بوريطة يبرز بمالابو الرؤية الملكية لتعاون جنوب–جنوب قائم على الشراكة والتضامن    الجمعية الوطنية للأعمال الاجتماعية لموظفي قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني    كييتا تدعو إلى تحقيق السيادة الرقمية    10 ملايين زائر لمتحف السيرة النبوية    صراع المغرب وإسبانيا على المواهب.. بيتارش يختار "لا روخا"    أخنوش لبرلمانيي الأحرار: رهان المرحلة هو كسب معركة التواصل حول المنجز الحكومي    الثانوية التقنية ابن سليمان الرسموكي بتيزنيت في j-60..قيادة ومحاكاة في العد التنازلي لباكالوريا النجاح والتميز    كنفاوي يقف بإقليم الحسيمة على إنتاج وتسويق ألواح "الدلاحية"    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    السنغال تحتفي بالكأس في باريس    تظاهرات واسعة النطاق ضد ترامب    تسجيل انتعاش سياحي بطنجة خلال يناير 2026    إسبانيا تغيّر الساعة مجددًا رغم انتقادات سانشيز.. جدل متواصل حول جدوى التوقيت الصيفي    جثة شخص بالقرب من مؤسسة تعليمية تستنفر شرطة القصر الكبير    تلفزيون المنار: مقتل 3 صحفيين في غارة إسرائيلية على لبنان    أخنوش: رئاسة عكاشة للفريق النيابي تعزز رهان "الأحرار" على التمكين السياسي للمناضلين الشباب    رأي: منطق الطرد كعنوان لأزمة أعمق داخل الحزب    "ميتا" تعتزم إطلاق نظارات ذكية جديدة لمستخدمي العدسات الطبية    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    التعاون العلمي المغربي الاوربي : تمديد المشاركة في برنامج "PRIMA    حملة طبية تعتني ب"الأسرة الأمنية"    انسحاب "بوبا" من عرض ودية السنغال والبيرو.. وتصعيد قانوني مغربي يواكب المباراة    بحضور الوزير بركة.. تكريم أبطال مواجهة تداعيات الاضطرابات الجوية الأخيرة بجهة الشمال        المغرب يساند مرصد الاتصال بالنيجر    لاعبو إيران يحيّون ذكرى ضحايا غارة جوية على مدرسة    تعادل بطعم الدروس.. وهبي يضع النقاط على الحروف بعد لقاء الإكوادور    المستشار الجماعي محمد الغرباوي يدعو إلى نزع ملكية فندق 'مرحبا' بالجديدة وإدراجه ضمن أولويات المجلس    دعوات لتعميم قرار منع الشواء بمحلات الجزارة على جميع أحياء الجديدة    كبيرة حولتها إيران صغيرة    بعد أن بلغت أسعار اللحوم الحمراء 130 درهما..مساءلة وزير الفلاحة عن أسباب الغلاء رغم الدعم الموجه "للكسابة"    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        ماكي سال يبتعد عن خلافة غوتيريش    "فدرالية اليسار": ملايير الدعم لا تنعكس على الأسعار بل تذهب لحسابات الوسطاء والمضاربين    غارات إسرائيل تتوسع بجنوب لبنان    معزوز: من التخطيط إلى التنفيذ .. الأرقام تكشف تطور جهة الدار البيضاء سطات    إقصاء المصدّرين نحو السوق الإفريقية من دعم مصدري الطماطم يثير جدلا حول خلفيات القرار    كلوب عن صلاح: من أفضل اللاعبين في تاريخ ليفربول وسفير رائع لبلاده    حكيمي: "المنتخب المغربي في مرحلة انتقالية وعلينا الاستعداد جيدا لبلوغ أفضل جاهزية للمونديال"    الحوثيون يعلنون استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية بصواريخ لأول مرة منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط    الأرجنتين تهزم موريتانيا دون إقناع    وهبي يبدأ رحلة "الأسود" بتعادل باهت أمام الإكوادور وإشارات مقلقة رغم تفادي السقوط    تافراوت تحتفي بكنزها الطبيعي: انطلاق الدورة 13 لمهرجان اللوز في أبريل المقبل    من العتمة إلى الحب .. التشكيل كخلاص أنطولوجي    التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    عودة النقاش الاستراتيجي في المغرب؟ 3/2 الاتفاق الثلاثي المغربي الاسرائيلي الأمريكي: كيف نفكر تحت النيران؟    تطوان تحتفي باليوم العالمي للشعر وتكرم العياشي أبو الشتاء في "ربيع الشعر"    ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    شَغَبُ المَاءْ    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رأي في السياسة اللغوية بالمغرب . .اللغة العربية بين التهافت على لغو العامية ومقاصد لهو خطاب الفرنكوفونية

تعتبر قضية اللغة وجهاً متميزاً من بين قضايا المجتمع، إذ لا تمس فقط حقول المعرفة والتاريخ والحضارة، ومجالات التربية والتعليم، بل ترتبط بقضايا تطور الأمم وإنتاجها المعرفي في علاقته بعجلة الاقتصاد والتنمية، وهي بذلك ليست قضية مجتمع ما، إذ أن كل المجتمعات الدولية من دون استثناء تواجه معضلة اللغة، لكونها متعددة الأبعاد على عدة مستويات، أي ما يرتبط بالتداول اللغوي في أوطانها، في ضوء موقع لغتها الوطنية أو لغاتها الوطنية، وما له علاقة بالإجراءات الإدارية والثقافية والممارسة التعليمية والإعلامية والبحث العلمي، إذ تهدف من وراء ذلك إلى تعزيز مكانتها على المستوى الدولي وإشعاعها، ومواكبتها للتطورات التكنولوجية والأبحاث العلمية؛ وبذلك تتولد عن كل القضايا المشار إليها أعلاه إشكالات حقيقية تفرض خضوعها للبحث والدراسة، يمكن حصرها فيما يلي:
- مستويات الكفايات اللغوية في المرافق التعليمية من التعليم الأساسي إلى التعليم الجامعي.
- مدى سيادة اللغة الوطنية في مرافق مؤسسات الدولة وإدارتها.
- معالجة أساليب تطوير اللغة ومواكبتها للتطور العلمي، وتطور وسائل الإعلام وما له علاقة بالتكنولوجية الحديثة والارتباط بتطوراتها.
تحتل هذه القضايا الواجهة بالنسبة لكل الدول المتقدمة تكنولوجياً، حيث يبرز الوعي بمشكلات لغاتها الوطنية، سواء تعلق الأمر بالتركيب أو بالمصطلح أو بالمعجم، فضلاً عن البحث البيداغوحي والتربوي والتعليمي، ومعالجة الضعف الناشئ في ممارستها من خلال الاستقراء والأبحاث الميدانية، مما يدعوها إلى تخصيص كل الدعم اللوجستيكي والمادي لتطويرها ولتفرض وجودها وطنياً ودولياً.
وفيما يتعلق بلغات دول العالم غير المنتجة للتكنولوجية، وبالأخص الدول التي كانت خاضعة للهيمنة الاستعمارية، يلاحظ أن أغلبها يعيش وضعاً لغوياً متردياً إلى درجة فقدان مكونات هوياتها، والخضوع للسوق اللغوية الرائجة، وهناك دول تصارع وتقاوم متشبثة بمقوماتها وتاريخها وحضارتها، وهناك دول تتجاهل مشاكلها، وتفضل السكوت عنها، مما يعمق أزماتها اللغوية ومشاكلها على أكثر من مستوى. ونحن في المغرب، من ضمن الأقطار المغاربية والعربية، تعيش وضعاً استثنائياً وغير استثنائي في آن واحد، لكوننا نحمل إرثاً تاريخياً مزدوجاً، له معالمه الحضارية والثقافية، مما نتج عنه وضع التعدد اللغوي.
إذا كانت اللغة صيرورة تاريخية في كينونتها الحية ترتبط بنصوصها وأدبياتها وأشكال مكونات ثقافتها، فإنها تعكس بالضرورة أحوالها وقيمتها، لذا فإن أي مسار للتقدم في مضمار التطورات الحضارية لا يمكن أن تُغيَّب فيه المسألة اللغوية باعتبارها مقياس التخلف أو التقدم.
يقودني هذا التقديم إلى طرح أسس المعالجة اللغوية التي اعتمدت منذ بداية سنوات الاستقلال، حيث ارتكزت على مقولة التعريب لتحل إشكالية التدريس، وقد طرحت في سياق الغليان الوطني، إلا أنها كانت دون محتوى، ودون إطار علمي دقيق، نظراً لعدم ارتباطها باستراتيجية لغوية، وفوق هذا وذاك، كان يكتنفها الغموض والالتباس، إما قصداً أوعمداً، وإما تلافياً لعرقلة ما هو مضمر، إذ ما ميز سنوات ما بعد الاستقلال هو ظهور نخبة سياسية مكونة تكويناً علمياً وتكنولوجياً بلغات أجنبية ارتقت ببساطة سلم المسؤوليات الإدارية ومؤسسات الدولة، فأغلقت الأبواب على ما عداها، وقد أهلها لذلك وضعها الطبقي فضلاً عن تكوينها.
لقد أنتجت هذه الوضعية فئات اجتماعية ظلت تتخبط في إشكالية الازدواجيات اللغوية، وخضوعها لتغيير البرامج والمناهج من فترة إلى أخرى، مما جعل تكوينها ضعيفاً لا يرقى إلى مستوى الطموحات المطلوبة لاحتلال مراكز القرار.
استمرت هذه الوضعية الشاذة خلال أربعين سنة، مما أدى إلى تعدد المشاكل اللغوية، مشاكل كان يتم في أغلب الأحيان تجاهلها، واعتماد سياسة الترقيع اللغوي، وخلال أواخر التسعينيات لم يعد بالإمكان السكوت عن المسألة اللغوية وكان لبروز التيار الأمازيغي دور أساسي لإمعان النظر في إشكالاتها، وهذا ما تم التعبير عنه في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وشكل بذلك إطاراً للتأمل، وأرضية للتفكير في ضوء نتائج تطبيقاته، ويلاحظ في هذا الصدد أن الإشكالية اللغوية مازال أوارها مشتعلا، نظراً لطبيعتها المعقدة في ظل مجتمع يتميز بالتعدد اللغوي، وتفاوت مستوياته اللغوية، مما طرح على المجلس الأعلى للتعليم مجموعة من المهام الكبرى لإيجاد حلول ملائمة ولو نسبية بإشراك كل الفاعلين المهتمين بقضايا التعليم والتربية، في أفق وضع سياسة لغوية ذات استراتيجية هادفة تستجيب لمتطلبات المرحلة التي نعيشها.
إذا كان أهم ما يميز الوضع اللغوي في المغرب هو التعدد اللغوي على اختلاف مستوياته، وهو الأمر الذي يصعب تجاوزه، فإن علينا بداية تحديد طبيعة هذا التعدد.
توجد في المغرب لهجات تعد من مكونات المجتمع المغربي، كل منها لها تاريخ وثقافة، وعلى الرغم من تباينها تشكل نسيجاً اجتماعياً، مع أن بعضها يفتقد للوحدة اللغوية بين أنساقها لاختلاف منابعها، وهي بذلك تعد ذات خصوصية إقليمية، تمكنت بفضل عوامل تاريخية واجتماعية ومعتقدية بأن تصب في مصب الوحدة الوطنية لضمان استمرارية الوجود للنظام السياسي.
لقد أشرت في البداية إلى أن قضية اللغة تمس حقول المعرفة في شتى أوجهها، كما أضحت مرتبطة بعجلة الاقتصاد والتنمية، وهذا ما يفسر اهتمام علماء اللغة وعلماء الاقتصاد بكل ما له علاقة بقضايا اللغات الوطنية، وقدموا أبحاثاً نظرية مستفيضة، وأبحاثاً ميدانية في ضوء مدى تأثير السياسات اللغوية في بنية المجتمع على الرغم من اختلاف توجهاتها.
بدهي أن كل مجتمع يعرف مستويات لغوية، قد تكون محصورة أو متعددة، لغة رسمية وطنية ولهجات كثيرة متداولة من أصول مختلفة أو من أصل واحد، وقد ينشأ عن هذا الوضع صراعات لغوية، وهذا ما يدعو إلى البحث في أدوارها من حيث مبدأي الفعالية والتنمية، وإيجاد حلول لها بوعي منفتح ومتفتح للحد من تفاقم مخلفاتها السلبية، وفي أفق وضع تصور مرن للمنظومة التعليمية والتربوية في علاقاتها الوطيدة بأسس التنمية الوطنية والبشرية.
هنا يطرح السؤال المركزي حول الأسس العلمية التي ينبغي اعتمادها لوضع تصور مرن للمنظومة التعليمية والتربوية في علاقاتها بالتنمية.
يصعب على أي مجتمع يسود فيه التعدد اللغوي أن يضع استراتيجية لغوية لسياساته في غياب تخطيط لغوي يأخذ بعين الاعتبار البنيات الاجتماعية والفكرية والأوضاع الاقتصادية، ومجمل الأفكار المتداولة في المجتمع والمرتبطة بالحقوق اللغوية والثقافية، مما يساعد على تقديم تصور واقعي، في إطار رؤية شفافة، لوضع خطط عملية لسياسة لغوية وطنية قادرة على استيعاب كل مكونات المجتمع في سياق تطوره. إن من بين المهام الأولي التي من المفروض أن يتضمنها التخطيط اللغوي، وما ستسفر عنه نتائجه هي تحقيق المساواة والمطالب اللغوية والثقافية، بهدف إتاحة كل الفرص الاقتصادية الممكنة سواء على المستوى الدراسي أو التكوين المهني من دون إقصاء، إذ أن النظام السياسي يتولى في هذا الصدد تدبير الشأن اللغوي بعيداً عن الانغلاق والجمود المجتمعي، إذ يسمح بإنهاء حالات ركوده وصراعاته الداخلية، وإلغاء أي رؤية أحادية الجانب بطواعية، ومن دون إكراه، ما دام يعتمد نتائج التخطيط اللغوي المحدد لطبيعة التعدد والقائم على استقصاء كل مظاهر اللغات السائدة وحالاتها، وهذا ما يؤدي على إحقاق ما يمكن أن نسميه بالديمقراطية اللغوية ذات الارتباط بما له علاقة بتنظيم المجتمع والسلطة السياسية.
يرتبط التخطيط اللغوي الهادف إلى وضع استراتيجية للسياسة اللغوية بقضايا الاقتصاد، وفي علاقاتها بالبنيات الاجتماعية والثقافية والإنتاج الوطني، ومن ثمة تخضع العملية التعليمية لخلاصاته وتوجهاته.
ما عشناه من إشكال لغوي منذ خمسين سنة تجلى في غياب أي تخطيط لغوي، مما أدى إلى التخبط والتقهقر والعشوائية، وقد انعكس كل ذلك على البرامج الدراسية ومناهجها، فضلا عن محتوياتها ومضامينها، ويبدو أن سياسة الخلط والتخبط والعشوائية كانت مقصودة لذاتها لتمرير ازدواجية لغوية مشوهة غير قائمة على أسس واقعية اجتماعياً واقتصادياً، مما سمح للغة الفرنسية أن تحتل العقليات والذهنيات ومرافق الدولة، وتصبح معياراً للكفاءة الإدارية، وتناط بها مهام التسيير والتدبير، وتوارت إلى الخلف اللغات الوطنية، وغدا تحصيلها مرهوناً بشرائح اجتماعية محددة الملامح، مما عمق الادعاء بأنها غير صالحة لمواكبة علوم العصر، ووضعها في خانة التخلف، أي أن وضعها يشبه تخلف متكلميها، لاشك أن سيادة لغة بواسطة النخبة المتكلمة بها، واحتلالها لمرافق الدولة يجعل منها بالضرورة لغة الحضارة والتقدم، ومعبراً للرفاهية والوجاهة والسلطة على حساب 98% من الساكنة التي تتكلم لغاتها الوطنية، إن هذا الواقع المستفز يؤدي إلى التناحر وإيقاظ مشاعر الحقد والصراعات الاجتماعية، ويعمق الفوارق الطبقية بفعل التقسيمات اللغوية المغيبة لحقوق المواطنة.
يقودنا الأطلس اللغوي الذي يحدده التخطيط معرفة المستويات اللغوية القائمة على التعدد اللغوي الذي يزخر به المجتمع المغربي، وهذا ما أعتبره شخصياً قيمة مضافة في الحياة الوطنية، الأمر الذي يدعو منطقياً وحتمياً للاعتراف بمواطنة كل أفراد المجتمع الذين يتكلمون عدة لغات في مسعى لتقوية العلاقات الاجتماعية القائمة على قواسم مشتركة من الحضارة والثقافة والتاريخ والدين، ونتائج الارتباط بالهوية المشتركة، أي ما يوحد توجهاتها واهتماماتها وطموحاتها.
تقودنا هذه الرؤية عند وضع تخطيط لغوي إلى اعتبار التعدد اللغوي من مكونات الهوية الوطنية المغربية، تخطيط لغوي يسمح بتدبير معقلن للسياسة اللغوية، تدبير قائم على إعطاء أهمية قصوى لتداول اللغات الوطنية، من منطلق أن أي نوع من التنمية الوطنية والبشرية لبلادنا يصعب ضمان إرساء صيرورته ما لم يرتبط بلغة متكلميها، ولقد أضحت هذه المقولة تفكيراً مشتركاً بين علماء اللغة وعلماء الاقتصاد.
لم يعد بالإمكان الحديث عن أي لغة، وعن تقدمها أو إحيائها وإصلاحها وإشاعتها دون الحديث عن علاقتها بالاقتصاد والتنمية والبحث العلمي، فضلاً عن الثقافة والحضارة.
تبرز في هذا المجال دلالة اللغة وأهميتها، والأدوار، المنوطة بها.
عندما نتحدث عن الاقتصاد، فإن ذلك يعني كل القطاعات ذات الصلة، أي كل القطاعات التي يرتبط بها المواطن يومياً، وتعد جزءاً من حياته المعيشية، قطاعات الصناعة الغذائية والطبية، وقطاعات النسيج بأشكال منتوجاته من ألبسة ومشتقاتها، وقطاعات الفلاحة بكل إنتاجاتها، وقطاعات صناعة الإعلام والتكنولوجية الحديثة التي أضحت متداولة بغزارة... كل هذه القطاعات وغيرها ترتبط بشرائح المجتمع، من المواطن العادي البسيط والعامل والفلاح إلى الفني والمتخصص والمهندس والمعلم والأستاذ... وفي هذا المضمار بالتحديد فإن كل الألفاظ المتداولة في كل القطاعات بمصطلحاتها لكي تكون منتجة وفعالة ومثمرة وذات مردودية يجب تداولها باللغات الوطنية باعتبارها قواسم مشتركة بينهم، ولكون نسبة متكلميها يشكلون أزيد من 98% من السكان.
السؤال الجوهري هنا كيف يمكن أن نطور اقتصادنا ونحقق تنمية وطنية في ظل سيادة لغة أجنبية لا يتكلمها أقل من 2% ومن يتكلمها إتقاناً عن معرفة لا يتجاوز واحد في المئة من مجموع السكان.
من هنا، فإن نقل العلم والتكنولوجية بلغة أجنبية من شأنه أن يؤخر عملية التنمية الوطنية، ويقف دون التقدم الاقتصادي والصناعي، وكذلك ما له علاقة بالتعليم والبحث وتطوير المعرفة، وهذا رأي علماء الاقتصاد والمنظمات الدولية، وليس فقط رأي علماء اللغة، الذين يحثون على ضرورة التعلم والتدريس باللغات الوطنية لتحقيق التنمية الشاملة التي تمس كل القطاعات وكل الفئات الاجتماعية.
لكل هذه الاعتبارات يمكن القول بصفاء علمي وأكاديمي ومنهجي واقتصادي بأن تبني اللغات الوطنية، أي اللغة العربية واللغة الأمازيغية في العملية التعليمية والبحث العلمي يعد من ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا غنى عنهما مما يفرض تطوير أدواتهما ومصطلحاتهما وتراكيبهما، وهذا من مهام الباحثين والعلماء.
تطرح في هذا الصدد بالنسبة لكل المجتمعات، مسألة اللغات الأجنبية كواقع دولي وعولمي، إذ ليس بالإمكان استبعادها أو عدم الارتباط بها في العملية التعليمية، لما لها من أهمية، لا في مجال التواصل الحضاري فقط، بل بكل ما له علاقة بالبحث العلمي، وتطوير المعرفة، وهي فوق هذا ذاك تعد أحد الروافد المهمة للغات الوطنية لإغناء خبرة الباحثين في المجال، ومواكبة التطورات العلمية المتدفقة، يدعو هذا التوجه إلى فصل إتقان اللغات الأجنبية لكل ما له علاقة بمسألة التدريس أو التعليم بها، لأن اللغات الوطنية هي المؤهلة لذلك، لارتباطها بمواطنيها لتحقيق مشاريع التنمية وتطوير مرافق الدولة.
وفي الأخير لابد من إثارة مسألة «الدارجة المغربية» باعتبارها لهجة التخاطب اليومي بين الناس وهي كذلك دوماً، كل واحد لا يستطيع التخلي عنها، كما هو الشأن بالنسبة لكل الدوارج في الأقطار العربية، وغيرها، كما ينطبق هذا الوضع على لغات غربية وشرقية، هناك لغات معيرة، أي لها قواعدها وضوابطها ومصطلحاتها وعلومها وبلاغاتها وآدابها، وهناك لهجات التخاطب اليومي المنبثقة أو المنحدرة أو المشتقة من لغاتها الوطنية، وقد تتداخل فيها ألفاظ من لغات أجنبية، وتخضع في أنساقها للعرف اللهجي الإقليمي أو الجهوي، كما يمكن التصرف المطلق في تراكيبها، نظراً لتداولها في الحوارات والتخاطب. لقد بدأ البعض يدعو إلى اعتمادها لغة رسمية ووطنية لتحل محل اللغة العربية من دون معرفة لما يتطلبه الاشتغال اللغوي والآليات المنهجية والمعرفية لنقل لهجة لها خصوصية التخاطب وتفتقر إلى المعيرة إلى مجال علمي ومعرفي، مما يطرح فهم الدوافع والأهداف الكامنة وراء هذه الدعوة الغريبة عن علوم اللغة وأدواتها ومنهجيتها، وقد أصبح لها أنصارها، وهم فئتان:
أ- فئة تنطلق من منطلق البحث السوسيولوجي والدراسات اللسانية.
ب. والفئة الثانية لها خلفية معقدة التركيب، منها ما هو إيديولوجي وما هو عنصري.
ترتكز الفئة الأولى على أطروحة بديهية عندما تعتبر أن الدارجة المغربية لغة الأم، ولها أن تحظى بموقعها المتميز في المجتمع، ما دامت لهجة التخاطب والحوار اليومي، وعليها أن تحتل موقعها الذي تمارسه، وهذا من حيث التوجه ولغة الخطاب اللغوي لا إشكال فيه، وقد يدعم بأبحاث لسانية جامعة مرغوب فيها وبالأخص. عندما يتم التركيز علمياً على أوجه علاقتها باللغة العربية، والبحث في أساليب تطويرهما معاً، هذا التوجه يجب أن يحتل دوره في مجمل الأبحاث اللغوية الجامعية.
وعلى عكس الفئة الأولى، تذهب الفئة الثانية إلى ما هو أبعد، وإن كانت توظف أطروحتها إلا أنها ذات قصور معرفي مما يطرح إشكال المعرفة اللغوية، والفائدة العلمية، هذا بالإضافة إلى الخلفية الإيديولوجية التي تعني بصريح العبارة ترسيخ الأهداف الكامنة وراءها، أي اعتماد اللغة الأجنبية في التعليم والتدريس وتعميق إشاعتها في مرافق الدولة، إذ مهما بلغت الدارجة من الشيوع لن تصل أبداً لا إلى مستوى اللغة العربية أو الأجنبية على حد سواء، لكونهما خضعتا للبحث والتنقيب والتنميط والتقعيد خلال قرون، وهم يعرفون أيضاً وعلى وعي تام بأن الدارجة المغربية لا يمكن لها أن تضاهي اللغة العربية أو أن تكون بديلا لها، وقد أضحت لغة التدريس والعلم، وتشكل الوجه اللامع والبارز للحضارة العربية وتراثها عبر مسارها الطويل.
ومما يستغرب له لدعم توجهات لا علمية وفاقدة للحس الوطني، إشاعة مقولة اللا أمن اللغوي (L?insécurité linguistique) وقد أضحت متداولة للتخويف عمداً في محاولة لإيهامنا بأننا لكي نعيش أمناً لغوياً يجب اعتماد الدارجة في الدرس التعليمي والعلمي، وهذا ما أعتبره شخصياً لغواً ولا علاقة لأصحابه بالمعرفة اللغوية وسياق تطوراتها.
إذ أن لغة الدرس والعلم لغة معيرة، أي لها قواعدها وتحكمها ضوابط التطور اللساني والمعرفة العلمية، وغير خاضعة للطوارئ الشفوية العابرة والمتداولة في الشوارع والحانات، فضلاً عن جانب أساسي يتعلق بالاقتصاد والتهيئة اللغوية، هل يعرف أنصار الدارجة المغربية قيمة الكلفة الاقتصادية التي يتطلب اعتمادها لإنجاز رغباتهم، من حيث الكفاءات العلمية والأطر المختصة لذلك، وترجمة الكتب من العربية إلى العربية الدارجة، وخط كتابتها، فضلاً عما له علاقة بالكتب المدرسية العلمية والسنين الطويلة التي علينا أن نستغرقها لنحقق مطالبهم.
إن من يحاول يقارن بين الأمازيغية والدارجة المغربية باعتبارهما لغتين وطنيتين كمن يسبح في الهواء لاصطياد الهباء ولإخفاء حقد دفين بمظلة وطنية، حقد كامن وراءه هدف واضح: عرقلة العملية التعليمية وإحباط المشروع التربوي الوطني الذي يسهر على إنجازه كافة الفاعلين والقوى الوطنية الحية في بلادنا.
وللحديث بقية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.