تحتل مسألة التصوف الشعبي في المغرب مكانة عظيمة وإشكالية في نفس الوقت، ولذلك استرعت انتباه الباحثين الكولونياليين عن بكرة أبيهم لغرابتها ومفارقاتها، وأثارت حنق الحركة الوطنية التي رأت فيها انحرافا عن الإسلام السّني الصحيح وابتعادا عن الفطرة الروحية السليمة.. وقد نجم عن هذا الوضع أن الكتاب المغاربة، حتى أكثرهم استقصاء، قد أداروا ظهرهم لهذه الممارسة، بينما تولاّها بالبحث والتحليل الدارسون الأجانب وخاصة منهم الفرنسيين. وهذه النصوص التي نترجمها للقارئ هنا قاسمُها المشترك هو الانكباب على ظاهرة الطوائف الدينية بالمغرب (عيساوة، درقاوة، احمادشة، هداوة، كناوة..)، بقليل أو كثير من التعمق، ولكن بتتبّع دقيق لخيوطها، ونبش لجذورها، وكشف عن مُضمراتها..والأهم من ذلك بتلك العين الأجنبية الفاحصة التي تقرأ بفضول واقعنا الديني في تلك الحقبة الغابرة من تاريخنا. (موسم حمادشة والدغوغيين لسنة 1916، جان هيربر) إن هذا الاحتفال الفريد، التي يتضمن ممارسات "متوحشة" كما يصفها عن حق أحد الفقهاء الفاسيين، ليس له أصول قديمة، وإنما يعود إلى فترة قريبة منا، وقد ظهر في وسط ينتشر فيه الإسلام المحافظ ذو القواعد المتشددة. وبالفعل فقد عاش سيدي علي بن حمدوش في فترة حكم المولى إسماعيل، أي خلال عهد لويس الرابع عشر، ويورد مؤلف "سلوة الأنفاس" سيرته على الشكل التالي: هو أبو الحسن علي بن حمدوش، كان يعدّ من بين الشيوخ المتصوفة الذين يدخلون في أطوار قوية من الشطح والجذب. وقد عُرف بحبه النقاشات والمناظرات الصوفية، وللمديح النبوي...وكانت له خوارق وكرامات مشهورة..انتشر أتباعه بأعداد كبيرة في مختلف بقاع المغرب وكانت لهم بها زوايا عديدة، وكانوا يجتمعون كل سنة عند ضريحه... وقد قضى ردحا من الزمان مقيما في مدينة فاس التي كان يقدم بها عروضه عند أحد أبواب القرويين، وانتقل في أخريات حياته إلى زرهون حيث أدركته المنية سنة 1131 أو 1135 بحسب الروايات..أي عمليا، في بحر الربع الأول من القرن الثامن عشر الميلادي. ومن هذه الناحية، فإن سيرة سيدي علي لا تختلف في شيء عن سير وحياة معاصريه من الأولياء، غير أن كتب المناقب الشعبية تأبى إلا أن تصطنع له كرامات عجيبة تتجاوز التقوى والفضائل المعهودة لدى هذه الفئة من الصلحاء. ومن ذلك أنه استطاع أن يحمل الشمس على إيقاف دورتها تأسيسا على واقعة غريبة تستحق أن نرويها. كانت إحدى عبدات المولى إسماعيل قد انتقلت إلى بني راشد أملا في الإنجاب وكذلك للتبرك بزيارة الولي العظيم، وبما أنها قد عبّرت عن خشيتها في الوصول متأخرة إلى قصر سيدها فقد خاطبها سيدي علي كالتالي: "هيّا، اذهبي ولا تنسي عند وصولك أن تقولي: "أيتها الشمس، واصلي طريقك بجهد الله"، وهكذا أوقفت الشمس دورتها إلى حين بلوغ المرأة أسوار القصر ونجاتها من العقاب، ثم واصلت طريقها بعد أن تلفظت المرأة بوصية الشيخ. ومنذ ذلك اليوم صار الناس يطلقون عليه "قايد الشمس". وإلى جانب هذا الصنف من الحكايات الذي تكون الغاية منه هي تقوية المظهر الخارق لقدرات الولي، هناك قصص أخرى جرى تخيّلها لتفسير الممارسات الغريبة التي يقوم بها أتباعه. ومن ذلك ما يُحكى في مولاي إدريس من أن سيدي علي كان يصلي أمام مسبحة معلقة إلى شجرة، وأنه عند كل حبّة كان يكيل إلى صدره ضربة قوية للبقاء متيقظا ومستغرقا في العبادة..ويذكر الباحث كات (1898) بأن حمادشة إنما يمارسون طقوس ضرب أنفسهم تذكارا لوليّهم الذي "كان قد شقّ رأسه بواسطة كرة حديدية وأنه قرّب شقّي جمجمته فالتأم الجرح في الحال". هناك حكاية أخرى تأخذ على عاتقها توضيح أصل البلطة الحمدوشية (الشاقور)، وتشير إلى أن سيدي علي قد تسلّمها من كبير أولياء حوز مراكشسيدي رحال في سياق حادثة خارقة دوّنها الترجمان الفرنسي فيالا من دون أن يذكر من أين استقاها. كان سيدي رحال، وهو كائن خنثى (أي ذكر وأنثى معا)، يعيش في جبل قرب مراكش بصحبة امرأتين طاهرتين تقومان على خدمته، ولمّا كان السلطان قد بلغته العديد الأخبار عن كرامته ومناقبه رغب في رؤيته فأمر رجلين من رجاله بالإتيان به. ولكن الرجلين، وهما علي بن حمدوش وأحمد العروسي، وقعا تحت تأثير سحر شخصية سيدي رحال وارتبطا به بحيث صرفا النظر عن العودة أصلا إلى مراكش. وقد جدّ السلطان في طلبهما بواسطة جنوده وحكم عليهما بالموت لعصيان أوامره. وإذ هما في ساحة الإعدام ظهر سيدي رحال في السماء ممسكا ببلطة في يده مما بث الرعب في جميع مَن حضر، وقد زاد على ذلك بأن قدمها لسيدي علي بن حمدوش قائلا له بأنه بفضل هذه البلطة لن يكون عليك أن تخشى أحدا مهما كان شأنه. وقد عاد سيدي رحال في أعقاب ذلك إلى خلوته بينما اعتزل سيدي علي في زرهون حيث أودع البلطة في عهدة أتباعه وأسلم روحه لباريها.