قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا) رواه الترمذي. . ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ) مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ... عرف العلماء الغيبة بأنها ذكر الانسان غيره بما يكره من العيوب وهي فيه، فإن لم تكن فيه فهو البهتان، كما في الحديث: «قيل ما الغيبة يا رسول الله؟ فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» رواه مسلم. والغيبة محرمة وصنفها جمهرة من العلماء من الكبائر، وشبه الله المغتاب في القرآن بالذي يأكل لحم أخيه ميتاً فقال: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه) الحجرات. أما إذا بحثنا في أسبابها وفق ما وصل إليه السابقون فإن منها ... الحسد، والاحتقار العمدي، والتبخيس بالاستهزاء .. وأن يتحدث عن غيره بالعيب والتجريح ليظهر نفسه بأنه أحسن كصيغ من صيغ الدعاية العدوانية السخيفة .. إن المتأمل لواقع مجتمعاتنا وواقع ما يطلق عليه «النخب «، يمكنه أن يسجل بسهولة أن مستويات تردي النضج السياسي للتدبير الأليق بتطور مجتمعاتنا في إطار من التدافع الايجابي والتنافسية الشريفة قد بلغت حدودا غير معقولة، ولا يقبلها كل من في نفسه عشق للحكمة والمعاملات المنطقية الديموقراطية ... إنها تشكل مظهرا لسوء تقديم وعرض الافكار والبرامج والاهداف بطريقة تقلب الحقائق باعتماد مبررات واهية تقدم للناس بأنها هي الحلول الناجعة لإشكالية أو قضية ما .... ويكفي لإدراك ذلك أن نستعرض بعض مداخلات وكلام الأمس غير البعيد وكلام اليوم ، سواء المكتوب أو بالصوت والصورة ... لنجد أنفسنا كشعب أمام معضلة الثقة في ما يمكن أن نصفه بسوء الألسنة السياسية، حيث يتعامل البعض من هؤلاء بانتهازية مفرطة وكيدية كبيرة تخالف شرع الله وكل القيم النبيلة التي بناها خيرة الناس من أنبياء وأولياء ومصلحين ...فهل فعلا السياسة لعبة يجوز فيها للسياسي ان يلفق ويبتدع ويكذب ويتآمر ويبخس الناس أشياءهم، ويغش في عرض» بضاعته» السياسية بتجميل وتنميق ما يمكنه من جلب الناس إليها مع إخفاء متعمد لجوهر النوايا والاهداف التي قد تغرق في التطرف والتسلط والتحكم ... ولهذا عندما يتم الحديث عن الكيد، فإننا نجد أنفسنا أمام المكر والخبث والاحتيال بإرادة مبيتة للإساءة... قال تعالى « أم يريدون كيدا «الطور.. إن الشأن العام ،تعلق الامر بالسياسي منه أو الديني أو المعرفي عامة، يجب احترامه وتوقيره لأنه يجسد أرضيات يجتمع حولها وعليها الناس باختلاف في مستويات الفهم والاستيعاب لحقائق الاشياء ... فمن الناس من يعبد الله دون أن يحفظ من القرآن إلا سورة أو سورتين قصيرتين ، لكن إيمانه قد يكون أقوى من بعض من يدعي حفظ القرآن والتبحر في العلوم الشرعية ..ومن الناس من يحب الوطن وهو من أفقر الفقراء وقد لا يكون عارفا حتى بأسماء مناطقه الحدودية ولا العديد من مدن وقرى بلده، لكنه يهب عند أول نداء للدفاع والتضحية بالغالي والنفيس من أجل حماية استقلال البلد ...ومن الناس من لا يدرك لا الرأسمالية ولا الاشتراكية ولا الاقتصاد وآلياته، ولا مناهج التدبير والتعليم و.. ولكنه يستمع ببساطة وحسن نية وسذاجة اأحيانا فيفرح قلبه ويتعاطف او تشمئز نفسه فيكره ويعادي ...فيضع هؤلاء وأولئك ثقتهم في من بيدهم الامور، تعلق الامر بمن يسيرون الاسرة أو المدرسة أو الحكومة أو المسجد ...ويعتقدون بأن كل ما يصدر منهم هو عين الصواب وهو الحقيقة الدامغة .. الى هنا والامر ممكن أن نقول إنه سليم ... لكن قد يوجد من بين" هؤلاء" من يقلب الحقائق ومن يستغل بساطة الناس بتصنع وادعاء كل ما هو جميل ومبارك وطيب للسيطرة على المواطنين، وبث روح الفرقة وزرع الفتن والتشكيك في التاريخ المنير لرجالات ونساء الوطن الذين عندما قدموا تضحيات، لم يكونوا يسعون الى من يمدحهم ولا الى من يجازيهم ...فالإمام الذي يتحلق أمامه وأسفل منبره بالمسجد في صمت وخشوع العديد من الناس، ليس معناه أنه هو أحسنهم لأنه قد يكون في المجلس من هم أفضل منه علما وورعا .. لكن احترموه لقداسة المكان الذي يقال فيه كلام الله ورسوله ...فعندما يستغل البعض المنبر لتمرير خطاب سياسي معين أو ينشر مذهبا مخالفا لمذهب الامة المعتمد، فذلك باب من أبواب الخلط والتضليل وزرع الفتن بل وحتى خلق الحقد والكراهية ما بين جمهرة من الناس وبعض الأئمة المتعمدين تسييس الدين بإلباسه سياسة حزب أو طائفة ما ... ...إن التعقيدات والاشكالات التي يتسبب فيها البعض ممن ذكرنا تتطلب منا جميعا، وخصوصا أولي الألباب وأصحاب النوايا السليمة، أن نتجند لتنوير الناس وتعليمهم وتوعيتهم بتسليحهم بالمعرفة والعلوم اللازمة للتمييز بين الحق والباطل في الدين كما في السياسة ليمتلكوا القدرة للفصل بين الخطب المنمقة التي تضمر نيات سلبية يمكن التعرف على أمثالها في الواقع المعاصر وفي التاريخ القريب والبعيد والتي تسببت في انهيار حضارات وتمزق شعوب وإراقة دماء الأبرياء ... ..إن أي اعوجاج أو انحراف في المواقف العامة السياسية والذي يطال مجالات حيوية في المجتمع قد تضرب الراهن، وترهن المستقبل بسبب التعالي والاحساس بالأفضلية والأحقية ، وذلك بانفصال عن رغبات الناس وآمالهم وطموحاتهم مع الاعتقاد الجازم غرورا منهم بأنهم هم وحدهم على حق والآخرون بل والمعنيون بالعملية كلهم على ضلال ...وهنا لابد أن يعلم الجميع أن العين التي يشربون منها ليست مشتركة مع العين يشرب منها عامة الناس... أو أنهم بدلوا الفهم والرأي بعدما بدلوا المكان والموقع وهذا مشكل كبير من وجهة الدين والعرف والآداب العامة... وقالَ (صلى الله عليه وسلم): »من وَلي أمرَ الناسِ، ثم أغلقَ بابهُ دون المسكينِ والمظلومِ وذوي الحاجةِ، أغلقَ اللهُ تباركَ وتعالى أبوابَ رحمتهِ دونَ حاجتهِ وفقرهِ أفقرَ ما يكونُ إليها«. ولقد أرسل الله نبيه (ص) ليكون رحيما بالناس قال تعالى :"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ"التوبة/ فهل اعتماد الساسة في سياساتهم التضييق على الناس وإضعاف قدرتهم الشرائية والإضرار بحقوقهم ومكتسباتهم من الرحمة؟؟ ..