عزيز أخنوش: حنا باقين في الحكومة ومستعدين نتحملو المسؤولية    مجلس بوعياش يستعد للرد على الحكومة بخصوص مشروع قانون “عهد حقوق الطفل في الإسلام”    بنعبد الله يستقبل قيادات نسائية    آلاف المحتجين يتظاهرون ضد تكنولوجيا "الجيل الخامس" في سويسرا    مسابقة "يوروفيجن" تغرّم مجموعة أيسلندية بسبب ألوان العلم الفلسطيني    المظاهرات تتجدد في مصر.. اشتباكات بين مئات المتظاهرين وقوات الأمن    حاريث ينال أولى جوائزه الفردية لهذا الموسم    أزمة الرياضة المكناسية وتعدد الجهات المتدخلة    شبكة للابتزاز الجنسي تسقط في يد تنسيق أمني بين فاس ومكناس فتح بحث قضائي مع المشتبه فيهم    هاشتاغ #كلنا _مع _ فرح يغزو مواقع التواصل الاجتماعي    تقرير: انخفاض معدلات وفيات الأطفال بالمغرب    دار الشعر بتطوان تفتتح الموسم الشعري الجديد وتعد عشاقها بالجديد    قسم الثقافة والفنون في سميل والثقافة العصرية    تجربة سريرية غير مرخصة لمرضى "باركنسون" و"ألزهايمر" في فرنسا    أشرف حكيمي يكشف عن مصير عودته للريال    ميسي يطالب بطرد دينامو الوسط من برشلونة    رئيس الأهلي المصري: الدوري وأفريقيا هما التحدي الأكبر    خاليلوزيتش يستدعي حمد الله لوديتي الأسود    رغم مجهودات الحموشي..سكان بن أحمد يشتكون ارتفاع الجريمة    أخنوش من أكادير: باقون في الحكومة.. وها علاش البيجيدي "تاي وكلني لعصا"    “رام” شريكة “يونيسكو” في تنمية إفريقيا    امزازي يخفق في مكافحة “الاكتظاظ” بالأقسام وتطبيق مذكرته السابقة بعد موسمين دراسيين    الفيديوهات المحرفة تؤثر على الأمن    نجاعة الحوار تنهي أطول اعتصام بتنغير    الإنتخابات في تونس: نجاح تجربة    في خطوة غير مسبوقة.. BMCE OF Africa تطلق النسخة الإلكترونية للتقرير السنوي    بيبول: حبيركو تستعد لتجربة تلفزيونية جديدة    صاحب “نزهة الخاطر” يودعنا    زوجة العروي تدخل عالم التأليف    افتتاح معرض "نافذة الإبداع" برواق النادرة بالرباط    فيلم »الأرض تحت قدمي » يتوج بجائزة مهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا    خبير اقتصادي: وضع السوق لا يدعو أبدا إلى القلق أسعار العقار السكني تتراجع    باكستان: مقتل 26 شخصا في حادث تحطم حافلة شمالي البلاد    قضاة الجزائر يهدّدون بالتصعيد    نزار بركة : الخروج من الأزمة يفرض تفكيرا مغربيا خالصا    شبيبة حزب التجمع الوطني للأحرار تدعو إلى إنتاج نخب سياسية جديدة    حق الولوج إلى العدالة.. المغرب في المرتبة 45 عالميا    رجل يقتحم مسجدا بسلاح في فرنسا ويصيب نفسه    افتتاح أول معبد يهودي رسمي بالإمارات في 2022    تغييرات جذرية في تحديث "واتسآب" الجديد    طقس نهاية الأسبوع.. سحب كثيفة مع قطرات مطرية    لاعبو نهضة بركان يرحبون بالمدرب الجديد طارق السكتيوي    ديربي الغضب.. إنتر يفوز على ميلان و يتصدر الكالتشيو    "علاش" لفرقة كواليس تخلق الحدث بمهرجان القاهرة للمسرح    احتجاز ناقلات «الاحتجاج»    الهجمات على «أرامكو» تربك العالم.. حذر ومخاوف من أزمة طاقية    نقطة نظام.. ما يحتاجه جطو    النظام الضريبي المحلي بالمغرب متوافق مع المعايير المعتمدة في البلدان الأخرى    رئيس “مغرب الزهايمر”: تضاعف عدد مرضى الزهايمر في المغرب عشرات المرات وعددهم بلغ الألف    مراكش.. فاعلو الطيران الخاص يلتئمون بمناسبة النسخة الثالثة لمعرض الطيران الخاص وطيران رجال الأعمال بالشرق الأوسط وشمال افريقيا    المغرب يسجل 31 ألف حالة إصابة بالسل سنويا    هذه الآية التي افتتح بها أخنوش جامعة شباب الاحرار بأكادير    دراسة: الجوع يغير بشكل كبير مهارات صنع القرار -التفاصيل    دراسة: فقر الدم خلال الحمل يؤدي لإصابة الطفل بالتوحد – التفاصيل    تساؤلات تلميذ..؟!    الشباب المسلم ومُوضة الإلحاد    الاجتماع على نوافل الطاعات    على شفير الإفلاس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الشعب يريد ...


- 1 -
هل الشعب مقياس دال على إرادة ما، وهل يمكن لعدد كبير من الأفراد التعبير عن إرادة جماعية موحدة، وهل يملك بالضرورة هذه الإرادة...إن اصطلاح «شعب» يظل غامضا و مبهما في أغلب الأحيان ولا وجود سياسي معقلن وثابت دال عليه، إلا إذا ما اعتبرناه دالا على واقع يظل باستمرار قيد التكوين وفي وضع صيرورة. معنى هو أن اصطلاح «شعب» الذي يطلق على حشد معين من الأفراد يتباين عدده، لا يخلق بالضرورة الواقع الاجتماعي والسياسي الذي يحيل عليه وأن هذا الأخير يظل في أغلب الأحيان غائبا أو قيد الإتيان. إن غموض الاصطلاح ذاته والتباسه يدلان على أن «شعب» ليس معطى بديهي ناجز وجاهز، ليس مسبقا يمكن الوثوق به نظريا وعمليا، اصطلاح «شعب» هو مجرد اسم نطلقه بشكل مؤقت على عقد تناقضات معينة ذات طابع سياسي و تاريخي، وعلى علاقات معقدة وفق نزعة إرادوية بانية. لكن الواقع يظل باستمرار مخالفا للخطاب. ينبغي القول بأن الشعب كل شعب، بالتعريف والتنكير يظل بعيدا نظريا عن إنتاج ذاتية على المستوى المعرفي، أو وعيا بذاته يجعله قادرا على تملك وجوده وإرادته داخل التاريخ، بالشكل الذي يدفعه إلى أن يكون محاثيا لعقل التاريخ أو مكره، أي أن كل شعب على حدة هو شعب المعرفة التاريخية التي يتم إنتاجها لتفسير وجوده وفعله ومنحها دلالة، لا الأفكار الآنية التلقائية التي تنتجها الكثير من الخطابات الحماسية والتلقائية متوهمة أنها المعرفة بالذات. الأمر شبيه في هذا السياق بالعلاقة التي تتأسس بين خطاب حقوق الإنسان والذات المفترضة التي يؤسسها كذات الحق، والتي لا يكون لها وجود خارجه، بحيث أن الخطاب الحقوقي كان سابقا على الواقع الحقوقي وهو الذي أسهم بشكل أساسي في إنتاج معرفة به. بهذا المعنى ينتج المفكرون والمنظرون المحترفون من ثوريين وغيرهم خطابات نظرية حول الشعب الذي يريدونه وفق نمط من الإرادة المعرفية البانية، شعب من البروليتاريا أوالفلاحين أو من المواطنين...الخ، علما أن اصطلاح «شعب» يظل خارج هذه التعريفات هلاميا منزوع الإرادة وفاقدا لتاريخيته المفترضة التي تحدد مرجعياته الناظمة على أساس الانتماء والمواطنة... وقد يكون الانتماء الديني هو الناظم الأول والوحيد كما نجد في الدول التيوقراطية أو في اصطلاح «أمة» الفضفاض و الشديد الالتباس أكثر من الأول، بحكم أنه يحيل على جماعة المؤمنين لا على جماعة المواطنين.
إذا كان الشعب كيانا سياسيا محددا ومؤسسا وفق طبيعة الحكم الذي تميزه، فإنه يظل أيضا المحفز الرئيس لسلسلة من الإسقاطات المتخيلة التي تهزأس من كل اشتغال مفاهيمي وتفقده توازنه. لا ندري حينها هل نتحدث عن شعب فعلي وواقعي، عن شعب شكلي أم عن شعب أسطوري خاضع لفنتازمات معينة حتى يكون هدف حديثنا بالضبط إيجاد مجموعة اجتماعية معينة. لأن مفهوم شعب يظل غامضا وملغزا لأنه في آن عامل من عوامل الوحدة الاجتماعية (الشعب الموحد) أو التفرقة (الأقليات الفاعلة). تتضمن الأنسيكلوبيديا التي وضعها الموسوعيون في القرن السابع عشر مقالا كتبه دوجوكور يقترح التعريف التالي : (شعب : اسم جماعي من الصعب تحديده، لأننا نكون عنه العديد من الأفكار المختلفة في مناطق وأزمنة متنوعة، وحسب طبيعة أنظمة الحكم). أما قاموس «روبير» فيحدد في المدخل المعجمي لكلمة «شعب» ما يلي :
1 - كل مجموعة من الناس يعيشون داخل مجتمع، ويقيمون فوق أرض محددة، ويشتركون في عدد من العادات والمؤسسات.
2 - مجموعة من الأشخاص الخاضعين لنفس القوانين والذي يكونون جماعة.
3 - جماعة حشد من الأشخاص المجتمعين.
تتضمن كلمة شعب من خلال هذين التعريفين الموجزين معنى جغرافيا (ساكنة، مستوطنون) ومعنى زمنيا (بالمقارنة مع مجتمع معطى) ومعنى سياسيا خالصا (مجموع رعايا حكومة ما). تأتي صعوبة التحديد وتنوعها من أن الكلمة ليست معطى ثابت في حيز التجربة النظرية و التاريخية، لأنها واقع متغير بتغير التجارب السياسية وتنوعها وتمايزها، إذ يبنى الشعب من جهة كذات فكرية من طرف نماط حكم ما (السيادة الشعبية)، وينطرح من جهة أخرى كعلامة دالة بالأحرى على حيوية جماعية تنعلن بشكل مباشر في سياقات معينة. إن (غرابته المقلقة) كحشد أو كدهماء تحوله إلى جماعة هلامية مرفوضة (البروليتاريا مثلا) بإمكانها تدمير كل نظام حكم مهما كانت طبيعته وصلابته. أغلب المفكرين والمنظرين السياسيين في العصر الحديث أجمعوا على التمييز بين الفرد القادر على التعبير عن اختيارات عقلانية، والحشد الذي تحركه النوازع والأهواء والدوافع الغريزية (الشعب المنطلق الزاحف، والشعب الطيب العقلاني الذي يعبر عن نزوعاته عبر نوازع متحكم فيها) . إن تجسيد لشعب شيزوفريني، الشعب الذي تقمص جسدا إما ليقاوم السيادة الزائفة التي تمارس باسمه، أو ليبحث عن التحقق في ما يظنه/ يريده سيادته الحقيقية، وقد سبق لروبسبيير أحد زعماء الثورة الفرنسية الإشارة إلى ذلك حين قال في إحدى خطبه (26 ماي 1794)، بأن هناك شعبين في فرنسا واحد تشكله كتل المواطنين الخالصة، البسيطة العطشى للعدالة وصديقة الحرية، وآخر يتشكل من مزيج من الطامحين والماكرين الذي هو الشعب الثرثار المشعوذ المصطنع، شعب الغرباء والأفاقين والمنافقين المضادين للثورة، الذين يتموقعون بين الشعب الفرنسي وممثليه ليخدعوا الأول وينشروا الإشاعات الكاذبة عن الجانب الثاني. إنه التصور الصراعي/الحربي للسياسة نوعا ما والذي نجده عند ماركس وكارل شميت وفوكو، والذي يعتبر السياسة استمرارا للحرب بوسائل أخرى، ما دام الجسد الاجتماعي مكونا من قوى متعارضة وليس بإمكانه التشكل كذات كونية إلا عبر تدمير «الجزء الملوث غير الخالص» منه. لايمكن في حقل الفلسفة السياسية التصدي لكلمة أو اصطلاح كهذا دون الاضطلاع بغموضه والتباسه وتقلبه كدلالة ومعنى من جهة وكواقع سياسي تجريبي من جهة أخرى، مسكون بتيارات وحركات وأقوال وأفعال تؤسس لحركيته وديناميته، ولعل التظاهرات في الشوارع والساحات كما عرفناها في سياقات ولحظات دورية وكما رأيناها مؤخرا في دول مختلفة من شمال إفريقيا والشرق الأوسط، جسدت بالملموس الفضاء العمومي الذي صارت داخله الاحتجاجات والحركية الاجتماعية مرئية، لأن الشعب الذي تم تهميشه وإقصاؤه من حيز اللعبة السياسية عبر آليات التسلط والمكر والاستحواذ، بدأ يزأر و يزمجر معلنا عن نفسه في الخارج المكاني والزماني، المادي والرمزي للسلطة المهيمنة. تكشف هذه المقاومة بشكل ملموس الشرخ القائم والمؤسس من طرف نظام تمثيلي (سواء كانت تمثيليته زائفة / مزورة أو ناجمة عن انتخابات نزيهة)، بين الشعب السياسي والشعب السوسيولوجي، وهو الشرخ الذي يعاش ويختبر كنوع من الاستيلاب. يجب التأكيد هنا بأن المقاومة هي العنصر المضاد للديمقراطية التمثيلية (سواء كانت ناهضة على الزيف والتزوير أو حقيقية...ولنشر في هذا السياق أن أكثر الأنظمة إيغالا في التوتاليتارية والاستبداد وممارسة العنف السياسي، كانت تسمي نفسها ديمقراطية شعبية...بها مجالس الشعب)، إذ لا دموقراطية حقة بدون تنازلات للحركات الاحتجاجية التي تقودها وتؤطرها اندفاعات الحشود. مهما كانت الهلامية التي تطبع الشعب والدرجة القصوى للغموض والالتباسات التي تطاله، فإنه حين ينتفض ويتمرد مثلا ضد انتخابات يعتبرها خيانة لإراداته، فإنها يعتبر نفسه بطريقة لاواعية «الشعب الفعلي والواقعي» الذي انتزع منه الحاكمون حقوقه : أي المقصيون والمهمشون والبؤساء..هذا هو الشعب الذي ينتفض حينها ليطالب بحصته. ظهر موقف التعاطف الشعوري مع الشعب كطبقة مقصية مع الثورة الفرنسية في كتابات سان-جوست وغيره، حيث صار مجموعة من الصفات الأخلاقية: إن الإقصاء الذي تؤول مسؤوليته للنظام التمثيلي، والذي تضيف إليه الماركسية الاستيلاب الاقتصادي موضع الشعب داخل شرط بئيس وشقي أمتاح منه فضيلته وسمح له تبعا لذلك بالرنو إلى شرعية كونية. كان روبيسبيير في نوع من الإلحاح يفكر في سن عيد للبؤس أي للشعب. يمنح التمرد أو الانتفاضة هذا الشعب المقصي إمكانية الدفاع عن مصالحه الخاصة، وأن يكون في لحظة ما في علاقة مباشرة مع نفسه، أو أن يوجد كإرادة سياسية بلا وساطة، إذا ما تعلم كيف يلج الركح السياسي ويتمظهر فوقه. لعل هذا ما نزعت إليه شعارات «الشعب يريد...» في ميدان التحرير وغيره علما أن إرادة كهذه، وفي هذا السياق الغامض المشوب أصلا باندحار السياسة على مدى عقود لم تتجاوز عتبة الشعار، وينتقل الشعب الذي يريد إلى عتبة التجسيد الملموس لإراداته عن طريق التحقق في كونيته كجماعة من المواطنين تعبر عن إراداتها وتدافع عنها بشكل عقلاني، أي كشعب حامل للسيادة من جهة ويشكل في الآن موضوع السلطة وذاتها من جهة أخرى. يجب ألا ننسى في هذا السياق بأن مفهوم «شعب» بني قانونيا دائما خلال مسألة السيادة، وإذا لم يحكم عقل الإرادة ممارسة هذه الإرادة وتحققها كسيادة، ويوجهها فإنه يقود حتما على اغتيال العقل، أي إلى إرادة مغلوطة وبئيسة تكون ضد المصالح الخاصة والمباشرة للشعب، والأدهى والأمر هو حين يدافع هذا الأخير عن عبوديته وخضوعه لإرادة رجعية نكوصية واستبدادية معتقدا بأنه يدافع عن حريته. هنا بالذات يكون مطروحا على كل إرادة معلنة وآنية للشعب أن تناضل أيضا ضد نفسها، وضد النزوعات الارتكاسية والمحافظة داخلها، لأن الغضب الشعبي أو تمرد الحشود لا يفرز دائما البديل السياسي العقلاني المنتظر. باسم نظرية الشعب والحشود الطليعية أباد بول بوت في حوالي أربع سنوات ما يقارب المليونيين من الكمبوديين، وباسم الشعب صعدت الآن في أكثر من بلد في شمال إفريقيا والشرق الأوسط أو ننتظر الصعود قوى في وصية رجعية إيديولوجيا حاملة لنماذج ماضوية.
- 2 -
لاتتعلق المسألة هنا بأخطاء تكتيكية بل بغياب مأساوي لكل بعد شمولي. لكن الدرس التاريخي المتعدد يعلمنا بالضرورة أنه ليس من المفروض في شعب ما التوفر على ثقافة إستراتيجية. هناك في اللقاءات والتجمعات والسياقات والصدف غير المسبوقة، يتشكل هذا الغياب الفاعل الذي يتمرن على نمط وجود سياسي معين، يتشكل كحشود «كجماعات» في الشوارع والساحات للتعبير عن إرادة ما. ينبغي التأكيد هنا بأن اصطلاح شعب كان دائم الارتباط والإحالة استعاريا على الاحتجاج الشعبي في الأمكنة تلك، حيث يشيد متخيل جمعي ضام للأجزاء والشذرات والأجساد. إنه الانوجاد داخل دفء الحشد، الاستحمام بالحشد الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال تغييب قدرته الجماعية الفعالة على مقاومة القوة الموجهة ضده. إنه المرور من العزلة إلى الحشد، إلى الحياة الاجتماعية التي تلغي الخوف. يفسر سبينوزا في الفقرة الأولى من الفصل السادس من (رسالة في السياسة) هذا الخوف من العزلة، كتعبير عن الرغبة في الحشد . multitudo إن الانطولوجيا السياسة كلها تنهض على هذا الجوهر الجماعي للوجود، على خلق الرابط الاجتماعي والعيش المشترك...أي على الرغبة في الوجود الاجتماعي الذي هو جماع أجساد متعددة ومتضامنة. الأخطر في هذا السياق ليس الرغبة في حد ذاتها بل التلوينات والتأويلات الإيديولوجية التي تتلبسها، وهنا بالذات يصعب القول عن تجمعات الحشود هل هي تعبير عن هستيريا جماعية، أو تمظهر فعال لمقاومة الهيمنة، بالرغم من أن الحق في المقاومة يظل الأساس الناظم لوجود الحشد، كما أشار إلى ذلك ماكيافيلي في سياق حديثه عن تمرد الشعب على علية القوم أو كبارهم باسم الحرية التي هي الخير الأسمى والأثمن. تلزم الإشارة في هذا السياق بأن رسالة سبينوزا المشار إليها أعلاه ظلت غير مكتملة وتوقفت بشكل غريب في بداية حديثه عن الديمقراطية باعتبارها حكم العدد الأكبر الذي يرمي إلى إضفاء طابع مطلق على الحرية. إن تحول الرغبة في الحشد إلى رغبة في الديمقراطية يشير بشكل قوي وملموس إلى ضرورة إشراك المحكومين في الحكم.
إن الشعب رغم كل الكوارث المحيطة بالاصطلاح نظريا وتطبيقيا يظل ذات هذه الرغبة بامتياز أو أن هذه الرغبة هي التي تستدعيه للتشكل كذات سياسية. إن الذات السياسية إذن ليست معطى جاهز بل تتشكل إيديولوجيا ونظريا خلل الخطاب/اللغة/الاصطلاح/التجربة التي تستدعيها لتصير كذلك. هل يمكن مثلا، على الطرف الآخر النقيض، التفكير في سياسة لاتتماهى وسقف الحكم، في نمط اشتغال سياسي لا يضع السلطة هدفا له. أي ممارسة السياسة دون الرنو إلى الحكم أو إلى إيجاد حاكمين جيدين، وبدون التفكير في إلغاء الاختلاف بين الحاكمين والمحكومين وفق برنامج يحيل عليه تعبير أو اصطلاح السياسة غير الحكومية. إن هذا النمط من الاشتغال والنضال لا يعني بالضرورة الانسحاب من السياسة بل التفكير في ممارسة سياسة مغايرة لا تخضع أبدا لنمط فهم وتأويل فاشي مطلق، هذه السياسة التي لا ترنو إلى حكم ما هو لا سياسي بالضرورة بل هي السياسة منظور إليها كسياسة محكومين أي تلك الممارسة من طرف المحكومين من حيث هم كذلك حتى لايحكموا بشكل مفرط. إن الشأن يتعلق عميقا بمسألة السيادة. يرى هوبز في كتابه (المواطن) بأن نظام الحكم كيف ما كانت طبيعته وشكله يوحد الحشد من الأفراد ليصير شعبا ويمنحه الوجود السياسي ليصير (الشعب) مجرد تعلة قانونية، على اعتبار أن الحاكم في المقام الأخير هو الذي يمثله ويجسد ماهية وجود الجسد السياسي.
أما عند روسو الذي يروم التأكيد على الطابع غير القابل للاختزال لسيادة الشعب بالمعنى الديمقراطي، فإن كل مواطن يمتلك حصته من السيادة، التي لا يمكن التخلي عنها وإلا تخلى عن حريته. يقرر هوبز بأن الملك في النظام الملكي هو ما يسمى الشعب وهو ما يحيل على قول نيتشه : (أنا، الدولة، أنا الشعب)، أما روسو فيرى في (العقد الاجتماعي/ فصل3/ XV) بأن الشعب الانجليزي يعتقد بأنه حر، ولكنه يخطئ لأنه ليس حرا إلا إبان عملية انتخاب أعضاء البرلمان وبمجرد ما ينتخب هؤلاء يصير عبدا أي لا شيء. لا يمكن بالنسبة لروسو تمثيل الإرادة الشعبية أبدا، لأنها إما أن تكون موحدة أو تكون غير ذلك. يذهب روبسبيير بعيدا للقول بأن أمراض المجتمع لا تأتي من الشعب بل من الحكومة، ويتحدث عن النقاء الأخلاقي لأن السلطة بالنسبة له فاسدة، حتى المعيار الديمقراطي الناهض على تماهي الحاكمين والمحكومين يصير غير ذي جدوى ويفقد مصداقيته مثلا لدى المنظر الفوضوي باكونين الذي يعتبر التمثيل النيابي قمعا. كل واحد يرى الشعب من منظوره، وهو ما يسهم بشكل كبير في هشاشة الاصطلاح، وصعوبة أن يكون مقياسا سياسيا ناظما وقارا. ليتشكل الشعب كذات سياسية يجب أن يتجسدن في علاقة مباشرة مع ذاته، وألا يوجد إلا خارج كل نظام نيابي. إن التمرد والانتفاضة أي العمل المباشر هو على ما يبدو ما يمنحه الوسيلة للقيام بذلك، حيث تحضر صورة المتمرد (اختارتها مجلة تايم شخصية السنة 2011) كتجسيد للشعب. إنه صراع من أجل الاعتراف يكون الشارع والساحة مسرحه، وعبره نرى الحضور المزدوج للشخص كمتفرج وكفاعل، أي كذات تحس بنوع من المتعة عبر مشاركتها في حدث جماعي، وكذات فاعلة تسهم في بناء نظام سياسي جديد. تحتاج الذات إلى تمثل المفاهيم السياسية التي تنبجس إبان الحدث الثوري، وذلك بطريقة جمالية. ذاك ما تملكه وأشار إليه كانط عبر وقوف عند التجاور الوثيق بين الحكم الجماعي العاكس والحكم السياسي، إذ توجد الأحداث التي يمارس الشعب من خلالها سلطة تأسيسية حقيقية، في اللحظة ذاتها التي يؤسس فيها لمعايير جديدة. تختزن ذاكرة التاريخ وأمكنته الكثير من هذه اللحظات الشعبية المؤسسة المشوبة بطابع جذري متعذر لا الاختزال وبجدة لا تبلى. لو أمكن الحديث عن الاشتغال الفعال للديمقراطية لقلنا بأنها ليست نمط حكم معين قابل للنمذجة ولا أسلوب حياة اجتماعية، بل هي نمط تذويت عبره توجد ذات سياسية. لا يوجد الشعب إلا عبر أنماط التذويث التي يمر منها كنخبة ديمقراطية تارة وكرعاع ودهماء تارة أخرى ثم كبروليتاريا دون أن يسكن بشكل نهائي أي من هذه الصور. إن الشعب هو دوما شعب الصورة التي نكونها عنه، لذا فإن معاني الاصطلاح تختلف وتتنوع باختلاف الصور،
قد نجد الشعب على حافة السياسة وضفافها تماما كنوع من الملحق المزروع زرعا في خطابات وتدخلات نظرية تتخذه بمثابة تعلة لتبرير مصداقيتها الفكرية، وقد نجده خارج السياسة كلية، تائها في ما يشبهه صحراء متناسلة لارجعة منها ولا مسالك تسمح بالخروج من شساعتها الغامضة، هي نفسها صحراء الخطابات والتنظيرات التي تتكلم باسمه ونيابة عنها باعتباره الغائب الكبير الذي يروم الفكر الإبقاء عليه دوما في بياته الشتوي، وقد نجده منذغما في حقل السياسة منخرطا فيها عبر إسهامه كجماعة من المواطنين في الشأن السياسي العام لا عبر الاكتفاء بالتمرن على الديمقراطية العددية (ديمقراطية صناديق الاقتراع) بل عبر التمرن على الثقافة الذهنية الديمقراطية العميقة، حيث يصير الشعب بالذات ذات الديمقراطية، هذه الذات ستظل حتما ذات الصراع التي تناضل من أجل التحقق في جماعة العدد الأكبر الذي تخرج أحيانا كثيرة أجزاء وحصص كبيرة منه من عملية العدد والإحصاء. إنها ديمقراطية الحساب الذي يطال أولئك الذي لا يدخلون في عملية الحساب عادة، ولا يتم الدخول بالضبط إلى عبر إضفاء الطابع الصراع على الديمقراطية. لا يمكن في غياب التجاذبات والتناقضات التي تمزق كل ديمقراطية حقة التفكير في أفق ممارسة ديمقراطية، إذ سنظل حينها أسيري فكرة عن الإنسان تدمر كل تأكيد على إنسانيته حين تبقى عليه أسير كيانات متعذر تحديدها أصلا مثلا : دولة، مجتمع، شعب، أمة. الأحسن والأكثر إجرائية في هذا السياق هو محاولة تبيان النموذج التفسيري paradigme الكامن خلف كل اصطلاح على حدة، والطريقة التي تم بناؤه وفقها داخل ظروف وسياقات تاريخية محددة. إن لحظات التمرد الشعبي تسهم دون شك في تحرير الكلام، لكنه تحرير لا ينبغي أن يمارس فقط على المستوى الإيديولوجي والسجالي، بل أن يتم على المستوى الفكري والنظري أيضا كتحرير للنظرية من إكراهات القمع والمنع والطابوهات، أيا كانت نوعية السلطة التي تصدر عنها سواء على المستوى السفلي (شرائح المجتمع) أو الفوقي (الطبقة الحاكمة). لا تؤول مسألة الهيمنة لإرادة السياسة وممارستها وعلاقاتها وحدها، بل ترجع أيضا لنمط سياسة الحقيقة السائد. من الدال هنا العودة إلى مفهوم الهيمنة عند غرامشي الذي يحيله أساسا على طبيعة وميكانزيمات الهيمنة البورجوازية في المجتمعات الرأسمالية المستقرة. إن مفهوم الهيمنة حسبه هو اللفظ الملائم لوصف علاقة ناهضة على القبول، أكثر مما تنهض على القوة والهيمنة، والذي يوحد (أي المفهوم) جماعة مهيمنة أو طبقة اجتماعية مهيمنة وجماعات أو طبقات تابعة لها. لا يوجد الشعب إلا انطلاقا من داخل تشكيلة خطابية أو إيديولوجية ما. إن الاجتهاد النظري الرامي إلى تحديد اللامحدد يجعل طموحات الفلسفة السياسية منذورة حتما للاضطلاع بإكراهاتها وعوائقها. يقود هذا بالضرورة إلى دحض الطرح التبسيطي القائل بأن الشعب موجود سلفا ومعطى جاهز وناجز وأنه بمثابة المسبق التاريخي. لا تماهي بين السيادة والشعب، إن السيادة التي تمارسها دولة ما هي التعايش بين الداخل والخارج، الدمج والإقصاء الذي تقوم به السلطة، وهذه السيادة ذات وجه وقفا وكلاهما معا خطيران، لأن السيادة la souveraineté تؤسس وتستدعي انطلاقا منها شعبا غير موجود أوان التأسيس والشعب من جهته يروم تأسيس وتملك سيادة قد لا يحوز عناصر ملكيتها وأدوات ممارستها بالضرورة. كلا الاصطلاحين في هذا السياق، أي السيادة والشعب، يعيش كل منهما أزمته التأسيسية الخاصة على المستوى القانوني (تحديد الأسباب التاريخية للصراع من أجل تحديد الموقع النوعي للسيادة الداخلية، مادام قد تم سلفا نسيان الدولة -الجماعة أو الشعب الذي هو موضوعها، مما يحول السيادة إلى اصطلاح فضفاض) وعلى المستوى السوسيولوجيا السياسية التي ترى في السيادة اصطلاحا عديم الدلالة ما دامت الدولة تتماهى والعديد من الأنظمة والأنساق التحتية التي لايتفوق أحدها على الآخر. إن العقدة التاريخية التي اتسمت بها وطرحتها الأنظمة السياسية الناهضة على السيادة الشعبية تتحدد هنا في السؤال التالي: هل من الضروري سياسيا ومنطقيا أن تصير الديمقراطية التي مازالت سلطتها في الكثير من السياقات والشروط موضع نقاش، شعب دولة ما؟
يقود هذا بالضرورة إلى القول بأن «الشعب الذي يريد..»، يلزمه بدءا أن يريد وجوده أولا داخل عقدة تناقضات ملائمة قد تطرحه كفرضية من ضمن فرضيات أخرى قيد التحقق والإتيان، لأن «الشعب» لا يسكن أبدا إسمنت البرهان و واحديته.
- 3 -
هناك بصدد الدعوة إلى التمرد موقفان وبعدان، إذا ما اعتبرنا أولا بأن النواب يمثلون الشعب ويجسدونه، وفق منطق هوبز، فإن التمرد سيكون ديمقراطيا غايته امتلاك «الشعب الواقعي» للسيادة التي يمتلكها النواب (إنه المعنى الذي يكتسيه اصطلاح ثورة)، أما إذا تم اعتبار النواب أنفسهم كوكلاء عن الشعب الذي تحققت سيادته، فإن التمرد سيكون حينها ببساطة الطريقة التي من خلالها يمكن مراقبة استعمال النواب لهذه السيادة. إن المقاومة من وجهة نظر هذه الأطروحة الثانية، ستصير حقا بالمعنى الذي يحاسب فيه الموكل وكيله. يعتبر هوبز بأن الحق في المقاومة المزعوم يؤدي إلى مأزق منطقي، فحين تهاجم الحشود المتمردة الحاكم تدمر الشعب، لأنها تقوم بتنحية الملك الذي يمنح الشعب وجوده ويشكله كذات سياسية. لايعترف هوبز بالحق في المقاومة إلا في إطار الحق الطبيعي. يبرر بلانكي من جهته التمرد على اعتبار أن النيابة عن الشعب استيلاب لسيادته، لأن من يتكلمون باسمه داخل المؤسسات ليس الشعب الحقيقي، الذي يظل على هامش شؤون الدولة ولا يكون له وجود سياسي. تعتبر السياسة الحديثة بالنسبة لبلانكي غير ديمقراطية، لأن الشعب لا يوجد في أحسن الأحوال سوى كتخيل قانوني يكرس تهميش وإبعاد «الشعب الواقعي». إن الشعب يظل بالنسبة له صامتا، يوجد ويتحرك بعيدا عن دوائر القرار السياسي حيث تتحدد مصائره. لهذا السبب يعتبر بلانكي التمرد برقا يشي بالسيادة ويدل عليها، وطريقة من الطرق ليؤكد الشعب وجوده السياسي، ويتحول المتراس إلى نوع من الديمقراطية المباشرة التي يمارسها الشعب، يمثل نفسه عبرها ويتجسدن كذات سياسية. إن الحق في مقاومة القمع والاستبداد السياسي لا يمكن أن يكون شرعيا، إلا شريطة ممارسته داخل إطار دستوري، حينها سيتماهى بقوة ومذهب العصيان المدني كما طرحه طورو المفكر السياسي الأمريكي في القرن 19، وكما طرحه جون راولز في كتابه (نظرية العدالة) والفيلسوف الألماني هابرماس في القرن 20 . إن وضع آلية لمراقبة دستورية القوانين، ولتحيين الإرادة التأسيسية من شأنها نزع الشرعية عن مقاومة السلطة. هذا ما تذهب إليه وتقول به مصادر القانون الدستوري المعاصر. لكن منظرين آخرين يذهبون إلى القول أن التمرد وحده يسمح شرعيا، بمعاقبة الأفعال غير الدستورية التي تقوم بها السلطات العمومية، وكل منع له (التمرد) معناه تشجيع الديمقراطية التمثيلية التي لا يمكن مراقبتها، وفتح الباب أمام ما يسميه أحدهم (استبداد الخدم). تعتبر الحرية من هذا المنظور، «الحكم المباشر للشعب من طرف الشعب»، هنا يكمن الخلاص شريطة إضفاء طابع قانوني على هذه اللحظة التأسيسية، وتجنب السقوط في الشعبوية التي هي إفساد للديمقراطية. إن التمرد وسيلة يمنحها الشعب لنفسه ويضطلع بها لتأكيد حضوره السياسي، باعتباره ممثل نفسه في الفضاء العام الوحيد الذي يملكه، أي الشارع حيث يمكن أن يمارس وجوده بلا وسطاء. من نافل القول أن الخطاب القانوني، يشتغل على الشعب كذات من داخل ثنائية «الحضور-الغياب». أما التمرد فيفرز لنا التوتر الدائم بين التمثل القانوني-السياسي للشعب (الشعب النوعي الذي تحدث عنه فيورباخ) من جهة، وحقيقته الملموسة من جهة أخرى حين يتموضع بعيدا عن السلطة. الأمر يتعلق بصراع الصور الجديد كالذي عرف سابقا حول صور القديسين، لأن الشعب الحاكم لا يمكن ولا يجب تمثيله. لقد بين بيير بورديو صعوبة تنظيم مقاومة المهيمن عليهم. حين أشار بأن التعارض الجواني الكائن في السياسة والذي يؤكد صعوبة تكوين الأفراد، خصوصا إذا كانوا بؤساء كمجموعة، أي كقوة قادرة على إسماع صوتها وإلزام الآخرين بالإنصات لها، إلا إذا تخلت عن هذه المهمة لصالح ناطق باسمها. يجب دائما حسب بورديو، المجازفة بالسقوط في الاستيلاب قصد الإفلات من الاستيلاب السياسي. لكن هذا الخيار ليس مطروحا دوما إلا بالنسبة للمهيمن عليهم. إنه نوع من الجدل الشقي الذي يكون مطروحا عليهم باستمرار الاضطلاع به. لهذا السبب يمكن القول بأن المهيمنين يكونون دوما موجودين سلفا، كنوع من المسبق السياسي والتاريخي، بينما لا يتأكد وجود المهيمن عليهم ولا يصير ناجزا أبدا، ضمن نوع من المنجز السياسي الذي يظل قيد الإتيان، إلا حين يتعبؤون وينهضون ويتوفرون على أدوات وعناصر تمثلهم. هناك فرق أساس بين النيابة أو التمثيل الذي ينطرح كتحويل للسيادة وتخل عنها، والنيابة أو التمثيل «المسموح به» كتحويل للكلام، لأن المتكلمين باسم المهيمن عليهم هم الذين ينظمون أنفسهم، ويتعبؤون باسم المحرومين من الكلام والتعبير. هنا بالذات يصير الشارع أو الساحة في المقام الأخير، الركح الذي فوقه تمارس الديمقراطية كتمثيل حي. إن الإرادة المعبر عنها تنطرح دوما انطلاقا من وضعها الاعتباري الإشكالي والمعقد سياسيا ونظريا، ولا تظل وتمارس كشعار ترى فيه الحشود/ تعبر من خلاله عن نفسها إلا لحظة ترديده، لأن إرادة السياسة أو سياسة الإرادة مسألة تظل خارج الحماس الذي يسود اللحظة الشعارية الحشدية، متعلقة بالتفاوض والتوافق حول طاولة المفاوضات. الشعب يرى في ذلك مجرد خيانة، ولكن السياسة التفاوضية والتوافقية ترى فيه الواقع الوحيد والممكن الذي لا مفر منه. من الضروري انطلاقا من هذا الوضع الاعتباري المتقلب، التفكير في الديمقراطية كواقع قيد التحقق والإتيان، أي تأسيس الديمقراطية، أو إعادة تأسيسها كما بين انتقالي بين لحظتين أو نظامين سياسيين، وسيكون التأسيس الانتقالي هنا معقدا أكثر بالنسبة لشعب ينتقل من لحظة/نظام غياب السياسة و نفي الديمقراطية إلى محاولة تشييدهما من فراغ، كما يحدث في الانتقال من نظام استبدادي إلى آخر نقيض له. إن الأمر يتعلق ببناء ذاتية سياسية تعددية قادرة على إعادة تأسيس السياسي أو تأسيسه مجددا كمشتركcommun . إذا كان غياب المواطنة و انمحاء المواطنين، يعني كما في أنظمة الطغيان السياسي، الغياب المحتوم للديمقراطية، فذلك لأن هذه الأخيرة لا تحيا ولا تنتعش إلا بكلام المواطنين وحضورهم الفعال. إن المعركة مع الطغيان السياسي، لا تخاض فقط من أجل الوجود والشرعية السياسيين، بل تخاض أيضا من أجل الحق في الكلام وحرية التعبير والوعي، وهنا بالذات نرى لماذا يروم المستبد القضاء على إمكانية وجود المجتمع المدني، لأن من شأن إلغائه إلغاء السياسة ككل باعتبارها المشترك المدني بين جماعة المواطنين، ونرى لماذا تغيب كلية في أنظمة الطغيان السياسي، النقابات والأحزاب السياسية والجمعيات المدنية، أي كل الأماكن والمناطق الاختلافية التي يكون الكلام داخلها ممكنا. إن الاستبداد السياسي يمارس دوما في واقعيته الرعناء كنفي ودحض تامين لكل تخيل سياسي، بينما تنطرح الديمقراطية كنوع من «السلطة التأسيسية» التي تحيل على نوع من «التخيل التأسيسي والمؤسساتي»، إذ يتعلق الأمر ببناء المشروع الاجتماعي على أساس المحايثة الراديكالية التي يكون فيها كل عنصر «خارج اجتماعي» لاغيا وغير ذي جدوى. إن مشروع المحايثة السياسية والاجتماعية الراديكالية، هو الذي يستدعي هذا الشعب الممكن أو شعبا قيد الإتيان، لأنه يتعلق بكل ما هو قابل للمساهمة والاقتسام داخل المجتمع. إن المشروع الشيوعي هو في العمق هذا المشترك السياسي، المبني على أرض
الراديكالية، حيث تستدعي إنسانية الإنسان في واقعيتها التاريخية بعيدا عن كل تصور ميتافيزيقي، وحينها يتحقق التعادل بين الديمقراطية والاشتراكية والاستقلال الذاتي داخل دائرة الحرية الإنسانية. إن سياسة المشترك le commun هذه ليست شأن متعلقا بالخبراء، ولكنها تتعلق بالكل أو الجماعة المحددة والكائنة داخل حدودها الخاصة والمشتركة، ولا يمكن هنا إلغاء التراث والإرث في تاريخيته الملموسة بل تأسيس علاقة جدلية بينه وبين القوى الاجتماعية الحية والمبدعة، لأنه ينتمي للربط الجدلي بين المؤسس والمؤسس، وللعلاقة الوثيقة بين الاجتماعي والإيديولوجي، والاقتصادي والسياسي. إن واقع سياسة المشترك لا يمكن الإمساك به إلا عبر تملك هذا التعقيد، المنجز والمفتوح على النقد في آن. لهذا نقول بأن مفهوم «شعب» ليس مستقرا ولا منتهيا داخل سقف واحديته وإسمنته الإيديولوجي، ولهذا يظل مطروحا في سياقات وعقد تناقضات عديدة كمجموعة غفل anonyme كغوغاء وكعامة، تصارع من أجل وجودها داخل أو بجوار السلطة السياسية. تماما كما حدث في الإمبراطورية الرومانية حيث كانت العامة من الناس أو الدهماء تتوفر على امتيازات وحقوق وتشكل أرستقراطية حقيقية، بالمقارنة مع العامة أو الدهماء التي تعيش بدون حقوق في مدن أخرى. كانت للدهماء الرومانية وضعية خاصة، لأنها تعيش على الهبات والعطايا ولا تمارس أي مهنة، ولا تتلاقى الدهماء الغنية التي تمارس المهن الحرة بالمقارنة مع الدهماء في البوادي والقرى، لأنها تنتمي لعرق الغزاة وتساهم في السلطة وتستفيد من خيراتها.
لايمكن أن نقول بأي حال من الأحوال بأن الشعب حقيقة معطاة سلفا، إلا إذا اعتبرناه حقيقة طيفية spectrale لايؤكدها التمثيل القانوني له، ولا التجسيد الحي والتعبير الملموس عنه حين يكون في علاقة مباشرة مع نفسه، أي لا يؤكدها التمثل المؤسساتي له ولا المضاد كلية للمؤسسات والذي يمكن أن يتماهى في حالاته القصوى مع الثورة الدائمة ومع الإرهاب. يمكن للتمرد أن يظهر أحيانا كثيرة باعتباره الوجه الخفي للديمقراطية، ولقد عبر روبسبيير سنة 1792 عن ذلك قائلا : «لا تبرز الأمة حضورها الفعال حقيقة، ولا تعبر عن قواها إلا في لحظات التمرد». هل التمرد هو مكبوت الديمقراطية الذي يتم تصعيده وعودته في لحظات وسياقات معينة؟. من الدال هنا القول مع حنا أردنت Hannah Arendt بأن (العنف يظل عاجزا عن الكلام) لأن التمرد قد يبرز قوى الشعب بشكل فعال ويعبر عن غضبه وعن فرحه، ولكنه يكون عاجزا عن ترجمة إرادته، في التشكل كذات سياسية.
- 4 -
في منظور التمرد، وانطلاقا من وجهة نظره وممارسته، تتحقق نوع من الصيرورة المغايرة التي عبرها تنبجس انسانية جديدة وحياة اجتماعية بديلة، وتنرئي في الأفق ملامح سياسية غير خاضعة لميكانيزمات الدولة ومنطقها. لكن حيثما تكف الدولة عن الوجود، ينبثق اللامحدد السياسي الآهل بمنظورات ومسارات مختلفة، ذلك الفضاء من التنضيدات والانتظامات الجديدة والجماعية التحررية، التي تعلن عصر الحشود. هذه الفكرة بالذات أو الطرح الإشكالي قد يكون مساهمة في الطوبى utopique الحديثة للسديم، فكرة «القبضة الخفية» التي تقول وجود عبقري خفية تتشكل خلال المجتمعات التي تولد من رحم الحمى الثورية، بعيدا عن الحق/الحقوق وقريبا جدا من الحرية. الملاحظ أن هذا المنظور (التمرد) قد يفضي إلى طوبى تحررية إنسانية، كما قد يفضي إلى طوبى استبدادية ولا إنسانية، وفي النموذج الأول يمكن أن نحيل على أمثلة الثورات التي نجحت في التأسيس لإنسان مغاير ولقيم جديدة كالفرنسية (بالرغم من سنوات الرعب) والأمريكية، أما في النموذج الثاني فيمكن الإحالة على أمثلة الثورات الروسية التي سرعان ما قادت إلى الستالينية، والصينية قادت إلى دكتاتورية ماو، وتجربة بول بوت ومجازره الدموية في كمبوديا، والثورة الإيرانية التي أفرزت دولة دينية يحكمها الملالي والفقهاء المحافظون، وقريبا منا جدا هذه الانتفاضات المسماة «الربيع العربي» والتي أفضت في غالبيتها لظهور حركات وقوى دينية أصولية مناقضة جذريا لفكرة التحرر و للحرية كحق وقيمة ولصيرورة التاريخ، و معارضة لمسألة فصل الدين عن الدولة ولكل حداثة سياسية ممكنة.
سنعود هنا مجددا للتأكيد على القول الذي يذهب إلى أن الثورات يفكرها وينظر لها الحالمون، ويقوم بها المتحمسون ويستفيد منها الانتهازيون. الغريب أن الديمقراطية تتماهى في سياقات الانتفاضة أو الثورة، مع نوع من القبول بشرعية العنف في المقام الأخير، أي اختزال الديمقراطية اختزالا متعسفا في منظور واحدي الاتجاه وشديد التناقض، هو المنظور المضاد لكل نزعة قانونية، الذي يؤدي في النهاية إلى العدمية السياسية (مثل التأكيد أولا وأخيرا مثلا على الشرعية الثورية التي باسمها مارست أحزاب وأنظمة سياسية استبدادها في بلدان ومناطق عديدة على اعتبار ألا صوت يعلو فوق صوت هذه الشرعية). من يمتلك موهبة الكلام وحقه سيبحث ربما عن التحقق في شرعية أخرى تطرح وتمارس عبر الحوار والتفاوض، على اعتبار أن الإنسان «حيوان سياسي» (أرسطو) يمكنه تعويض الوقائع بالكلام والمناقشة حول القيم. لو أن إمكانية التحكم في التمرد والاحتجاج كانت متاحة بالفعل، فإنها لن تتموقع إلا في ما فكر فيه سبينوزا في الفصل العشرين من (رسالة في اللاهوت والسياسة)، أي داخل الحريات العامة الكلاسيكية : حرية التعبير التي تعني بالضرورة التخلي عن استبدادية الرأي الواحد، والإسمنت الإيديولوجي المتراص وسلطة الدوكسا التي تقصي كل اختلاف في الرأي والفكر،ثم في الحق في الإضراب والتظاهر...أو في، إذا ما أردنا مسايرة عالم السياسة والمنظر القانوني جون راولز العصيان المدني، ذلك الفعل العمومي كما يصفه في كتابه (نظرية العدالة، ص 405) غير العنيف، الذي يمارس في أغلب الأحيان من أجل إحداث تغيير داخل القانون أو سياسة الحكومة. هذه العناصر كلها تؤكد باستمرار بأن الشعب الممكن دوما هو الشعب الآتي، الذي يشكل المجموع في حساب الأقليات والهوامش الاجتماعية والسياسية والثقافية الاختلافية العنيد، أي الشعب الشيزوفريني الذي لا يتماهى وهوية إيديولوجية وسياسية متراصة، أي ضد الشعب البارانوي كمفهوم وكممارسة الذي تطرحه، تبشربه، وتمارسه الأصوليات الثقافية والسياسية والدينية، الشعب الذي تناضل نخبه، شرائحه وفئاته الاجتماعية من أجل عبوديتها كما لو أنها تناضل من أجل حريتها. من الضرورة التفكير هنا في مسألة مغايرة وهي إعادة النظر في العقدة التاريخية التي تشكلها السيادة، خصوصا حين تصير ذريعة لتأييد حالة استبدادية من المراوحة في المكان، تماما كما السيادة الشعبية التي تنجم عن الثورات و تنزع في أغلب الأحيان إلى تأبيد وضع بارانوي صلب تطرح فيه الشرعية الثورية كبديل دائم لكل شرعية ديمقراطية.
إن السيادة من هذا المنظور هي النقطة الخفية التي يتلاقى/يتقاطع فيها وجها السلطة، حيث يستغل التعايش بين الداخل والخارج، الدمج والإقصاء الذي تمارسه السلطة، مما يجعل السيادة ذات وجهين وكلاهما خطير، تتفاوت خطورة كل منهما في النسبة وتتحدد »
لأسباب مختلفة. إن مفهوم السيادة غير قار ولا منته تماما كمفهوم الشعب. يجب نزع القداسة عن مبدأ السيادة الذي يمكن أن تبرر به دولة ما وجودها وممارستها السياسية، أو يبرر نظام ما ممارسته باسم شرعية ثورية ما. كيف يمكن لمفهوم السيادة المستغل كذريعة أن يستقيم، والحريات ملغاة سواء كانت جماعية أو فردية، والمواطنة مقصية تماما من حقل ممارسة الشأن العام، وكيف تستقيم السيادة مع الحجز التام للممارسة السياسية كفعل يمكن لجماعة المواطنين أن تمارسه وتتعرف فيه على هويتها، الهوية المدنية التي تظل دائما قيد الإتيان وفي حالة صيرورة لا الهوية البارانوية ذات البعد العرقي أو اللاهوتي، وكيف تستقيم السيادة حيث تكون مجرد إلغاء دائم لإنسانية، الإنسان كما يحدث في الدولة الاستبدادية الفاشية، ونفي لحقوق الإنسان وحين لا تستطيع مجابهة الفقر والبؤس. كل شيء متعلق هنا ببراءة الصيرورة التي لا سقف بارانوي أو لاهوتي يحددها، تماما كما الصيرورة الثورية للناس، الصيرورة التي لاتني تشتغلهم وتعيد تكوينهم، تظل بالضرورة مغايرة للثورة كحدث يحدث هنا الآن في التاريخ وينتهي وقت حدوثه. لنطرح هنا بأن مفهوم الثورة هنا أصبح معقدا وإشكاليا ولم يعد ممكنا تفكيره لا انطلاقا من برنامج ماركس (تغيير العالم) ولا برنامج (تغيير الحياة)، أي لا الثورات العالمية ولا الثورات الحميمة. هناك ربما كم هائل من القتلى والضحايا والجرائم والخيانات والوعود التي لم تتحقق والطاقات والجهود المهدورة، الكثير من التسرع والحماس المفرط والغباء، لكن كل هذه التبرير الإصلاحي الذي يعتبر في حد ذاته فكرة غبية، لأن الإصلاحيين الذي خاضوا حروبا ومعارك متخيلة هم وحدهم من يدافع عن الفكرة القائلة بأن الثورة كصيرورة قد انتهى زمنها أو أنها فكرة لاغية، وقد فرغوا اليوم مثل منافسيهم الثوريين أو حلفائهم من ماهيتهم، إن عدم التفكير في الثورة يفقد الإصلاحيين تماما كما الثوريين مصداقيتهم، إنه عجز للفكر السياسي الحديث حيث يلفي الكل نفسه عاريا : الحاكمون و الإيديولوجيات السياسية الداعية للتغيير. لكن هناك ناجون من هذا العري، أولئك الذين لم يؤمنوا أبدا بأن هناك نظام حكم مثالي للعالم والحياة، لأنهما معا غير قابلان للحكم باعتبارهما في حالة تغيير وتحول دائمة. لقد آن الأوان للاعتراف بأن الحياة في حد ذاتها تحول دون أي حكم مطلق من تلقاء ذاتها، وأن هناك عالم مسحور للحكمانية gouvernementalité كما يسميها فوكو تماما كالعالم المسحور للرأسمالية الذي تحدث عنه ماركس، أي عالم تبدو فيه القيم كلها مقلوبة رأسا على عقب، حيث تنقلب أكثر الأفكار واقعية إلى طوباويات هذيانية، بارانوية وحيث الثورات الأكثر تحررية تقود إلى أنظمة حكم استبدادية، وحيث الإصلاحات الواعدة والأكثر جرأة تؤدي فقط إلى العجز واليأس. لعل مشهد انقلاب ما سمي بالربيع العربي إلى خريف سياسي قروسطوي و أصولي تيوقراطي مغرق في المحافظة وتحول ذوي الأفكار الرجعية الماضوية إلى ثوريين، ثم الشعب المفترض الذي لم يتوفر على القدرة على امتلاك الحق في كلامه وإرادته لأنه ظل في نهاية المطاف مجرد حشود هلامية صارخة في الشوارع والساحات، كلها أمثلة تؤكد ذلك أمام أوضاع كهذه لا يصير ممكنا الاستمرار في إنتاج تبريرات لحالة العجز المزمن، وحتى يفلت العقل من تفاؤله والإرادة من تشاؤمها، يلزم الإفلات من خطابات وألاعيب السحرة والمهرجين تلك، الإفلات من فكرة الثورة المسكونة بالميلانخوليا و الحماس والتمنيات والإحباطات أو الثقة والخيانة، والبدء بإعادة تفكير السياسة خارج مدار الحكومة، وضرورة «الاستحواذ» على السلطة، خارج البديل الأوحد المطروح بين الإصلاح والثورة، أي خارج الثنائية التي تصنف نظام الحكم إلى جيد وإلى ردئ، ولكن في أفقه نوعا ما، وضمن التوجه الذي يرنو إليه بشكل ما من الأشكال: مطالب جماعية، تمردات، إضرابات، تعبير عن الرأي وحركية دائمة، وهي الحركة المتعددة نفسها التي تتدخل في حقل السياسي، بشكل عقلاني واختلافي مفكر فيه، دون أن تستسلم لسحره أو لإغراءات سلطته، وقد نجد دليلا عليها في عنوان كتاب المنشق والكاتب المسرحي التشيكوسلوفاكي فاكلاف هافل Vaclav Havel «سلطة من لا سلطة لهم». بالإمكان تمثل هذه الحركة والتفكير فيها انطلاقا من ثلاثة مسارات : كحركة تطرح مسألة قبل مسألة السياسة قبل مسألة السلطة القائمة، أو بجوارها أو بعدها.
إن التغيير الذي قد يطال براديغم (نموذج تفسيري) الفكر السياسي المشترك لا يمكن أن يتم إلا بجوار الفكر الماركسي، أي عبر الاستعادة البطيئة والصبورة لما ظل حيا ولما مات في فعل وفكر الفيلسوف الاستثنائي، لا الجانب المتعلق بالثورة فقط، بل حتى الجانب المرتبط بالاشتراكية الديمقراطية الأصيلة كما جسدها كاوتسكي. نطرح هذا الآن التخلي عن البراديغم : ثورة/إصلاح، قد يتماهى وهروب السياسي Le politique تارة باتجاه الخبرة العلمية أو العالمة، أي العودة إلى العالم القديم حيث كان المفكر السياسي يفكر فقط في أفق الحاكمين ومن أجلهم ولخدمتهم، وتارة أخرى باتجاه الديني أي العودة السرية أو المعلنة للقيم والأحكام الدينية على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، وإلى الشيع والطوائف الصوفية التي تتوجه للكل أي للأحد. إن التفكير الماركسي في الصراع الطبقي ومنحه الأولية على الصراع من أجل السلطة أسهم بقوة، بالرغم من كوارث التطبيق السياسي التي قادت الحركة الشيوعية دون شك إلى إنتاج أسوء أنظمة التي عرفتها الإنسانية، في خلق نسيج سياسي داخل المجتمع لا يختزل فقط في مسألة نظام الحكم الجيد، وهو ما أدى إلى بروز حركية سياسية متنوعة وعرضانية وحية مرتبطة بحركات نقابية وأممية وفنية، وأخرى من أجل السلام أو الثقافة والتربية...ألخ. إن نتائج حركة كهذه لن تقع فريسة المكائن البيروقراطية والبارانوية الكبرى، ولا الخطابات الهستيرية التي تزعم تجسيد نمط إيديولوجي مهيمن أيا كانت طبيعة هذه الإيديولوجيا ومحتواها. إن نتائج حركة كهذه بالنظر للأفكار والممارسات والمؤسسات ستكون بالتأكيد تحررية، من حيث تماهيها مع «الصيرورات الثورية» المتعددة، الاختلافية، الهامشية والأقلوية التي لا يخضع فيها مفهوم الشعب لسقف دلالي بارانوي جاهز، بل يكون قيد الإتيان والتشكل دوما، ولا يتآمر ضد وجوده الممكن هذا عبر الانذغام شأن جثة محنطة، في مؤسسة «ثورية» ما، يمكن أن تمارس النقد الجذري للنزعة الإصلاحية، وتساند بشكل فعال أكثر الحكومات إصلاحية و رجعية، ويمكنها الرقي بالمبادئ (حقوق الإنسان، الاستقلال الذاتي، حرية النساء، المساواة بين الجنسين، الإبداع، الحريات الفردية...ألخ) باسم سياسة براغماتية خالصة باسم الواقعية السياسية.
- 5 -
يقود بؤس الحقيقة أحيانا كثيرة إلى بؤس التجربة التاريخية. لقد بين التجسيد الفعلي للشيوعية مثلا في العديد من الأنظمة، كيف أن الوقائع التاريخية المرتبطة بها تحتوي في ذاتها نوعا من العار والبؤس الأشد سوادا، وأنها لم تكن كتجارب مجرد حوادث مفارقة لحقائقها التدشينية. الشيء نفسه يمكن قوله عن الثورة الدينية كما جسدتها التجربة الإيرانية، والتي سرعان ما تحولت بعد زخمها التحرري الوهمي الأول، إلى نظام ثيوقراطي استبدادي جامد يخضع لسلطة حقيقة بارانوية واحدة، والشيء نفسه ينسحب على الإيديولوجيات الثيوقراطية بمختلف تطبيقاتها. إن النزوع البارانوي للسلطة هو الشجرة التي تخفي الغابة، أو نوع من الخدعة الناهضة على رغبة تختزل الدولة في مجرد نظام للحكم، تماما كما اختزلت في التصور الماركسياني الميكانيكي في مجرد مستوى اقتصادي. الشيء نفسه يمكن قوله عن إرادة الشعب، التي تظل من حيث هي إرادة بانية معلنة، مجرد «تخيل سياسي»، لا القول الذي يتحقق بالضرورة ومباشرة في فعله. إنه تخيل ينطرح أو يريد أن يعلن كفن للحكم، وفق الطريقة التي يقوم بها الفكر الليبرالي مثلا بمديح «التخيل» في السياسة. قد يرتبط هذا التخيل السياسي للإرادة بتخيل جذري راديكالي يعيد النظر في المؤسسات السياسية، من خلال الطوباويات و أشكال التمرد والمعارضات النقابية والنقاش والسجال الدائمين في الساحة السياسية، أو بتخيل نكوصي محافظ يعيد النظر بدوره في المؤسسات، لكن بهدف العودة إلى الوراء وإعادة طرح وتأسيس نموذج ماضوي. إن الإرادة كتخيل سياسي لا تعفينا مع ذلك ولا تحررنا دون شك من دوار الواحد، ولا من مفهوم الجسد السياسي الحبلان بالعديد من الفاشيات. إن السياسة الفاشية هي تلك التي تتجسد في نظام (الدولة-الحزب) وفي الإيديولوجية الواحدية كمصدر للشرعية. هنا بالذات يكمن التخيل الرمزي الذي تقوم عليه السلطة السياسية، كإسمنت سياسي لا يقبل الاختلاف ولا تنازع الشرعيات، وكل معارضة له لا تخرج حتما إلا من الرحم الرمزي ذاته (نرى ذلك واضحا في الدولة الدينية التي خرجت فيها الطوائف والفرق و الشيع من جوانية بعضها البعض، وخرجت كلها من الرحم الايديولوجي ذاته). ينطرح هذا الرحم الرمزي باعتباره المرجعية التي يؤول إليها كل تأويل، وشرعنة للسيادة بالنسبة للجسد السياسي. من الدال هنا الإشارة إلى أن الثورة الفرنسية ما كان لها أن تقوم وتصير إلا باسم سيادة الشعب، لكنها في الآن ذاته، كررت الرعب الناجم عن السيادة،بالرغم من أنها (أي الثورة الفرنسية) أفرزت رحما رمزيا آخر، تمثل في حقوق الإنسان التي منحت السياسة تصورا جديدا، ارتبطت به الديمقراطيات الحديثة وفرض نفسه على ميثاق منظمة الأمم المتحدة. كل هذه المتغيرات بدا أن التحولات والانتفاضات المرتبطة بما نسميه «الربيع العربي»، ربطتها في العمق بأقلية من المتعذر بالنسبة للحشود المشكلة للأغلبية سماع صوتها، وبدا أن موجة العمق التي تتحكم فيها هي نزعة الأسلمة للنظام السياسي، والرنو إلى نوع من المحافظة الارتكاسية على مستوى الممارسة السياسية، توازي المحافظة وظواهر التدين المنتشرة على مستوى الممارسة الاجتماعية. هنا بالذات بدا أن الرحم الرمزي للتجربة محكوم سلفا بالمرجعية الدينية اللاهوتية، التي تطرح كأساس للشرعية المطلقة للسلطة الحاكمة. لقد تم ابتكار وخلق هذه الشرعية بالذات، لا ككشف لحقيقة كونية للسياسة ولا أيضا كنتاج لتخيل جذري، بل لإخفاء بعض المصالح والامتيازات الطبقية، وهنا يصير جديرا بنا العودة لماركس وقراءته، ويمكن التدليل على هذا الإخفاء مثلا بتوظيف المرجعية الأخلاقية المتعالية كسلاح ضد الخصوم. لكن التناقضات لا تقتل أحدا، وقد رأينا بصدد شعار و تجربة : «الشعب يريد...». كيف أن سياسة ناهضة على رغبات ومشاعر و أفكار ثورية، يمكن أن تقود إلى نقيضها، وأن تتبناها حركات وجماعات دينية محافظة تطرح نفسها في الواجهة، عبر أكثر الطرق الديمقراطية قصرا وألا هي صناديق الاقتراع، لتتبني هذه الرغبات باعتبارها رغباتها السياسية بالذات، أي تبني موضوعا لرغبتها السياسية عبر محاكاة رغبة الآخر، استثمارها والاستحواذ عليها. بالرغم من أن المحتوى الإيديولوجي الذي تسكن إليه، مخالف تماما لمبادئ الدولة المدنية التي نهضت من أجلها السياسة الثورية بين ثمالة الثورة المفترضة وحماستها من جهة والمنطقة الرمادية التي تقود إليها هذه المستجدات، تمتد صحراء قاحلة ومتناسلة لا يدري أحد طبيعة تضاريسها ولا حدودها، صحراء لا تلوح داخلها معالم النجاة أو الخلاص نشر ميشيل فوكو سنة 1979 بجريدة «لوموند» وفي خضم تغطيته الصحفية لأحداث الثورة الدينية في إيران مقالا بعنوان، ختمه بعلامة استفهام: لا جدوى من التمرد؟. يرى فوكو بأن التمردات والانتفاضات تنتمي للتاريخ لكن بطريقة معينة تفلت منه. إن الحركة التي من خلالها يقول رجل واحد، جماعة ما، أقلية أو شعب ما كله: لن أستمر في الخضوع»، ويرمي بها في وجه سلطة يراها ظالمة مجازفا بحياته، تظل حركة غير قابلة للاختزال، إذ لا سلطة قادرة على جعلها مستحيلة مطلقا. إن الإنسان الذي ينهض، يتمرد، يكون في النهاية بلا تفسير. لذا يكون ضروريا هذا الانتزاع والاجتثاث الذي يحدث نوعا من القطيعة في مسار التاريخ، وسلاسله المنطقية الطويلة، حتى يصير إنسان ما قادرا بكل واقعية على اختيار المجازفة بالتعرض للموت، ضد اليقين البارانوي الذي يضطره للاستمرار في الخضوع. لأن الانتفاضات توجد «خارج التاريخ» وداخله، ولأن كل واحد يلعب داخله لعبة الحياة و الموت، فإننا نفهم لماذا تعثر بكل سهولة بالغة على تعبيرها ومشهديتها المسرحية (دراماتورجيتها) في الأشكال الدينية، كوعود بالعالم الماورائي، عودة الزمن، انتظار المنقذ أو مملكة الأيام الأخيرة، السيادة المطلقة للخير، وهي كلها عناصر شكلت على مدى قرون، حيثما سمح الدين بذلك، لا مجرد لباس إيديولوجي، بل الطريقة نفسها التي من خلال تعاش الانتفاضات (المنظومة السيميائية المرتبطة بالشهداء، والجنازات، والصلوات الجماعية في الشوارع والميادين، والتكبير، والمظاهرات، وجمعات المظاهرات، وظهور الأئمة والدعاة ورجال الدين وسط الحشود المنتفضة، كما تجسد ذلك في ميدان التحرير...ثم خروج التظاهرات من المساجد). إن عصر الثورة كما يرى فوكو، يعني الحدث الذي يحدث داخل التاريخ، وينظم فهمنا وإدراكنا للزمن، ويستقطب الآمال والتمنيات. ينحصر معناه أيضا في تبيئة التمرد داخل تاريخ عقلاني قابل للتحكم، وهي التي تمنحه شرعيته وتميز بين الأشكال الجيدة والرديئة للتمرد، وتحدد قوانين حدوثه وشروطه القبلية والأهداف والطرق التي عبرها ينجز ويكتمل. إن تحويل التمرد إلى ثورة ليس بالأمر الهين، تماما كما عقلنة الإرادة التي عبرها يروم شعب ما التحقق في ماهيته وشرطيته التاريخية، لأن الأمر يتعلق بإظهار حقيقته والذهاب به إلى أقصى حد واقعي فيه. إن الثورة تكرس عقل التاريخ، بينما تكتفي التمردات بالحدوث على هوامشه والبقاء أسيرة رد فعل ظرفي، تماما كما «الشعب» الذي «يريد...» لا يعني بالضرورة محتوى هذه الإرادة، طبيعتها، أبعادها وعقدة التناقضات التي تحكمها. البعض يرى بأن إخضاع فعل التمرد لعقلنة الثورة، يعني الرضوخ للواقعية السياسية، و البعض الآخر يرى بأن ذلك يفتح أمامه أبواب التاريخ العقلاني، مؤكد أن الإرادة المعبر عنها بالنسبة للحشود متعذر فهمها وشرحها، وضبط أسبابها العميقة لا بالنظر إلى المهمة العاجلة والملحة المتمثلة في إسقاط المستبد أو الدكتاتور، أي رأس النظام، بل بالنظر إلى السيرورة التاريخية العقلانية التي تمنح كل حدث محتواه وشكله. الأفراد المندغمون في الحشود التي خرجت يموضعون جوعهم، معاناتهم و المعاملات المهينة و كراهيتهم للنظام وإرادة قلبه، داخل الحيز أو البرزخ الفاصل/الرابط في آن بين السماء و الأرض، أي داخل تاريخ محلوم هو في الأوان ذاته ديني و سياسي. إن مجابهتهم للنظام/الأنظمة تنكتب/تنقذف في طقوس التضحية والوعود الضاربة في مئات بل آلاف السنين، أي في سياق البحث عن الخلاص و المخلص بالمعنى اللاهوتي، حتى أن التظاهرات تتم وقف إيقاع الطقوس الدينية، وتحيل على نوع من المسرحة التمردية اللازمنية حيث ينظر للسلطة (كل سلطة) باعتبارها ممارسة ملعونة. إنها مجهودات مبذولة، لنحت الحياة الروحية على رخام السياسة. إن سنوات من القمع الشرس للطبقة السياسية، ومنع الأحزاب وإبادة الجماعات الثورية، لم تترك لهذه الحشود غير الدين الذي يستعمل كإيديولوجية معركة، وكسند يتكأ عليه الإحباط واليأس وتمرد مجموعة بشرية فقدت الأمل في «التنمية» و «الإصلاح» و «الحياة المدنية» و»العدالة الاجتماعية» و»اقتسام الثروة الوطنية» و» العيش بعيدا عن شروط الاستبداد»...، وكل الإخفاقات التي أفرزتها الأنظمة. الواهمون وحدهم هم الذين اعتقدوا بأن العنصر الديني يمكن أن يكون عابرا ومؤقتا، وأن يتلاشى وينمحي بسرعة، لصالح قوى عقلانية تدافع عن الدولة المدنية، الضامنة للحريات جماعية كانت أم فردية، ولصالح إيديولوجيات غير أركاييكية. إن الحركات و الأحزاب الأصولية الدينية أرادت إضفاء نفس الدلالات والمحتويات المرتبطة بالتمرد على ممارستها السياسية. هل يفقد هذا الواقع التمرد مصداقيته؟.
طبعا لا، لأن الممارسة السياسية الأصولية التي استفادت منه وانتهزت فرصته لا تلغيه بالضرورة. هنا بالذات يصير غير مجد القول للناس : «لا جدوى من التمرد لأن الواقع نفسه هو الذي سيظل قائما». لا أحد يعطي دروسا لمن يجازف بحياته. تنطرح التمردات والانتفاضات باعتبارها أمرا واقعا، لكنها نادرا ما تندغم في سياق التاريخ وتخضع لعقلنته خصوصا بالنظر لطبيعة الفعلة فيها، وسياقاتهم الثقافية والسياسية، وطبيعة الثقافة السياسية السائدة في المجتمع، ونوعية التفاعل مع الالتزامات والإحراجات والضرورات التي تفرضها اللحظة التاريخية، لكن المؤكد أنها (أي الانتفاضات) تسمح لبعض الذاتيات من ولوج حيز تاريخي معين هنا/الآن، وقد تتشكل كجماع للذاتيات كلها حين يرفض شعب ما الخضوع للنظام الذي يقمعه. لكن فعل الرفض/النهوض/الانتفاض لا يضمن بالضرورة غدا واعدا بالنسبة له. لا أحد يستطيع هنا القول بأن شعبا ما يمتلك وحده الحقيقة تماما، كما أنه من العار والفضيحة السياسية اعتبار الأنظمة الاستبدادية نفسها، على مدى عقود المالكة الوحيدة لحقيقة السلطة والممارسة السياسية. أين يكمن الأهم إذن؟ لربما تجلى الأهم في كون هذا الشعب اليظل قيد الإتيان، يروم التحقق في وجوده في لحظة ما ضد السلطة التي تقمعه بشراسة وتحاول إسكاته بشتى الوسائل، وهذا التحقق في اللحظة تلك، هو ما يضفي نوعا من المعنى على فعل الإنصات إليه وفهم ما يحاول التعبير عنه. إنه اعتبار أو وجهة نظر مرتبطة أساسا بالفهم الواقعي لما يحدث، بالرغم من أن الكثير من الثورات لا تدوم إلا لحظة اشتعالها وسرعان ما تفقد جاذبيتها وسحرها. يلزم الحذر كثيرا من الممارسات المرعبة المرتبطة بالسلطة، علما أن الأمر هنا لا يتعلق أبدا باعتبار السلطة في حد ذاتها لعنة أو شرا، لكنها عبر مجموعة من الآليات والممارسات اللانهائية قد تنقلب إلى ضد ما من أجله وجدت أصلا. أمام السلطة إذن يجب دوما المطالبة بالحقوق والحريات، التي تتجاوز كل قمع ومنع. يتضمن التاريخ أحيانا كثيرة مكرا يتجاوز بكثير سذاجة وحسن نية الفعلة فيه، أو من يظنون أنفسهم كذلك. ثم إنه من الضروري أحيانا بالنسبة للمثقف أن يحذر من النزعة الحماسية لمواقفه و كتاباته، أو يبتعد مسافة معينة عن الخطابات المسكونة بهوس استراتيجي لا يستدعي أكثر من الابتسام، وأن يتبنى تلك الخطى الصغيرة المتفردة التي تجعله يفكر، يتكهن ويكتب انطلاقا من حس عملي تكتيكي، أي أن يتبنى أخلاقيات الاحترام لكل فعل متميز مهما صغر :(أفعال الأقليات والهوامش الفاعلة انطلاقا من اختلافها ومقاوماتها العنيدة) وأن يكون مضادا لكل منظور استراتيجي، أي حذرا على الدوام إزاء كل سلطة، مهما كانت نوعيتها وطبيعتها ومصدرها، بإمكانها الحد من كل ما هو كوني وخرق منطوقه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.