهدي المنجرة.. والنخبة المرتزقة    الريسوني: التطبيع لن يضيف للمغرب إلا الاختراق والتوريط وصناعة العملاء    حقيقة رفض إلياس أخوماش اللعب للمنتخب المغربي    آلاف الأردنيين يتظاهرون رفضا لاتفاق الماء مع الاحتلال    رئيس الجهة يتدخل لاعادة تشغيل الخط الجوي بين الحسيمة وطنجة    البحرية الملكية بالعرائش تتمكن من إحباط عملية لتهريب المخدرات    7 آلاف درهم مقابل استخراج الجواز دون تلقيح .. ممرض يتلاعب بالنتائج    ال"كاف" يستعد ل"فرض" تقنية ال"VAR" في الدور الفاصل لتصفيات أفريقيا المؤهلة ل"مونديال قطر 2022"    تعيين جديد لرئاسة المؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي..    جنرالات الجزائر يعقدون اجتماعا طارئا وسريا يخص المغرب    الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تسجل تزايد أشكال العنف ضد النساء    الولادة من جديد!!    الأنشطة غير الفلاحية.. بوادر انتعاشة ملحوظة مع متم شتنبر المنصرم    نادي سعودي يمهل المغربي حمدالله أربعة أيام لسداد شرط جزائي بقيمة 22 مليون دولار    النفط يهبط أكثر من 2 في المائة مع ظهور سلالة جديدة من كورونا    نشرة إنذارية: ثلوج وأمطار رعدية من الجمعة إلى الأحد بعدد من مناطق المملكة    عاجل…المغرب يسجل ارتفاعا في عدد إصابات كورونا    مدينة طنجة تستضيف في ماي المقبل المؤتمر العالمي ال 17 للمدن والموانئ    تونس تحبط هجوماً إرهابياً أمام وزارة الداخلية    تتويج مشاريع مستفيدة من مواكبة مجموعة القرض الفلاحي للمغرب    لبنان: مشروع "آكان"يحصد"جائزة الإنجاز بين الثقافات"    وفاة رئيس تحرير مجلة "الآداب" سماح إدريس    طنجة تحتضن ندوة دولية حول "مسارح الجنوب عبر العالم"    المهرجان الدولي للفيلم بمراكش.. الإعلان عن الفائزين في الدورة الرابعة من ورشات الأطلس    هيئة المحاسبين العموميين تعتبر قانون المالية مدخل أساسي لإنعاش الاقتصاد    إثر الاحتجاجات العنيفة بالجزيرة.. السلطات الفرنسية فرض حظر تجول في جزيرة مارتينيك "حتى عودة الهدوء"    مثير.. سحر وشعودة داخل مقبرة ومطالب بتدخل السلطات    تعرفوا على أحداث حلقة اليوم (63) من مسلسلكم "لحن الحياة"    مصر.. وفاة شقيق الفنانة تيسير فهمي في حريق مستشفى المهندسين    "الحب في زمن البطاطا".. كتاب جديد للصحافي أحمد حموش    الداعية المغربي "أبو حفص" يشكك في النصوص الفقهية المحرمة للوشم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لمن ٌتقرع الاجراس اليوم؟ : مرة أخرى، للتعجيل بوحدة اليسار!

في أفق التحضير لمؤتمره الوطني القادم، أقام الاخوة في الحزب الاشتراكي الموحد، ندوة دار موضوعها حول اشكال وحدة اليسار ورهاناتها الممكنة. ولقد شاركت، وبمعية الإخوة سعيد السعدي وحميد باجو ومحمد الوافي، بهذه المداخلة. ونظرا لأهمية المناسبة و الموضوع، ارتأيت نشر هذه المداخلة مع كل الشكر والتقدير لجريدة الاتحاد الاشتراكي..
لمن ُتقرع الاجراس اليوم؟ لاشك أنها تقرع لليسار،محذرة إياه من مغبة الاستمرار في تشته و تعدديته الحزبية المفرطة، غير المعقولة وغير المنتجة. هكذا فإما أن اليسار سيعجل بوحدته الاندماجية في حزب اشتراكي جماهيري موحد وتعددي، واما أنه سيطيل من حالته القائمة، بشتى التبريرات الواهمة، تاركا لليمين بكل اصنافه ملء الفراغ الناجم عن تشتته و على حساب تاريخيته و جماهيريته و مشروعه المجتمعي.
ليس بجديد عليكم، انني من دعاة الوحدة الاندماجية الفورية لمعظم فرق اليسار في حزب اشتراكي جماهيري وتعددي. ولقد قدمنا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي البرهان على صدقية هذه الدعوة، بانخراطنا الجماعي في الاتحاد الاشتراكي. وهي صيغة من الصيغ الوحدوية الإندماجية الفورية الممكنة من بيع صيغ أخرى محتملة ومتاحة. ولقد قمنا بذلك بكل جرأة سياسية، وبعيدا عن كل الحسابات الذاتية التي مازلنا نجد نفس بعض حيثياتها يتكرر ويعوق وحدة اليسار العاجلة والشاملة والاكثر فاعلية تاريخيا وسياسيا. سألخص هذه الاعتراضات المعيقة في الحيثيات التالية، تاركا الردود عليها واحدة واحدة، مكتفيا هنا بتبيان الأسس التي نراها لمنظورنا الوحدودي الاندماجي الفوري. ففي الظن، انها تجيب ضمنا على نفس تلك الاعتراضات التي مازالت تعيق فرق اليسار على التفكير المبدع والخلاق في الوحدة الاندماجية الفورية. وهي بوجه عام كالتالي:
اولا: هناك من لازال يعتقد في «خصوصيته التاريخية» رغم كل التحولات الكونية والوطنية التي حدثت في العقدين الأخيرين، وفي انعكاساتها على الحياة الحزبية عامة.
ثانيا: هناك من لازال يعتبر أن الوحدة الاندماجية الفورية مطلب رومانسي وموقف غير عملي، اما خشية من ما يتوهم فيه عقلية هيمنية لدى الآخرين.. ودليله الاضافي ما حسبه فشلا لتجربة الاندماج التي أقدم عليها مناضلو الحزب الاشتراكي الديمقراطي. واما مجاراة ومحاباة لأنانيات حزبية او لقصور في الوعي الوحدودي، أخذ على أنه حجة في ذاته.
ثالثا: وهناك أخيرا من لازال يعطي كل الاولوية الفاصلة لخلافاته السياسية والمرحية، بصرف النظر عن المدى الاستراتيجي البعيد، وعن ما اوضحته التجربة السياسية نفسها، خلال فترة الانتقال الديمقراطي، من هامشية وثانوية لهذه الخلافات من حيث فاعليتها الجماهيرية في الميدان العملي.
أضف الى كل هذه أن في كل الاعتراضات السابقة يتم غض النظر عن فشل كل دعوات التنسيق بصيغها المختلفة، أو عن جزئية وهامشية فاعليتها في السابق والحاضر واللاحق، لأسباب موضوعية قبل أن تكون إرادية.
سنترك إذن ردودنا التفصيلية على هذه الاعتراضات، لنذكر من جديد بالمنطلقات التي سوغت منظورنا الوحدوي العاجل، ففيه ضمنا ما يغنينا عن التفاصيل:
أولا: مع تقدمنا فيما أسميناه ب «مرحلة الانتقال الديمقراطي» أصبح واضحا ان مركز الثقل في الصراع السياسي غدا ينتقل الى المؤسسات المنتخبة في انتظام مع توسع الحريات العامة وكافة الشروط المجتمعية الاخرى، واذا كان «الموقف الشعبي» مازال بعيدا عن الانخراط بكثافة وبإيجابية في هذه المعركة، فإن هذه المفارقة لاتلغي أن «المجتمع السياسي» أضحت المؤسسات المنتخبة هي ناظمته ومجال الصراع الحاسم مع قوى اليمين فيه. وعلى هذا المستوى، الحاكم على الفاعلية السياسية، يجد اليسار نفسه ضعيفا ومشتتا، ولاسباب مجتمعية عديدة، يجد نفسه غير قادر بعد على فرض موقعه بقوة داخل هذه المؤسسات وعلى تحجيم هيمنة اليمين عليها. ولذلك، فإن معظم فرق اليسار إما أنها ستبقى على الهامش، وإما أنها تضطر لانفتاح انتخابوي مفرط يضر بهويتها وبدورها المستقبلي.
ثانيا: ليست الخلافات السياسية الظرفية القائمة بين اليسار هي المهم الفاصل بحد ذاته، بل المهم والاهم أن تكون لهذه الخلافات قاعدة شعبية مهيأة لاستقبالها، وتحويلها الى قوة مادية مؤثرة في الحياة السياسية عامة.
اما في مجتمع مازال يعاني من تأخر سياسي شبه بنيوي ، ولمرحلة سوف تطول على الأرجح، فإن التعددية الحزبية اليسارية تكون في الواقع العيني مضرة ومهلكة لتقدم اليسار ولتوسع انغراساته الشعبية.
وفي هذه الحال، فإن كسب الاغلبية داخل الحزب اليساري الموحد هو الطريق السوي والممكن لإعطاء تلك الخلافات السياسية حظوظها الجماهيرية التي ستظل تفتقر إليها في واقع التشتت الراهن.
ثالثا: ليست لأحزاب اليسار كيانية تاريخية صلبة تعيقها على الاندماج في حزب اشتراكي جماهيري موحد وتعددي. فعدا حزب التقدم والاشتراكية الذي ورث خصوصيات معينة من ماضيه العريق، فإن كل التحولات التي عرفها العالم والمجتمع المغربي خلال العقدين الاخيرين بوجه خاص، قد جعلت كل أحزاب اليسار، بما فيها حزب التقدم، تعاني من نفس الاشكالات ومن ذات الطبيعة الاجتماعية والسياسية والايديولوجية، فلا حدود نوعية استمرت فارقة بينها جميعا، بل هي ستجد في الوحدة الاندماجية الفورية مخرجا تاريخيا كل منها ولها جميعا، هذا، عدا ان معظم فرق اليسار، إما تخطت الدوافع الاولى لاستقلاليتها الحزبية، وإما أنها كانت في الاصل غامضة الدوافع السياسية والبرنامجية.
غير أن هذا المشروع الوحدوي الاندماجي الفوري يتطلب بدوره منهجية وحدوية تلبي هذا الغرض ، وتيسير انجازه في وقته. وألخصها في ثلاثة عناصر منهجية، بدون تمثلها ستكون هناك دائما أسباب للتعطيل والإلغاء والهروب إلى الأمام .هذه العناصر المنهجية هي:
العنصر الاول: يستدعي التركيز على المستقبل البعيد وأهدافه الاستراتيجية، بدل الانغلاق في الخلافات القائمة والآفلة.
لنترك للتاريخ حكمه الفاصل على مدى صوابية منعطف اواخر التسعينات، فهذا التحول الكبير هو ايضا من قياس تاريخي، سواء اتفقنا معه أو كنا من معارضيه.
ومع ذلك، ففي اعتقادي، أنه حتى في هذا الطور الآفل، هناك اليوم بعض الخلاصات السياسية والتنظيمية من تجربة الانتقال الجارية والتي يمكن تثبيتها في صيغة جماعية.
وفي التركيز على المستقبل، أرى أن أسئلة جديدة ستطرح علينا، ويمكننا التحكم في تناقضاتها لصالح التقدم، إن نحن اغتنمنا الفرصة الوحدوية في هذا الزمن المناسب. أما إذا أضعناها، فإن كل التناقضات المحتملة ستزيد لا محالة من ضعف اليسار وتشتته. ومن هذه الأسئلة ما يلي:
- ما هو السقف الدستوري للإصلاح الذي يطالب به الجميع للمرحلة المقبلة؟
- هل الإصلاح الدستوري شرط لزوم للمشاركة في أية حكومة قادمة عقب الانتخابات التشريعية؟
- هل يقبل الاشتراكيون بالمشاركة تحت أية قيادة سياسية للحكومة، ومن خارج الكتلة الديمقراطية، إذا كانت موازين القوى الانتخابية ضعيفة؟
ما هي سياستنا العامة اتجاه الكتلة، حزب العدالة والتنمية، و حزب الأصالة والمعاصرة؟
- أي نمط اقتراع، وأية قوانين، تقلل من أدوار اللوبيات الانتخابوية والفساد الانتخابي، والترحال، وتعطي فرصا أفضل لنخب جذيرة وذات حس وطني رفيع. وكيف نرفع من كثافة المشاركة الشعبية في الانتخابات القادمة، ولصالح قوى التقدم؟
ما هو برنامجنا التنموي الحكومي الذي يدمج بفعالية بين التنمية الاقتصادية وبين التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد واقتصاد الريع؟
- وما هو تصورنا المستقل للإصلاح الديني وللسياسة اللغوية؟
وما هو منظورنا الجهوي.. وما هي الاستعدادات السياسية والحزبية التي ينبغي أخذها اتجاه هذا التقدم؟
من البديهي أن هذه القضايا، وغيرها، سوف تحمل أكثر من جواب واحد يجمع عليه ولو في داخل الفريق الواحد. لكن شتان بين أن تتعدد الأجوبة في حزب اشتراكي موحد، وبين أن تكون مجزأة داخل كل فريق. قبيل هاته وتلك هو ما بين اختلافات تغني في منظور وحدوي بعيد المدى ومتمسك بالثوابت الاستراتيجية، وبين اختلافات تضعف وتشتت وتورط في منافسات وتناحرات آنية وقصيرة النفس في هياكل لا تستوعبها كاملة و لا يتطابق معظمها مع الحاجيات والتحديات النضالية.
العنصر الثاني: يستدعي التحلي بالمرونة العقلانية التي تعطي الأولوية للوحدة، كيفما كانت الخلافات السياسية الآنية، وعلى قاعدة أن مشروع إعادة بناء اليسار مشروع بعيد المدى، وأن يتجاوز التأخر السياسي المجتمعي ذي الجذور الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، لا يقتصر فقط على ما يمكن انجازه من إصلاحات على السطح السياسي، بل يذهب أساسا وأيضا إلى جذوره المجتمعية.
أعرف أن هذه الأطروحة البنيوية المجتمعية ستحتاج إلى وقفة مطولة لتشريح مضامينها و«ملابساتها» الجدلية. ولأننا في عجالة من أمرنا، فإني أحيلكم إلى السؤال المركزي التالي: لماذا لم تستطع القوى الديمقراطية أن تحقق الانتقال الديمقراطي كاملا، بعد نصف قرن وما يزيد على الاستقلال السياسي، ورغم كل تضحياتها الكبيرة، بل ورغم أن كل الأجوبة السياسية النضالية الممكنة. كانت حاضرة مجتمعة على الدوام؟
لعل هذا السؤال المركزي الممتد في الزمن والجامع لكل الخلافات السياسية كما كنت وكما هي ما يدفعنا إلى التفكير فيما هو أبعد. من «الكسوف الانتخابي» في الفترة الأخيرة، ومن خلافات هذه المرحلة... ولعله بالتالي يخرجنا من الآنية السياسية الى شيء من التفكير التاريخي المجتمعي الأشمل. ومع ذلك، فإني حريص على ألا يفهم من هذا الطرح أي نزوع ميكانيكي ينتظر تغيير كل المعطيات المجتمعية لإقامة الديمقراطية السياسية في أعلى مستوياتها تقدما. فالواجب يقتضي مني التشديد على التمييز بين المنطق العقلاني الواقعي الجدلي، وبين المنطق التطوري الميكانيكي الوضعي.
خلاصة القول، إذا كان كل منا سيدافع عن تصوراته السياسية الآنية بكل الوسائل الحزبية الديمقراطية، وإذا كانت الخلافات طبيعية وضرورية، فينبغي ألا يحجب عنها أي خلاف سياسي ممكن، أولوية الوحدة تاريخيا، والجذور المجتمعية البنيوية للتأخر السياسي تاليا...
العنصر الثالث: وفق هذه الرؤية الشمولية الجدلية، فيما أحسب، والتي تعطي لإعادة بناء اليسار الأولوية الاستراتيجية، ينبغي في اعتقادي إعطاء الاهمية الحاسمة لثلاث قضايا، هي بمثابة ضمانات التقدم الفاصلة في رهان إعادة بناء اليسار ونجاح تجربة الوحدة الادندماجية في الحزب الاشتراكي الجماهيري المتعدد. وسأكتفي بكلمة سريعة عن كل منها:
أولا: إعادة الاعتبار للإيديولوجيا:
ثمة ملاحظة جوهرية وقبلية، إذ بدونها يتعذر الاتفاق على كل ما سيأتي في القضايا الثلاث التي اعتبرناها فاصلة في نجاح التجربة الحزبية الوحدوية وفي إعادة بناء اليسار الموحد.
ذلك أن كل التصور الذي نقدمه ينشد بقوة الى الزمن التاريخي الذي يعيشه مجتمعنا. وهو زمن مفارق يجمع في آن واحد في كل مظاهرة وحركيته بين الزمن المعاصر وبين زمن متخثر من الماضي في ما قبل التحديث والحداثة. نحن إذن في مجتمع يسير على وثيرتين متداخلتين ومختلفتي السرعة وأنماط الحركة. وما لم نأخذ هذه الحقيقة المجتمعية بالحسبان في كل اجتهاداتنا الفكرية والتنظيمية والسياسية، فإن كل ما نصبو إليه في التحديث يغدو مجرد اقتباسات برانية معزولة اجتماعيا وثقافيا وسياسيا عن دينامية المجتمع العميقة والمعقدة.
لا أستطيع أن أطيل في هذه الواقعة، لكن القصد ربما كان واضحا بما يكفي، فهو موجه بالدرجة الاولى الى أولئك الذين يستعيرون نماذجهم الحزبية على مقاس آخر ما وصلت إليه التجارب الحزبية في أوربا وأمريكا، خاصة على المستويين الايديولوجي والتنظيمي.
نحن إذن مازلنا بحاجة الى الايديولوجيا، ومجتمعاتنا العربية الاسلامية بالذات مازالت بحاجة إليها، وحتى على غير العديد من تجارب شعوب أخرى كانت أو مازالت مماثلة لنا في التخلف والتبعية، فلقد برهنت تجربتنا التاريخية، مدا وجزرا، على أن إشكالية النهوض والتقدم لدينا مرتبطة أكثر من غيرنا بشدة ثقل الماضي الثقافي الحضاري على حاضرنا، وبالتالي، على نهضتنا وتقدمنا. هذه الخاصية لا يمكن هكذا معالجتها لا بإغفالها ولا بالقفز عليها، ومهما برعنا في الحلول الفوقية الاقتباسية.
ومن هذه الزاوية إذن، إذا كنا بحاجة الى استئناف النظر في تراثنا الاشتراكي، الذي خبا وتراجع الى الوراء، وبما يواكب العصر ومستجداته المعرفية، فنحن بحاجة أيضا الى أن نلم قدر المستطاع بتراثنا الاسلامي. وأن نجد بين المستويين المعادلة المطابقة لتطورنا ولنهضتنا. ينبغي الخروج من شرنقة «الحداثة الجاهلة» فهي في أحسن الاحوال ايديولوجيا مشاكسة، لكنها بالتأكيد معزولة وغير منتجة تاريخيا.
ثانيا: ربط الممارسة الحزبية ببرنامج مجتمعي «مراحلي»
تجربة الانتقال الديمقراطي هي التي أفضت الى هذا التمييز الاجرائي بين البرنامج السياسي والبرنامج المجتمعي (ولا أقول «المشروع المجتمعي» للحركية المرحلية المتضمنة في البرنامج المجتمعي). لقد صار هذا التمييز الاجرائي بعد هذه التجربة ضرورة سياسية لما لاحظناه من تقلص شديد، بل الإهمال والانتظارية على مستوى التحرك الحزبي اليساري في المجالات المجتمعية. البرنامج السياسي هو الذي يحدد تصور الحزب لما ينبغي أن تقوم به الدولة في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والمؤسساتية والاجتماعية والثقافية والعلاقات الدولية. أما البرنامج المجتمعي، فهو الذي يحدد علاقة الحزب ودوره لدى كل فئة اجتماعية من مكونات المجتمع المغربي، وتبعا لكل مرحلة وللأسئلة التي تطرحها الممارسة النضالية على الحزب وعلى تصوره لعلاقاته مع هذه الفئة الاجتماعية أو تلك: أجراء وطلبة ومثقفون وفلاحون ونساء وشباب ومهن حرة ومقاولون ونقابات ومؤسسات المجتمع المدني، الى برنامج من هذا النوع سيعيدنا لامحالة الى وضع تصوراتنا الشمولية التاريخانية لتركيبة المجتمع المغربي ولدينامياتها الداخلية، والتي غابت عن تحاليلنا في السنوات الاخيرة، وتم الاستعاضة عنها ببرامج قطاعية أو محلية مشتتة ومقطوعة الجذور عن هذا التصور المجتمعي الشامل والدينامي، ثم إن البرنامج المجتمعي يستمد كل قيمته وحركيته ومصداقيته من الممارسة الحزبية له واستنتاجاتها في الميدان العملي المجتمعي فلا قيمة له إلا من خلال هذا البراكسيس ومن خلال تبني القوى المجتمعية لطروحات الحزب واحتضانها له.
ثالثا: التأكيد على الطابع
التعددي للحزب:
التنظيم في جوهره مسألة ثقافية بامتياز. بهذه الروح نتعاطى في النظر مع ما ينبغي أن يكون عليه الحزب الاشتراكي. وبهذه الروح نريد أن يرتقي فعله التنظيمي الى فعل ثقافي. فالحزب الاشتراكي في ماهيته التعبير العضوي عن مشروع مجتمعي نهضوي وحداثي بأفق اشتراكي. وهو بالتالي أداة لتغيير جذري وتاريخي مديد، لا يمكن اختزاله في أن يكون مجرد أداة انتخابية، فبالأحرى أداة انتخابوية تخضع كل القضايا للإملاءات الانتخابية وحسب. لكي يكون كذلك في ماهيته، ينبغي أن يكون في علاقاته الداخلية وأدواره المجتمعية متمثلا ومنتجا لتلك الثقافة المستقبلية.
ليس صحيحا أن كل ما كان في التراث النظري الاشتراكي حول الحزب قد ولى زمنه وأضحى باليا ومتجاوزا، فالتجربة نفسها تؤكد أن الهرولة الليبرالية في الشروط المجتمعية القائمة، لم تفض إلا الى التسيب والانحلال والفقر السياسي والفكري ومراكمة العجز الاجتماعي واستفحال التنافسات المصلحية الضيقة. من هنا يأتي الحرص الشديد على استئناف النظر في تراثنا الاشتراكي وإعادة الاعتبار من جديد لكل ما هو إيجابي وحي وثابت في هذا التراث الحزبي ولمنظومة قيمه ولعلاقاتها الداخلية في الحياة الحزبية. ومن هنا يأتي الحرص أيضا على الطابع التعددي للحزب الاشتراكي الجماهيري الموحد. ومع الوعي، دائما بأن الإقرار بحق التيارات داخل الحزب ليس إلا آلية من آليات التحفيز الديمقراطي، والتي يتوقف شرط نجاحها على حيوية باقي الجوانب الأخرى في النشاط الحزبي خاصة منها الفكرية والأخلاقية.
وفي الختام، قد لا ترقى الإرادية الجماعية الى مستوى هذا الطموح الوحدوي الجذري... فما العمل حينئذ؟ من البديهي أننا سنسير سير ضعفائنا، وأن السيرورة الوحدوية ستأخذ إيقاعها على قدر السرعة الممكنة، ولو من قبيل السلوك البيداغوجي. إلا أن الحقيقة المرة التي ينبغي أن يعيشها الجميع مسبقا، أن شياطين موازين القوى تفعل فعلها حتى بين اليسار مهما خلصت النيات الوحدوية... ولا عجب بعدها إن عدنا بعد سنوات ضائعة الى نقطة البداية التي تركنا عندها مستقبلنا خلفنا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.