درك بوسكورة يحبط تهريب مخدرات    النصيري يواجه شكوكا حول مشاركته المقبلة مع الاتحاد    محاولة قتل تنتهي بتوقيف الجاني    آسفي يهزم يعقوب المنصور بثلاثية    حزب الاستقلال يصغي لانشغالات العدول ويؤكد دعم إصلاح المهنة وتعزيز استقلاليتها    سباق لقب الدوري الإسباني ينقلب بعد فوز برشلونة على أتلتيكو مدريد    استكمال برنامج تأهيل 1400 مركز صحي    رحيل مفجع للكوميدي شوقي السادوسي يخلّف حزناً كبيراً في الوسط الفني.    قرير يلامس في مقال علمي "الاستراتيجية الإفريقية للمغرب داخل الاتحاد الإفريقي"    آلاف العراقيين العراقيون يحتفلون بتأهل منتخبهم لكأس العالم    القيادة الإيرانية ترفض إنذار ترامب    إسرائيل تترقب الضوء الأخضر الأمريكي لضرب منشآت إيرانية    أعضاء تطوان وسط احتقان بسبب الإقصاء والتهميش وينضافون لقائمة المشتكين من أفيلال    موانئ الصيد تسجل انتعاشة قوية    استفحال ظاهرة صيد "التشنكيطي" يستنفر السلطات بعمالة المضيق الفنيدق        أخنوش يعلن من الحوز استكمال الحكومة لتنزيل برنامج تأهيل 1400 مركز صحي عبر التراب الوطني    برقاد يعرض خطة السياحة المستدامة    نشرة إنذارية.. هبات رياح قوية مع تطاير الغبار يوم الاثنين المقبل بعدد من مناطق المملكة            مانشستر سيتي يتخطى ليفربول ويصعد إلى نصف نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي    استعدادا للمونديال... مطار الرباط-سلا يدخل عصرا جديدا بطاقة 5 ملايين مسافر سنويا    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولات الأسبوع على وقع الارتفاع    أطروحة دكتوراه بالمدرسة الوطنية بالحسيمة تناقش التلوث المائي بحوض إيناون    شوكي يستعرض نماذج نسائية للنجاح والتمكين في عهد حكومة الحالية    أم الدنيا بين الظلم والظلمات        هزة أرضية تخلف قتلى في أفغانستان    مسؤول إيراني يتوعد "باب المندب"    القضاء يواصل محاكمة شباب حراك "جيل زد" واستئنافية البيضاء تؤجل ملف 6 قاصرين أغلبهم في حالة اعتقال    فرنسا تعلن عن منح قروض طارئة للشركات المتضررة من ارتفاع أسعار الوقود    الحكومة تدعو النقابات لجولة أبريل من الحوار الاجتماعي وسط مطالب بتأجيل إصلاح التقاعد    الفلسفة اختصاص فوق المذاهب والفرق    الفن المقلق في المجتمع المغربي    أمينوكس ينفي العلاقة بتنظيم موازين    مخزون السدود يقفز إلى أكثر من 12,7 ملايير متر مكعب في المغرب    رياح قوية مع تطاير الغبار مرتقبة يوم الاثنين المقبل بعدد من مناطق المملكة    مفتشو "مؤسسات الريادة" يقاطعون "التحقق الداخلي" والوزارة تلوّح بإجراءات حازمة    توقعات أحوال الطقس لليوم السبت    مصرع شخص وإصابة 7 آخرين في حادثة سير خطيرة بطنجة    الصين تكثّف جهودها الأمنية لتنظيم السوق المالي وحماية المستهلكين    "مسرح أبعاد" يمتع بعرض "نيكاتيف"    "منتخب الفتيات" ينافس في إسطنبول    لجنة الاخلاقيات تستمع لبوشتة واتحاد تواركة وتؤجل الحسم    استقرار بلا مردود: حين يتحول الإنجاز السياسي للحكومة إلى سؤال تنموي مُحرج    الجهوية ، الحكم الذاتي والدولة المركزية    حفل تقديم وتوقيع المنجز الرحلي:" أيام في الأندلس" للكاتب أحمد الدحرشي برحاب المكتبة الوسائطية عبد الصمد الكنفاوي بالعرائش    بمناسبة اليوم العالمي لداء السل .. أرقام مقلقة في جهة الرباط سلا القنيطرة    حديقة كوكنهوف.. أو حينما يتحول فصل الربيع إلى لوحة ألوان في قلب هولندا    متحور "سيكادا" يعود للواجهة.. الطيب حمضي يوضح: سريع الانتشار وليس أكثر خطورة    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب    دراسة حديثة: العمر البيولوجي مفتاح صحة الدماغ وتقليل خطر السكتة    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سقطة،العلاّمة ابن خلدون1
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 09 - 09 - 2014

ستلبث، صورة سقراط متجرعا السم، فداء للحقيقة المرجعية المثلى لما ينبغي أن يكون عليه المثقف، أو العارف بسر النار،اعتبارا،لأفق عصره وكذا مصير المجموعة الانسانية التي ينتمي إليها. فنادرا، إن لم يكن منعدما، استساغة حديث «سلبي» عن مثقف وازن، فما بالك بمؤسس من بناة الحضارة،كما الشأن مع ابن خلدون،ومن على منواله.
في مقام كهذا،يختلط لدينا غالبا التهيب بالانذهال، إلى درجة التوثين والتقديس. هكذا ،لن تذهب الجرأة العقلية،بأي واحد منا،مهما بلغ دماغه فطنة و اتساعا لحمولة الاختلاف، كي يعثر لدى ديكارت مثلا،عن فضيحة بشكل من الأشكال، تخلخل صرحه الفلسفي أو يبرز عند ابن رشد تناقضا فجائعيا بين مادعا إليه فكره، ثم تصرفاته على مستوى حياته اليومية إلخ.
بمعنى، ذاك التطابق الهوياتي، في أقصى تجليه الميتافيزيقي،بين الانتاج المذهبي للمفكر، وممارسته التجريبية، اللهم إلا ما كان يدخل في إطار الجانب الشخصي، المحض لحيواتهم، ولا يمس من قريب أو بعيد منظومتهم المفهومية، أو يخل بقاعدة مماهاة المفكر لفكره، حينما يختبره الموقف و المسؤولية.
لقد نمذج لنا التاريخ، حالات كثيرة عن علماء وفلاسفة و أدباء وروائيين، مارسوا الشذوذ واللواط ومختلف الانحرافات الجنسية، وعاشوا يومياتهم متسكعين وبوهيميين ومعربدين ... .ذلك شأنهم الخاص،واختياراتهم الفردية، ولايحق لأي محاكمتهم عليها.
ما يهم أساسا، السلوكات الموضوعية المفصلية، التي بانتقالها إلى دائرة العام، تحول مجرى التاريخ نحو هذا المنحى أو ذاك المنتهى.عندما، تطرح الأبعاد الأنطولوجية الكبرى: الشجاعة، الوفاء ،الاختيار، المصير،الرهان، التحدي، المجابهة، إلخ. وهي المرتكزات، التي استفاض في تحليلها، الفلاسفة الوجوديون وجل منظري التجارب اليسارية، إلى حد أن سارتر سيتنكر مطلقا لجدوى الأدب، حينما يعجز هذا الأدب،عن القيام بشيء لصالح الإنسان في لحظاته المأساوية.
بالنسبة، لبيوغرافيا مفكري أوروبا البارزين، تموضعت حالات رصدها المختصون ولاسيما المولعون بالخبايا السيرية، من بينها مثلا، تصنيف النسق الفلسفي الهيجيلي ضمن الاتجاهات الرجعية، وتمهيده الطريق أمام أنظمة حديدية كما الشأن مع بسمارك وهيتلر.
أو أن ألتوسير ، استمر في فترة من الفترات منتجا إيديولوجيا للحزب الشيوعي الفرنسي،على الرغم من الأخير أضحى كتلة عقائدية جامدة، يبرر كليا الممارسات السياسية لموسكو التي تحولت بدورها إلى وجه إمبريالي، مع أن ألتوسير مفكر لامع، ولايبدو أنه حقا منسجم بانفتاح تأويلاته الفلسفية الذكية، مع انتمائه التنظيمي البيروقراطي.
أو،شيطنة الموقف السارتيري من الفلسطينيين والعرب إبان حرب1967 ، وتصنيفه ضمن الدعاية الصهيونية، بالرغم من شهرة سارتر الواسعة، كمدافع صلب بالقلم والقول والممارسة،عن كل الشعوب المناضلة من أجل حقوقها... . لكن أبرز حالة، في هذا الإطار تلك النقطة السوداء التي ظلت لصيقة بمسار مارتن هيدغر، لأنه رغم عقله الجبار ونظريته الغارقة في التجريد، رضي لنفسه الانسياق المستلب وراء المنظور النازي، الذي يتنكر لأبسط أوليات العقل، و إن كان هيدغر يعثر بسهولة لكبوته ، عن أسبابها ودواعيها المقنعة من خلال الفوهرر وذات القائد التي تبلور نداء القوة.
لم أكن أعلم قطعا، أن ابن خلدون العالم الاجتماعي الجليل، سيخذل فكره وتراثه وقومه، موظفا بطريقة أكثر من ميكيافلية، رمزيته المعرفية وشهرته وحظوته لدى علّية القوم، وخاصة تطلعه السياسي، كي ينتهي في أواخر حياته منحنيا جاثما على ركبتيه، يقبّل يد تيمورلنك زعيم التتار، الذي كانت جيوشه تحاصر أسوار دمشق. ابن خلدون، لم يكن يطلب خلاصا للمدينة وأهلها، بل يلتمس فقط لنفسه ملجأ آمنا.
الفقيد الكبير،الروائي والباحث والمناضل عبد الرحمن منيف، استعاد حيثيات هذه الواقعة، عبر دراسته لمسرحية سعد الله ونوس» منمنمات تاريخية». نص، يطرح مضمرا إشكالية المثقف ودوره التاريخي وكذا حدود ارتباطه الأخلاقي بما يؤمن به:(( العلاقة بين المعرفة والسلوك،دور الثقافة والمعرفة، وهل يجب أن يكونا في خدمة القوة والسلطان، أو في زيادة وعي الناس وصقل أرواحهم، العلاقة بين الطموح المشروع للمثقف وإغراءات السلطة والمال، ثم ماذا يعني المثقف...هل هو مجرد تقني أم صاحب وجهة نظر وضمير؟)).(عبد الرحمن منيف: لوعة الغياب. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.والمركز الثقافي للنشر والتوزيع.الطبعة الثالثة 2003. ص 30).
التقط، سعد الله ونوس، فترة زمانية قصيرة لا تتعدى الشهرين، لكنها مفصلية في حياة ابن خلدون. وتشير أساسا إلى حقبة إقامته بدمشق أثناء حصار تيمورلنك لها، ومايقتضيه الوضع من ترقب لنوعية التصرف الممكن صدوره عن رجل من عينة ابن خلدون. هو ذاته الإشكال، الذي يتربص بجميع المثقفين في علاقة أولا بذواتهم وضمائرهم، إلى أن تبلغ أحيانا تصوفية الربط بين النظر والعمل، ثم تلك الاختيارات واللحظات الحدية،التي تكشف حقا وبوضوح عن معدن كل مثقف كما يقال.
ابن خلدون، صاحب نظرية في التاريخ والعمران، ومن علماء الإنسانية الأفذاذ، يريد أن ينأى بنفسه عن ابتذالية دوامة كهذه ، لكنها الحقيقة الساطعة التي لاغبار عليها. منيف بدوره، لم يستسلم من الوهلة الأولى للادعاء، مما أجبره على قراءة ثانية لعدد من المصادر التي تناولت الحدث:((لأني كنت،مثل كثيرين، أميل إلى تركيز نظري على الجانب الايجابي في هذه الشخصية ، ووضعها في سياق من اليقين أقرب إلى الثبات، رغم المرارة الدائمة التي كنت أحس بها نتيجة سقطة ابن خلدون تجاه تيمورلنك)).(نفسه. ص31).
طبعا، سيمكن ترميم جزئيات المعطى التاريخي، من بلورة موضوعية، تقوّم شخصية ابن خلدون في أبعادها، بعدم إغفال جوانب وقائعية في حياته، مادام يجب أن نضع دائما في الاعتبار.هذا التمييز: ((بين ابن خلدون العالم،صاحب النظرية، وابن خلدون السياسي.الذي وظف معارفه وكفاءاته من أجل الوصول إلى السلطة. ومعظم الذين كتبوا عن ابن خلدون كان يعنيهم، بالدرجة الأولى، الجانب النظري. لذلك أهملوا، أو تغاضوا عن الجانب الآخر))(نفسه ص32).وهذا ربما، ما يقود إلى انقسام في الآراء، وتعدد الأحكام، حسب ما ينبغي استثماره من ذاكرة ابن خلدون. هل ينبغي التقاط زبدة فكره الرائع دون التفات إلى حياته الشخصية التي يكتنفها الغموض والالتباس؟.أم يلزمنا فعلا، تشرب منطق الثقافة ذاته، والتحلي بالنزاهة بغية قياس العالِم بمكيال من ذهب، حيث عقله جنس غرائزه، و الأخيرة توأم لروحه. فيغدو، المثقف كل هذا: معتقد وسلوك وواجب وموقف.
مع كل ذلك، لايمكن حسب الروايات الواردة في هذا المقام، فصل خذلان ابن خلدون لشعبه و انبطاحه غير المتوقع أمام تيمورلنك، عن مسارات هذه الشخصية السياسية الطموحة بكل الصيغ، و تواجده الدائم في المواقع الأمامية لجهاز الدولة، وعلاقاته الواسعة بالحكام والأمراء والولاة، ودأبه على حياة البلاط، فازدادت تطلعاته وكبرت:(( الاعتماد أو الاقتصار على أحد المرتكزين اللذين شكلا حياته : الممارسة العلمية او الكتابات النظرية، لابد أن يقود إلى فهم ناقص أو خاطئ لهذه الاشكالية الشديدة الغنى والتعقيد والتنوع والتناقض في آن واحد))(نفسه.ص39). وبالرغم من مغامراته السياسية، وتقلده لمناصب عديدة، وامتلاكه للأموال، وماينعم به من حياة الترف، فقد حرص ابن خلدون دائما، على الارتباط بمهنة التدريس : ((كوسيلة لايصال أفكاره وبث آرائه، ولكسب الأنصار والمؤيدين، وأيضا لمعرفة كيف يفكر الآخرون، وماهي المشاكل والهموم التي تشغلهم أكثر من غيرها))(نفسه.ص.39)
إذن، حين بدأ تداول الأخبار، عن فضائح الغزو التتري وما ارتكبوه في حلب، انطلق السلطان «الناصر فرج» على رأس جيشه من مصر للتصدي لهذا الغزو، فاصطحب معه هيئة ، تضم كبار موظفي الدولة، ومن بينهم ابن خلدون : ((الذي يحاول السير في الحملة، لكن حاجب السلطان «بلين القول وجزيل العطاء»)) (نفسه .ص.43.) سيرغمه على تغيير رأيه. إشارة أساسية أوردها منيف، تكشف عن الطبيعة الزئبقية لشخصيته.
تواجه الجيشان، وكانت الكفة مائلة إلى جانب معسكر السلطان، نظرا لشدة الدافع النفسي وشدة العزم، من أجل الدفاع عن دمشق ضد الغزو التتري. لكن، فجأة وقع تفكك في صفوف جيش الناصر، لما انسحب عدد من الأمراء وقرروا العودة إلى مصر. لذا، اضطر السلطان إلى ترك المعركة، وأخذ الطريق ثانية وجهة مصر، كي يلاحق المتمردين. طبعا، في خضم أجواء كهذه تراجع زخم المقاومة، وأصبحت دمشق مستباحة أمام تيمورلنك.
بقي ابن خلدون مع المجموعة، التي لم تغادر. بعد أن حدس بعقليته السياسية الذرائعية، موازين القوى فقرر تجنب الهلاك قبل فوات الأوان، بالارتماء في أحضان التتار،لأنهم منتصرون لامحالة. يقول ابن خلدون : (( وبتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع، وأنكر البعض ماوقع من الاستنامة إلى القول، وبلغني الخبر فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحرا إلى جماعة القضاة عند الباب وطلبت الخروج أو التدلي من السور، لما حدث عندي من توهمات الخبر))(نفسه.ص.45). ثم،التقى ابن خلدون بتيمورلنك : ((فلما دخلت عليه فاتحته بالسلام،وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومد يده إلي فقبّلتها، وأشار بالجلوس حيث انتهيت، ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم، فأقعده يترجم بيننا))(نفسه.ص.45). لم يفصح فقط ابن خلدون، عن موافقته غير المشروطة لتسليم دمشق، بل، أقر طلبا لتيمورلنك، يحيل مضمونه على ماننعته بلغتنا المعاصرة، إنجاز تقرير استخباراتي عن أحوال المغرب، حين كلفه بكتابة وصف لبلاد المغرب، وكل مايتعلق بجغرافيتها و أماكنها.
عاد ابن خلدون إلى جماعته، وشرع في لعب دور جوهري كي يقنع الوجهاء والقادة، بضرورة تسليم مفاتيح المدينة إلى تيمورلنك، الذي سيدلي أمامه ابن خلدون، بشهادة تنم عن أقصى دلالات التملق والمداهنة السياسية ((إنك سلطان العالم،وملك الدنيا،وما أعتقد أنه ظهر في الخليقة منذ آدم لهذا العهد ملك مثلك))(نفسه.ص.46). لم يقف ابن خلدون عند هذا الحد، بل دفعه موقفه الغريب، ملتمسا : ((أن يكون في بطانة تيمورلنك، وفي خدمته،كما فعل مع أمراء وسلاطين عديدين سابقا،وربما طمع بلعب دور سياسي جديد،لكن تيمورلنك لم يستجب لمثل هذه الرغبة.ومع ذلك لم ينقطع ابن خلدون عن الزيارة وتقديم الهدايا)).(نفسه.ص.47).
إضافة، إلى هذا الحدث التاريخي، الملغى من طرف الباحثين،ربما حفاظا على نقاء صورة ابن خلدون، أدرج عبدالرحمن منيف ، على ضوء مسرحية ونوس، حوارا في غاية الإثارة بين العالِم الجليل وتلميذه شرف الدين، بحيث يبدو ابن خلدون متهافتا كل التهافت.
تتزاحم أسئلة شتى، داخل رأس التلميذ التابع حد الحرقة، نتيجة المواقف غير المفهومة لأستاذه، الذي يحاول الدفاع عن قناعاته، محتميا بقيم العلم وصرامته الموضوعية، مما يدعو إلى التخلي عن كل نزوعات الهوى و الانفعالات والميول القومية والوطنية. لذلك، وباسم قانون-موجها الكلام لشرف الدين-((حين تريد أن تسجل الوقائع، ينبغي أن تسيطر على الانفعالات والعواطف أو تلغيها))(نفسه.ص.50) ، يرفض ابن خلدون تماما، تعبئة الناس وتحريضهم وشحذ هممهم، كي يجاهدوا دفاعا عن مدينتهم: (( لايتحدث عن الجهاد هذه الأيام، إلا رجل يضرب في الوهم، أو يريد أن يلبس على الناس))(نفسه.ص50). إذن، سينأى بنفسه عن دائرة المؤد لِج كي يظل عالما. قد يبدو كلامه صحيحا، لو اتصف ابن خلدون بنزاهة العلماء وحيادهم منذ البداية، ولم يتدلى من سور المدينة، مسرعا نحو النجاة بجلده. كما أنه مارس التضليل، فأوهم الناس،ومارس في حقهم خديعة لا تغتفر، لما ساهم إلى جانب آخرين طبعا، على إقناعهم بضرورة تسليم دمشق سلما كي يتجنبوا الوحشية التتارية. لكن العكس ماسيحدث، فرغم ميثاق الأمان، غدت دمشق أنقاضا خربة. إذن، حتى ولو أخل تيمورلنك بوعده، و أطلق العنان لهمجيته اتجاه المدينة و أهلها، فابن خلدون على إيمان مطلق: ((أنك، إذا لم تسيطر على قدرة عواطفك فلن تحوز ملكة العالِم وشروطه))(نفسه.ص.51). بل، ويستهجن سلوك عالم آخر، من نفس طبقته، وهو هياج التاذلي الذي قتل في المعركة، فقد وصفه ابن خلدون، بأنه تغلبت لديه :(( انفعالية الدهماء ،على حكمة العلماء))(نفسه.ص.51). كما، أن هذا التاذلي: ((لم يكن إلا موسوسا، وأنا أنفر من الموسوسين))(نفسه.ص51).
يستنكر ابن خلدون، وصفه بالحياد إزاء محنة أهله، كما جاء على لسان تلميذه، بل يفسر تصرفه كونه رجل واقعي يلم إلماما واسعا، بقوانين الأحداث ومجريات الوقائع، لذلك فلا علاقة للعالِم بمهمة، أن يتلمس الناس بواسطته طريق الحقيقة. بل، دوره يقف عن مستوى(( أن يحلل الواقع كما هو، وأن يكشف كيفيات الأحداث و أسبابها العميقة))(نفسه.ص.52).
يلح ، ابن خلدون في التشبث بقيمة المعرفة المجردة ، مفندا رأي تابعه المؤمن بالمضمون النهضوي والتحفيزي لكل معرفة ، و إلا فما جدواها.
فالمعرفة في منظورها الخلدوني ،تجعلنا نفهم سبب تآكل حكم السلطان ، مقابل تألق تيمورلنك ، الذي سيمثل له في نهاية المطاف ،فرصة كي:((يلتقي الملك على الطبيعة))(نفسه.ص53). فرغم ماضيه الحافل ، بمعاشرة الحكام والآخذين بزمام الشأن العام ، إلا أن ابن خلدون يقر لتلميذه عدم اقتناعه الصميمي بتجاربه السابقة ، واليوم يلاقي في طريقه تيمورلنك الذي يجسد نموذجه المبحوث عنه:(( طول حياتي وأنا أعاشر وأخدم أمراء وسلاطين ناقصين ،لاتتوفر لهم من شروط الإمارة إلا أقلها... ،لقد سرت في ركاب أمراء وسلاطين لا يستحقون أن يكونوا جزمة لتيمور))(نفسه.ص.53/54).
أخيرا ، قرر التلميذ الباحث بصدق وشغف عن علم يستجيب للحق ويحارب كل أشكال الظلم والطغيان ، تبني طريق المقاومة ،لأن دعوة الواجب يحتم عليه الأمر ،والانفصال عن ابن خلدون الذي يريد إفراغ العلم من نبله الإنساني. لكن قبل رحيل شرف الدين ، استجمع أنفاسه وفجر أمام أستاذه تلك القنبلة الخانقة: ماذا سيقول التاريخ في ابن خلدون ،حينما يستحضر موقف الإذعان؟ سيعتقد القارئ ، أن الرجل تلقى ضربة قاضية بالتالي لن ينطق بعدها ببنت شفة ، لكن ابن خلدون أجاب بهدوء الواثق جدا من صنيعه: (( لن يذكر التاريخ إلا العلم الذي أبدعته ، والكتاب الذي دفعته. أما الأحداث والمواقف العابرة ، فلن يذكرها أو يهتم بها إلا موسوس مثلك))(نفسه.ص55).
سقطة ابن خلدون ، صاغها سعد الله ونوس ثانية ، قصدا وعمدا في قطعة مسرحية ، كي يثير الانتباه مرة أخرى ،إلى قضية تأسيسية لازلنا نعاني سلبياتها ، في مجتمع عربي لم يحسم بعد معادلاته الصائبة حول منظومته الجوهرية. أقصد هنا ، موقع المثقف داخل السياق المجتمعي وطبيعة الدور الموكول إليه قياسا إلى شعبه. ثم ،الموقف النقدي والمسافة التأملية التي ينبغي عليه الاحتفاظ بها ، حيال السلطة والمال والإغراءات التي تستهدف تدجينه كليا ،وإفراغ مشروعه من أية قيمة مضافة.
استخلص منيف ،أفكارا أهمها: الثقافة موقف ،لذا لايمكنها أبدا أن تكون محايدة ، كما أن مسؤولية المثقف تكبر وتصبح أكثر حساسية ، بالتناسب مع الموقع الذي يحتله المثقف في سلم الارتقاء المعرفي ، بحيث تبرز حاجة الآخرين إلى معرفته ، فيمتلك حيزا واسعا من التوجيه و والتأثير التأطير.
يفرض الوضع الطبيعي للمثقف ، الارتباط بقضايا عصره ، يستوعب حمولتها ، مجتهدا في سبيل إيصالها إلى الآخرين ، لكن مستويات إشعاعه متوقفة على:((الجدية والنزاهة والجرأة))(نفسه.ص60). عليه أن يميز ، عصره بطابعه كمثقف ، انطلاقا من مواقفه المبدئية التي تروم استشراف بدائل أكثر إنسانية ، فالثقافة سند لصاحبها ، لكنها خاصة فعل وفيصل.
هذا المثقف الرمز ، يقابله نوع ثان ، يتوخى فقط المصلحة الشخصية ويبحث من أجل صقل مهارة الثقافة بمختلف الأساليب المشروعة وغير المشروعة ، فينحدر بالثقافة إلى مجرد سلعة وكأي سلعة: (( دون أن تلزم صاحبها ، أو لا تعني له إلا بمقدار ماتدره من ربح. فعندئد تصبح الكلمات ?الأفكار لعنة ، ويصبح الأكثر إتقانا لهذه «الصنعة»هو الأكثر خطرا))(نفسه.ص61). فيتحول ،إلى مجرد خادم للسلطة و أصحاب المال. يغير الحقائق ويزيف الأشياء ويضلل عن مدارج الحقيقة والحرية. إنه المثقف المرتزق المماثل ، تماما ل:(( الجندي المرتزق الذي يحمل السلاح ليس من أجل قضية يؤمن بها ويدافع عنها ،و إنما من أجل المال ،ولمن يدفع هذا المال))(نفسه.ص.62).
وتتضاعف مسؤولية المثقف ،وتشتد محاسبته ، خلال الظروف التاريخية الاستثنائية. فتعبيره عن الضمير الجمعي ،يمكنه من شفرة سرية في غاية الدقة ،يديرها حسب معاييره الخاصة ، إن إيجابا أو سلبا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.