تحتل مسألة التصوف الشعبي في المغرب مكانة عظيمة وإشكالية في نفس الوقت، ولذلك استرعت انتباه الباحثين الكولونياليين عن بكرة أبيهم لغرابتها ومفارقاتها، وأثارت حنق الحركة الوطنية التي رأت فيها انحرافا عن الإسلام السّني الصحيح وابتعادا عن الفطرة الروحية السليمة.. وقد نجم عن هذا الوضع أن الكتاب المغاربة، حتى أكثرهم استقصاء، قد أداروا ظهرهم لهذه الممارسة، بينما تولاّها بالبحث والتحليل الدارسون الأجانب وخاصة منهم الفرنسيين. وهذه النصوص التي نترجمها للقارئ هنا قاسمُها المشترك هو الانكباب على ظاهرة الطوائف الدينية بالمغرب (عيساوة، درقاوة، احمادشة، هداوة، كناوة..)، بقليل أو كثير من التعمق، ولكن بتتبّع دقيق لخيوطها، ونبش لجذورها، وكشف عن مُضمراتها..والأهم من ذلك بتلك العين الأجنبية الفاحصة التي تقرأ بفضول واقعنا الديني في تلك الحقبة الغابرة من تاريخنا. (عن كتاب «رهبان الإسلام المتجولون» 1955، روني برونيل) وهكذا سيقضي مولاي إبراهيم سنوات طويلة في خدمة سيده، فيعدّ له ماء الوضوء، ويطبخ طعامه، ويرقّع دربالته، بل إن صداقة متينة قد نشأت بين الرجلين ووفاء متبادلا قام بينهما إلى درجة أن سيدي هدي اقترح عليه أن يصير مقدّما على هداوة، الشيء الذي استجاب له في الحال، غير أن قساوة قاطع الطريق السابق وصعوبة مزاجه لم تسعفاه على النجاح في مهمّته مما حمل الشيخ على أن يسحب منه هذه المسؤولية ويكتفي بتعيينه مساعدا له. وقد تتوّجت هذه الصداقة بين الولي وصاحبه برحيلهما المتقارب في الزمن، فكأن الواحد منهما لم يرغب في أن ينعم بالحياة بعد رحيل رفيقه. فلم تكد تمض سوى ثمانية أيام على مغادرة الشيخ لعالمنا حتى لحق به مولاي الطيب. وقد قرر بني عروس أن يدفنوا الشيخين جنبا إلى جنب في المكان الذي تعوّدا أن يمارسا فيه طقوسهما الصوفية. ويُذكر هنا أن أسطورة قاطع الطريق أو اللص الذي تقوده المصادفات إلى أن يصير ولياً منتشرة بكثرة في أدب المناقب الشرقية والشمال إفريقية. وهناك بالفعل، كما يشير إدمون دوتي، العديد من الأضرحة التي توجد موضع تقديس من طرف العامة مع أن ماضي أصحابها أبعد ما يكون عن التقوى والبلاء الحسن. ومن جملة ما يُتداول لدى عامة جبالة من حكايات بشأن هذه العلاقة الأسطورية بين الرجلين أن سيدي هدي كان قد كلّف صاحبه مولاي الطيب بمهمة إطعام الزوار ونقل الحبوب التي تتبرع بها العروسيات من السفح إلى قمة جبل العلم. وقد حدث أن اشتكى الرجل من كثرة متاعبه وأعلن حاجته إلى دابة تساعده على حمل الأثقال، فما كان من شيخه إلا أن أشار إلى حجر على الطريق ودعاه إلى أخذ "شواري" ووضعِه على الصخرة التي تحولت بفضل بركته إلى "كيدار" (بغل) تعلّم بمفرده أن يقوم بمهمة النقل من غير حاجة إلى مرشد..وصار من عادته أن يقوم بجولته اليومية في الجبل مُصدرا صهيلا للإعلام بمجيئه، فكانت الشريفات تتقدمن بما جادت به أريحيتهن وتضعنه في الشواري، وبذلك ارتحن من قطع المسافة إلى الزاوية، وعندما ينتهي الكيدار من جولاته كان يقفل راجعا بحمولته من دون أن يرافقه أحد..وذات يوم خرج عليه اللصوص بنيّة الاستيلاء على محتوى الشواري فتحول الحيوان من تلقاء نفسه إلى أسد أرعبهم بمنظره المخيف فلاذوا بالفرار خوفا على أرواحهم..وهو الأمر الذي أثار غضب سيدي هدّي، لأنه ذلك حصل بدون مشيئته، فدعا عليه فعاد إلى طبيعته الأولى أي حجرا ما يزال موجودا خلف ضريح الولي يلتمس منه الزوار البركة. وابتداء من هذا اليوم الذي فقدَ فيه هداوة حصانهم سيتولون هم أنفسهم القيام بمهمة جلب الماء ونقل الحبوب على ظهورهم وصاروا يسمّون ب"جمال سيدي هدّي".. وارتباطا بهذه الحكايات الخارقة يذكرون أن السلطان الحسن الأول قد زار جبل العلم حاجّا سنة 1889 وقدّم للزاوية هدية كانت عبارة عن مبلغ مهم من المال وأمرهم بصرفه في بناء قبة للولي سيدي هدي تليق بمقامه، ولكن يبدو أن هذا الأخير لم يكن يرغب في شيء لم يوافق عليه فجعل الأمطار تتهاطل بغزارة مما أجبر العمال على وقف الأشغال. وقد فهم مقدم الزاوية رغبة وليّه واشترى بالهبة الملكية مزرعة تسمى "عزيب الحمام" و"كيدارا" حقيقيا لنقل محصول العزيب مخلّصا بذلك "جمال سيدي هدي" من العمل المضني.. وعلى هذه الوتيرة تمضي حكايات هداوة في نسج ملحمة شيخهم على نحو مبالغ فيه ومفرط في الخيال حتى أنهم جعلوه يقوم بأدوار طلائعية في التوسّط بين الأولياء والصلحاء في عموم البلاد والعمل على تلطيف الأجواء المحتقنة بين بعضهم البعض..ومن ذلك مثلا ما ادّعوه من تدخّله لدى رجال مراكش السبعة لقبول سيدي بلعباس في صفوفهم بعد أن كانوا رافضين لانضمامه إليهم..أو رعايته الأخوية لأولياء مشهورين أمثال مولاي إبراهيم ومولاي عبد الله بن حساين ومولاي عبد السلام...علما بأن جميع هؤلاء قد عاشوا تاريخيا في عصور سابقة عليه هو الذي لم يولد سوى عند بداية القرن التاسع عشر.