كرة القدم الإسبانية.. مدرب أتلتيك بلباو إرنستو فالفيردي يغادر منصبه نهاية الموسم    الوداد – أولمبيك آسفي. المباراة الحاسمة للتأهل إلى نصف النهائي    نشرة إنذارية.. زخات رعدية ورياح قوية مرتقبة بعدد من مناطق المغرب    يورتشيتش: تفاصيل تحسم مواجهة الجيش    منتخب فلسطين يعتذر عن عدم خوض وديتي موريتانيا وبنين بالمغرب    تعليق الرحلات البحرية بين طريفة وطنجة بسبب سوء الأحوال الجوية    بعد أن رفضوا مساعدته في حربه ضد إيران.. ترامب يصف دول حلف الأطلسي ب "الجبناء"    إحباط محاولة تهريب أطنان من المخدرات بميناء طنجة    مقاييس الأمطار بالمغرب في 24 ساعة    صلاة وفرحة عيد الفطر في هولندا: مناسبة تجمع أفراد الجالية المغربية    الملك محمد السادس يؤدي صلاة عيد الفطر في الرباط ويتقبل التهاني    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت        سحب دواء موجه لحديثي الولادة بالمغرب    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تندد بتضييق السلطات الجزائرية على جمعية عائلات المفقودين وتدعو إلى رفع القيود    تحذيرات أمنية لكأس العالم وتأخر التمويل يربك استعدادات الولايات المتحدة    زوجة ولي عهد النرويج: إبستين خدعني    الأولى منذ 59 عاماً.. إسرائيل تمنع صلاة العيد في المسجد الأقصى    توقيف جندي إسرائيلي بشبهة التجسس    إسبانيا تخفّض ضريبة الوقود والكهرباء    جلالة الملك يصدر عفوه السامي على 1201 شخصا بمناسبة عيد الفطر السعيد    إسرائيل وإيران ترفعان وتيرة الهجمات وسط اضطراب في أسواق الطاقة    سريلانكا ترفض طلبا أمريكيا لاستخدام أراضيها في الحرب على إيران    تراجع أسعار النفط بفعل تحركات غربية    الصين: علماء يزرعون جزيرات البنكرياس المستخلصة من الخلايا الجذعية لعلاج داء السكري من النوع الأول    الاتحاد الأوروبي يقترح خفض الضرائب على الكهرباء لمواجهة صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب    أمرابط والزلزولي يتألقان مع بيتيس        بايتاس: الدعم الاستثنائي للنقل موجه لحماية القدرة الشرائية للمواطنين    تدخل أمني بطنجة ينتهي بتوقيف مشتبه فيه بسرقة دراجة نارية بعد مقاومة عنيفة        بايتاس: دعم مهنيي النقل موجّه للمواطنين لأنه يضمن استقرار أسعار السلع والخدمات    مطار مراكش المنارة يتوج بجائزة أفضل مطار جهوي في إفريقيا    الانتماء بعد الحدود    الملك يعفو عن 1201 شخصا بمناسبة عيد الفطر    السردية الوطنية في النقاش العمومي    محمد وهبي يغير جلد المنتخب الوطني ويؤكد فتح صفحة جديدة    رحيل أبي العزم .. "صانع المعاجم" وازن بين البحث العلمي والعمل السياسي    حَنَّ    حجز وإتلاف 602 طنا من المواد غير الصالحة للاستهلاك خلال رمضان    الحكومة تصادق على ثلاثة مراسيم جديدة تهم القطاع الصحي    عابر كلمات.. "سيرة الألم من الذات إلى العالم"    الأحمر يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    صيادلة المغرب يرفضون توصيات مجلس المنافسة ويحذرون من "خوصصة مقنّعة" للقطاع    لجنة البطاقة الفنية تنهي دراسة الطلبات المودعة الى غاية 31 دجنبر الماضي    قرار لجنة استئناف الكاف : انتصار ولو بعد حين    ظل الأفعى    قصف "المركز الثقافي للكتاب ببيروت"    رسميا.. تحديد مقدار زكاة الفطر بالمغرب لهذه السنة    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبد الرحيم بوعبيد وأجواء مؤتمر طنجة 1958

في أوائل أبريل 1958، وقع الاتفاق بين المرحوم المهدي بن بركة وبيني على ضرورة إطلاع علال الفاسي على تحليلنا للحالة في المغرب العربي, اتجهنا معا إلى منزله بطنجة, حيث كان مقيما منذ رجوعه من الخارج.
وبعد هذه الجلسة مع السي علال, تقرر بإجماع الثلاثة، الإعلان فورا عن الدعوة التي توجه من طرف حزب الاستقلال إلى الحزبين الشقيقين في كل من تونس والجزائر, من أجل عقد مؤتمر لتدارس الوضع في المغرب العربي، والعمل على تحديد آفاقه حالا ومستقبلا.
أما بقية أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال فلم يخبروا بهذا القرار إلا فيما بعد، لكن لم يكن أي اعتراض من طرفهم فيما إذا كانت الظروف مناسبة أولا فيما يخص جدول الأعمال. أما المحجوب بن الصديق, الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل، فكان رأيه على ما يظهر أن المبادرة ربما اتخذت قبل أوانها المناسب...
كان جواب جبهة التحرير الجزائرية بالقبول مجرد توصلها بالدعوة. أما حزب الدستور التونسي فلم يعلن عن قبوله ومشاركته إلا بعد مرور بضعة أيام.
وعندما تم الاتفاق بين المنظمات الثلاث ، تقرر عقد المؤتمر ابتداء من 27 أبريل 1958 بمدينة طنجة, وكان محمد الخامس رحمه الله يتتبع عن كثب كل مرحلة من مراحل هذه المساعي, مؤملا أن تنتهي إلى توحيد الخط، وإبراز الأهداف المشتركة بين الأطراف الثلاثة.
وبالفعل، انعقدت الجلسة الأولى لمؤتمر طنجة يوم 27 أبريل 1958 بقصر مرشان، في جو مؤثر من الحماس الشعبي وبحضور عدد كبير من رجال الصحافة العربية والأجنبية والعديد من الملاحظين الأجانب من مختلف التيارات والبعثات الدبلوماسية, وكان الوفد الجزائري يتضمن السادة بوصوف, بومنجل وعبد الحميد المهري, وكان هذا الأخير كثيرا ما يتكلم أثناء الجلسات باسم الوفد الجزائري. أما الوفد التونسي، فكان تحت رئاسة الباهي الادغم, ويضم من بين أعضائه مدير الحزب، السيد شاكر والتليلي كممثل للاتحاد العام للعمال التونسيين. أما الوفد المغربي فكان يتضمن أساسا علال الفاسي والمهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد ومحمد البصري بصفته ممثلا لأعضاء جمعية المقاومة وجيش التحرير، وأضيف إلى الوفد المغربي بمبادرة من علال الفاسي السيد الداي ولد سيدي بابا، الشيء الذي أثار شيئا من التحفظ من طرف الوفد التونسي، نظرا لموقف تونس آنذاك من قضية موريطانيا، لكن هذا الحدث لم يؤثر في النهاية على صحوة الجو بين الاطراف, حيث لم تدرج قضية موريطانيا في جدول أعمال المؤتمر.
انعقد مؤتمر طنجة في أجواء المؤامرات العسكرية والدبلوماسية التي كان يقوم بها آنذاك الاستعمار الفرنسي والاسباني, ضدا على الحركات التحررية من المغرب العربي, وليتسنى للقارئ أو الباحث الإحاطة بأهم المعطيات والأحداث العسكرية التي كانت شعوب المغرب العربي تواجهها من أجل الحفاظ على استقلالها ومواصلة الكفاح لاستكمال وحدتها الترابية. وهنا يجب التذكير بأطماع الاستعمار الفرنسي للسيطرة على جميع المناطق الصحراوية، ليجعل منها منطقة تابعة للسيادة الفرنسية. والتأكيد اعتمادا على المصادر الفرنسية والاسبانية ,أن تلك الأطماع لم تكن مجرد نظريات أو تخمينات, بل كانت تنطلق من عمليات استراتيجية عسكرية وديبلوماسية.
1 - بتاريخ 8 فبراير 1958 هجم سلاح الطيران الفرنسي على قرية ساقية سيدي يوسف بتونس,حيث توجد قواعد عسكرية لجبهة التحرير الجزائرية, هجوم خلف خسائر بشرية ومادية فادحة، فأثار الهجوم الغادر استنكار الرأي العام الدولي، وكان المغرب بالطبع في طليعة من أدانوا تلك العملية الوحشية المدبرة، لكن المهم من هذا الحدث الشنيع هو إظهار عزم الجيش الفرنسي في الجزائر, الذي كان يتصرف باستقلال عن حكومته المركزية بباريس، على توجيه ضرباته التخريبية إلى كل من تونس والمغرب، نظرا لمساندة القطرين لجبهة التحرير في كفاحها ضد الاحتلال. كما تبين للرأي العام الدولي أنه بدون تحرير الجزائر، فمن المحتمل أن تمتد الحرب إلى كل من تونس والمغرب وتشمل الاقطار الثلاثة, الأمر الذي سيتولد عنه وضع خطير في البحر المتوسط.
2 - وبتاريخ 10 فبراير 1958، أي يومين بعد الهجوم على ساقية سيدي يوسف وقع هجوم من طرف الجيش الفرنسي والجيش الاسباني على وحدات الجيش
المغربي، في كل من وادي الذهب والساقية الحمراء، وذلك بمقتضى حلف عسكري سري أبرز بين قادة الجيش الفرنسي وقيادة الجيش الاسباني. جيش التحرير استطاع منذ سنة 1955 أن يحرر الصحراء المغربية بأجمعها، حتى اضطر الإسبانيون الى الاحتفاظ بالعيون والداخلة فقط. أما الجيش الفرنسي فكان يرى في احتلال جيش التحرير لمجموع الصحراء (الغربية) خطراً على شمال موريطانيا، وبالأخص على قاعدة تيندوف. الأمر الذي كان يخشاه الجيش الفرنسي، هو أن تصبح هذه المنطقة من الصحراء المحررة واجهة جديدة تصبح في متناول جيش التحرير الجزائري.
وكثيراً ما يقال إن هذه العملية المشتركة بين المستعمرين، الفرنسي والإسباني، تسمى بعملية «إيكوميون». والحقيقة أن العملية العسكرية كانت تحمل اسم «أورگان». والجزء منها الذي قام بتنفيذه الجيش الفرنسي انطلاقاً من جنوب الصحراء هو الذي أطلق عليه اسم «إيكوميون». أما الجزء الذي وُكل إلى الجيش الإسباني، انطلاقاً من الساقية الحمراء فكان يُدعى بعملية «تايدي».
وليس المجال هنا لوصف هذه العملية العسكرية بكل ما يلزم من دقة، لكن الأمر الذي يجب إبرازه هو أن الجيش الفرنسي كان يخشى أن تصبح الصحراء (الغربية) قاعدة جديدة، في إمكان جيش التحرير الجزائري استعمالها لفتح واجهة جديدة في الجنوب الصحراوي. لذلك تدخل الجيش الفرنسي بكيفية مكثفة وأباح للجيش الإسباني أن يسترجع احتلاله على أهم مناطق الصحراء المغربية.
3 والعامل الثالث الذي كان يُلفت الأنظار، أثناء انعقاد مؤتمر طنجة، هو الهيجان السائد في الجزائر. إذ أصبحت الجالية الفرنسية وبمساندة جيش الاحتلال تعتبر نفسها في شبه استقلال بالنسبة لحكومة باريس، التي كان الغلاة الفرنسيون يتهمونها بالتخاذل والخيانة. فيما يرجع لمستقبل الجزائر. وعلى أي حال، تبين بعد مرور أسبوعين على مؤتمر طنجة، إن الجمهورية الرابعة الفرنسية انتهى أجلها وجاء الجنرال دوكول في أواخر ماي 1958 بضغط من الجالية والجيش الفرنسي في الجزائر.
وهكذا دخلت حركة التحرير الجزائرية ومجموع أقطار المغرب العربي، مرحلة جديدة في كفاحها.
إذن انعقد المؤتمر (مؤتمر طنجة) في الظروف الداخلية والخارجية التي أشرت الى بعض الجوانب منها. في جلسة الافتتاح، فوجئنا بمبادرة من السيد باهي الأدغم، الذي اقترح باسم الوفد التونسي أن تسند رئاسة المؤتمر وتسيير جلساته الى علال الفاسي. فكان الإجماع على المقترح التونسي.. وهنا تجب الإشارة إلى أن الحاج أحمد بلافريج لم يلتحق بالوفد المغربي إلا في جلسة الختام.
استمرت الجلسات طيلة ثلاثة أيام في جو من الصفاء والشعور بخطورة المسؤولية لا بالنسبة لماضي المغرب العربي، ولكن أساساً بالنسبة إلى المستقبل.
أما أهم القرارات التي اتُفق عليها بالإجماع، والتي أعلن عنها أثناء ندوة صحفية، يوم اختتام المؤتمر، فهي تتلخص في النقط التالية:
1 حق الشعب الجزائري في استرجاع سيادته الكاملة وإعلان الاستقلال. والتزام الشعبين التونسي والمغربي وحكومتهما إزاء الجزائر المجاهدة، ببذل المساعدة الكاملة، ماديا وماليا وديبلوماسيا إلى نهاية التحرر من الوجود الاستعماري في هذه المنطقة من المغرب العربي.
2 قررت الأطراف المشاركة في المؤتمر أن تؤسس في أقرب وقت حكومة جزائرية مؤقتة، وذلك باستشارة مع كل من المغرب وتونس، لتكون هذه الهيئة المؤسسة الشرعية الناطقة باسم الشعب الجزائري.
3 يندد المؤتمر بالمساعدات المالية والعسكرية التي يتوصل بها الاستعمار الفرنسي من طرف بعض الدول الغربية، وخاصة منها دول الحلف الأطلسي، ويوجه المؤتمر إنذاراً لهذه الدول مفاده أن المغرب وتونس لا يمكنهما أن لا يقوما بردود الفعل اللازمة، إزاء هذا التصرف العدواني.
4 يقرر المؤتمر أنه حان الوقت للعمل على تشييد أسس المغرب العربي الكبير، وفقاً للأماني المشتركة لكافة شعوب الأقطار الثلاثة. ويعتبر المؤتمر أن الوحدة المنشودة من الممكن أن تكون على شكل فيدرالي، اعتباراً للمعطيات الخاصة التي يتسم بها كل قطر من الأقطار الثلاثة.
5 وفي هذا الصدد، وفي انتظار أن تتحرر الجزائر من الاحتلال الأجنبي، يوصي المؤتمر بتأسيس مجلس استشاري للمغرب العربي، يضم أعضاء من المجالس الوطنية في كل من تونس والمغرب، وأعضاء من مجلس الثورة الجزائري.
وتكون مهمة هذه المؤسسة المشتركة دراسة القضايا المتعلقة بوحدة المغرب العربي، من النواحي الاقتصادية والثقافية والبشرية، واتخاذ مراقب في شكل ملتمسات وتوصيات توجه إلى حكومات الأقطار الثلاثة، وبالجملة يكون دور هذه المؤسسة القيام بكل أشكال الدراسات اللازمة، والعمل على تعميق الوعي لدى شعوب المنطقة بالأخبار والمداولات العلنية والحرص على السير في طريق الوحدة بفعالية ومسؤولية.
5 تأسيس كتابة دائمة لمؤتمر المغرب العربي, مهمتها العمل على تطبيق المقررات السابقة، وتنسيق العمل بين الأحزاب الثلاثة والدعوة، إن اقتضى الحال إلى عقد اجتماع كلما اقتضت ذلك الظروف الداخلية والخارجية.
وطبقا لهذه المقررات، شكلت ثلاثة وفود مشتركة لتبلغ نتائج المؤتمر، الى كل من جلالة الملك محمد الخامس، والرئيس الحبيب بورقيبة وجلالة الملك ادريس السنوسي بليبيا.
وكان السيد بوصوف هو المكلف برئاسة الوفد الذي اقتبل من طرف جلالة محمد الخامس, وكان الاستقبال حارا من طرف العاهل المغربي، حيث أكد بصفة خاصة ضرورة تأسيس حكومة جزائرية مؤقتة، تكون الناطق باسم الشعب الجزائري في المحافل الدولية، كما أعطى الأمر بتقديم مساعدة مالية لجبهة التحرير الجزائرية، كأول دعم مادي للثورة التحريرية.
واسند للمهدي بن بركة رئاسة الوفد الذي قدم نتائج المؤتمر الى الملك ادريس السنوسي.
تلك هي القرارات التي أعلن عنها عند انتهاء المؤتمر، لكن الجلسات تناولت مواضيع أخرى دون أن يتخذ فيها قرار أو توجيه.
فالوفد المغربي طرح نوعية العلاقات التجارية والاقتصادية مع أقطار السوق الأوربية المشتركة. وكانت سنة 1958، سنة الدخول في حيز التطبيق لمعاهدة الدول الأوربية الست، فاقترح الوفد المغربي تأسيس لجنة خاصة لدراسة الموضوع، واقتراح خطة مشتركة, على الأقل بين تونس والمغرب إزاء دول السوق الأوربية المشتركة .وفي نهاية الأمر تبين أن الموضوع يتطلب وقتا لدراسة علاقات كل طرف من الأطراف المغربية إزاء الأقطار الأوربية وخاصة منها فرنسا.
كما طرح الوفد إنشاء مؤسسة مشتركة لتنسيق تسويق منتوجاتنا إلى الخارج، وبالأخص منها الفلاحية والمعدنية والبحرية، بدلا من أن تستمر المنافسات بين هذه المنتوجات التي يستفيد منها أرباب المصالح الأوربية على حسابنا.
وأخيرا تقدم الوفد المغربي باقتراح يرمي إلى اتخاذ قرار يتعلق بإنشاء وحدة جمركية، تضم الأقطار الثلاثة، على أن يتدرج المشروع على عدة مراحل فيما يخص البضائع، وفيما يخص الزمن، حيث ذكر الوفد المغربي عدة بضائع مغربية يمكنها أن تباع في السوق التونسية، وفيما بعد في السوق الجزائرية، وكذلك الأمر فيما يتعلق ببعض المنتوجات أو البضائع التونسية أو الجزائرية بالنسبة للسوق المغربية.
كل هذه المقترحات كانت ترمي إلى تمتين روابط التعاون بطرق تدرجية واقعية، تأخذ بعين الاعتبار المعطيات الخاصة لكل قطر، لتكون في نهايتها هادفة إلى انشاء منطقة تعاون متضامن في الميدان الاقتصادي والتجاري، حتى تصبح لوحدة المغرب العربي أسس صلبة تتطور بحسب الظروف مع تطور الزمن.
لكن بعد مداولات صريحة, تغلب الرأي الذي كان يقول بإرجاء البت في كل هذه القضايا والمقترحات إلى لقاءات قادمة...
تلك كانت نظرتنا، نحن في المغرب الى المنهج الذي كان يجب سلوكه لبناء صرح المغرب العربي الموحد. وهي نظرة تتسم في رأينا بالواقعية، واعتبار العقبات الظرفية أو المحلية، ولكنها جادة في سيرها الى الأمام، تجعلنا نتغلب بأكثر فعالية على رواسب الاستعمار في الداخل، ونستطيع أن نوجه كذلك، بأكثر فعالية وبعمل منسق متواصل علاقاتنا مع الخارج، أعني مع الدول الصناعية.
ماذا يمكن القول اليوم وقد مرت 25 سنة على مؤتمر طنجة؟ الجواب واضح: كل الإلتزامات التي تعهدت بها الأطراف ظلت حبرا على ورق. بل أصبح التوتر بين أقطار المغرب العربي على أشده، خاصة منذ سنة 1974.
كانت اطماع الاستعمار الفرنسي، سنة 1958، تهدف إلى الاحتفاظ بالسيطرة على كل المناطق الصحراوية، شرقا وغربا، وسعت فرنسا للتفرقة بيننا، كأقطار مجاورة. وفشلت هذه المساعي بتنسيق العمل ووحدة الرأي ، وإعطاء الأولوية لقضية الشعب الجزائري المجاهد. هذا ما يشهد عليه التاريخ وكنا نأمل, بل نريد أن يحول المخطط الاستعماري الى مخطط يجمع شعوب المغرب العربي لتصبح المناطق الصحراوية وخيراتها المادية و البشرية مناطق استغلال مشترك، يكون ركنا أساسيا لبناء المغرب العربي، كل ذلك في إطار احترام السيادة الوطنية لكل طرف من الأطراف.
كل ذلك لم يكن, وهذا هو الواقع الملموس والذي يؤسف له. فالمناطق الصحراوية، بدلا من أن تجمع بيننا، تحولت إلى عامل التفرقة والمواجهة الحادة الخطيرة.نحن في الاتحاد الاشتراكي، نقول، ومازلنا نقول ذلك، أنه لو تأسس مثلا المجلس الاستشاري للمغرب العربي, كما تقرر ذلك في مؤتمر طنجة، وأصبح يباشر مهامه في تخطيط مراحل البناء المشترك، وتدليل العقبات، والتغلب على عوامل الخلط والتقييم الخاطئ،لكنا استطعنا أن نتجنب حرب الرمال سنة 1963، وقضية الصحراء التي أثيرت على الشكل المعروف سنة 1974، ولكانت شعوب المغرب العربي قد استطاعت أن تتبع الأحداث وتطوراتها من خلال مداولات هذا المجلس وتكون لها سلطة القرار إزاء الأجهزة الحاكمة.
إن لكل طرف من الأطراف مسؤولياته الخاصة، إزاء شعوب المغرب العربي، بمن فيهم سكان المناطق الصحراوية. لكن التعبير اليوم عن مشاعر الأسف والحسرة لا يفيد في شيء، لتجديد العزم - إن كان هناك عزم - لتلافي الأخطاء.
إذا كانت ذكرى مؤتمر طنجة مفيدة، حيث تجعلنا نقيم الوضع الجديد, فإن الفائدة كل الفائدة المؤملة هي أن تدفعنا هذه الذكرى جميعا في انطلاقة جديدة خالصة لأداء الرسالة ا لمنوطة بنا في صدق وأمانة وواقعية، وذلك بالتخلي عن روح الهيمنة و«الوطنية» الضيقة.
وهكذا دخلت حركة التحرير الجزائرية ومجموع أقطار المغرب العربي، مرحلة جديدة في كفاحها.
إذن انعقد المؤتمر (مؤتمر طنجة) في الظروف الداخلية والخارجية التي أشرت الى بعض الجوانب منها. في جلسة الافتتاح، فوجئنا بمبادرة من السيد باهي الأدغم، الذي اقترح باسم الوفد التونسي أن تسند رئاسة المؤتمر وتسيير جلساته الى علال الفاسي. فكان الإجماع على المقترح التونسي.. وهنا تجب الإشارة إلى أن الحاج أحمد بلافريج لم يلتحق بالوفد المغربي إلا في جلسة الختام.
استمرت الجلسات طيلة ثلاثة أيام في جو من الصفاء والشعور بخطورة المسؤولية لا بالنسبة لماضي المغرب العربي، ولكن أساساً بالنسبة إلى المستقبل.
أما أهم القرارات التي اتُفق عليها بالإجماع، والتي أعلن عنها أثناء ندوة صحفية، يوم اختتام المؤتمر، فهي تتلخص في النقط التالية:
1 حق الشعب الجزائري في استرجاع سيادته الكاملة وإعلان الاستقلال. والتزام الشعبين التونسي والمغربي وحكومتهما إزاء الجزائر المجاهدة، ببذل المساعدة الكاملة، ماديا وماليا وديبلوماسيا إلى نهاية التحرر من الوجود الاستعماري في هذه المنطقة من المغرب العربي.
2 قررت الأطراف المشاركة في المؤتمر أن تؤسس في أقرب وقت حكومة جزائرية مؤقتة، وذلك باستشارة مع كل من المغرب وتونس، لتكون هذه الهيئة المؤسسة الشرعية الناطقة باسم الشعب الجزائري.
3 يندد المؤتمر بالمساعدات المالية والعسكرية التي يتوصل بها الاستعمار الفرنسي من طرف بعض الدول الغربية، وخاصة منها دول الحلف الأطلسي، ويوجه المؤتمر إنذاراً لهذه الدول مفاده أن المغرب وتونس لا يمكنهما أن لا يقوما بردود الفعل اللازمة، إزاء هذا التصرف العدواني.
4 يقرر المؤتمر أنه حان الوقت للعمل على تشييد أسس المغرب العربي الكبير، وفقاً للأماني المشتركة لكافة شعوب الأقطار الثلاثة. ويعتبر المؤتمر أن الوحدة المنشودة من الممكن أن تكون على شكل فيدرالي، اعتباراً للمعطيات الخاصة التي يتسم بها كل قطر من الأقطار الثلاثة.
5 وفي هذا الصدد، وفي انتظار أن تتحرر الجزائر من الاحتلال الأجنبي، يوصي المؤتمر بتأسيس مجلس استشاري للمغرب العربي، يضم أعضاء من المجالس الوطنية في كل من تونس والمغرب، وأعضاء من مجلس الثورة الجزائري.
وتكون مهمة هذه المؤسسة المشتركة دراسة القضايا المتعلقة بوحدة المغرب العربي، من النواحي الاقتصادية والثقافية والبشرية، واتخاذ مراقب في شكل ملتمسات وتوصيات توجه إلى حكومات الأقطار الثلاثة، وبالجملة يكون دور هذه المؤسسة القيام بكل أشكال الدراسات اللازمة، والعمل على تعميق الوعي لدى شعوب المنطقة بالأخبار والمداولات العلنية والحرص على السير في طريق الوحدة بفعالية ومسؤولية.
6 تأسيس كتابة دائمة لمؤتمر المغرب العربي, مهمتها العمل على تطبيق المقررات السابقة، وتنسيق العمل بين الأحزاب الثلاثة والدعوة، إن اقتضى الحال إلى عقد اجتماع كلما اقتضت ذلك الظروف الداخلية والخارجية.
وطبقا لهذه المقررات، شكلت ثلاثة وفود مشتركة لتبلغ نتائج المؤتمر، الى كل من جلالة الملك محمد الخامس، والرئيس الحبيب بورقيبة وجلالة الملك ادريس السنوسي بليبيا.
وكان السيد بوصوف هو المكلف برئاسة الوفد الذي اقتبل من طرف جلالة محمد الخامس, وكان الاستقبال حارا من طرف العاهل المغربي، حيث أكد بصفة خاصة ضرورة تأسيس حكومة جزائرية مؤقتة، تكون الناطق باسم الشعب الجزائري في المحافل الدولية، كما أعطى الأمر بتقديم مساعدة مالية لجبهة التحرير الجزائرية، كأول دعم مادي للثورة التحريرية.
واسند للمهدي بن بركة رئاسة الوفد الذي قدم نتائج المؤتمر الى الملك ادريس السنوسي.
تلك هي القرارات التي أعلن عنها عند انتهاء المؤتمر، لكن الجلسات تناولت مواضيع أخرى دون أن يتخذ فيها قرار أو توجيه.
فالوفد المغربي طرح نوعية العلاقات التجارية والاقتصادية مع أقطار السوق الأوربية المشتركة. وكانت سنة 1958، سنة الدخول في حيز التطبيق لمعاهدة الدول الأوربية الست، فاقترح الوفد المغربي تأسيس لجنة خاصة لدراسة الموضوع، واقتراح خطة مشتركة, على الأقل بين تونس والمغرب إزاء دول السوق الأوربية المشتركة .وفي نهاية الأمر تبين أن الموضوع يتطلب وقتا لدراسة علاقات كل طرف من الأطراف المغربية إزاء الأقطار الأوربية وخاصة منها فرنسا.
كما طرح الوفد إنشاء مؤسسة مشتركة لتنسيق تسويق منتوجاتنا إلى الخارج، وبالأخص منها الفلاحية والمعدنية والبحرية، بدلا من أن تستمر المنافسات بين هذه المنتوجات التي يستفيد منها أرباب المصالح الأوربية على حسابنا.
وأخيرا تقدم الوفد المغربي باقتراح يرمي إلى اتخاذ قرار يتعلق بإنشاء وحدة جمركية، تضم الأقطار الثلاثة، على أن يتدرج المشروع على عدة مراحل فيما يخص البضائع، وفيما يخص الزمن، حيث ذكر الوفد المغربي عدة بضائع مغربية يمكنها أن تباع في السوق التونسية، وفيما بعد في السوق الجزائرية، وكذلك الأمر فيما يتعلق ببعض المنتوجات أو البضائع التونسية أو الجزائرية بالنسبة للسوق المغربية.
كل هذه المقترحات كانت ترمي إلى تمتين روابط التعاون بطرق تدرجية واقعية، تأخذ بعين الاعتبار المعطيات الخاصة لكل قطر، لتكون في نهايتها هادفة إلى انشاء منطقة تعاون متضامن في الميدان الاقتصادي والتجاري، حتى تصبح لوحدة المغرب العربي أسس صلبة تتطور بحسب الظروف مع تطور الزمن.
لكن بعد مداولات صريحة, تغلب الرأي الذي كان يقول بإرجاء البت في كل هذه القضايا والمقترحات إلى لقاءات قادمة...
تلك كانت نظرتنا، نحن في المغرب الى المنهج الذي كان يجب سلوكه لبناء صرح المغرب العربي الموحد. وهي نظرة تتسم في رأينا بالواقعية، واعتبار العقبات الظرفية أو المحلية، ولكنها جادة في سيرها الى الأمام، تجعلنا نتغلب بأكثر فعالية على رواسب الاستعمار في الداخل، ونستطيع أن نوجه كذلك، بأكثر فعالية وبعمل منسق متواصل علاقاتنا مع الخارج، أعني مع الدول الصناعية.
ماذا يمكن القول اليوم وقد مرت 25 سنة على مؤتمر طنجة؟ الجواب واضح: كل الإلتزامات التي تعهدت بها الأطراف ظلت حبرا على ورق. بل أصبح التوتر بين أقطار المغرب العربي على أشده، خاصة منذ سنة 1974.
كانت اطماع الاستعمار الفرنسي، سنة 1958، تهدف إلى الاحتفاظ بالسيطرة على كل المناطق الصحراوية، شرقا وغربا، وسعت فرنسا للتفرقة بيننا، كأقطار مجاورة. وفشلت هذه المساعي بتنسيق العمل ووحدة الرأي ، وإعطاء الأولوية لقضية الشعب الجزائري المجاهد. هذا ما يشهد عليه التاريخ وكنا نأمل, بل نريد أن يحول المخطط الاستعماري الى مخطط يجمع شعوب المغرب العربي لتصبح المناطق الصحراوية وخيراتها المادية و البشرية مناطق استغلال مشترك، يكون ركنا أساسيا لبناء المغرب العربي، كل ذلك في إطار احترام السيادة الوطنية لكل طرف من الأطراف.
كل ذلك لم يكن, وهذا هو الواقع الملموس والذي يؤسف له. فالمناطق الصحراوية، بدلا من أن تجمع بيننا، تحولت إلى عامل التفرقة والمواجهة الحادة الخطيرة. نحن في الاتحاد الاشتراكي، نقول، ومازلنا نقول ذلك، أنه لو تأسس مثلا المجلس الاستشاري للمغرب العربي, كما تقرر ذلك في مؤتمر طنجة، وأصبح يباشر مهامه في تخطيط مراحل البناء المشترك، وتدليل العقبات، والتغلب على عوامل الخلط والتقييم الخاطئ،لكنا استطعنا أن نتجنب حرب الرمال سنة 1963، وقضية الصحراء التي أثيرت على الشكل المعروف سنة 1974، ولكانت شعوب المغرب العربي قد استطاعت أن تتبع الأحداث وتطوراتها من خلال مداولات هذا المجلس وتكون لها سلطة القرار إزاء الأجهزة الحاكمة.
إن لكل طرف من الأطراف مسؤولياته الخاصة، إزاء شعوب المغرب العربي، بمن فيهم سكان المناطق الصحراوية. لكن التعبير اليوم عن مشاعر الأسف والحسرة لا يفيد في شيء، لتجديد العزم - إن كان هناك عزم - لتلافي الأخطاء.
إذا كانت ذكرى مؤتمر طنجة مفيدة، حيث تجعلنا نقيم الوضع الجديد, فإن الفائدة كل الفائدة المؤملة هي أن تدفعنا هذه الذكرى جميعا في انطلاقة جديدة خالصة لأداء الرسالة المنوطة بنا في صدق وأمانة وواقعية، وذلك بالتخلي عن روح الهيمنة و«الوطنية» الضيقة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.