لم يعد سؤال الهوية اليوم سؤالا ثقافياً هامشيا، بل أصبح سؤالا مركزيا يفرضه زمن التحولات المتسارعة. ففي عالم تتداخل فيه القيم واللغات والرموز، ويضغط فيه النموذج الكوني الموحد على الخصوصيات المحلية، يشعر الفرد والجماعة معا بأن مركزهما الداخلي مهدد بالاهتزاز. لذلك يتحول السؤال: من نحن؟ إلى محاولة لإعادة التوازن بين الذات والعالم، لا بحثا عن الانغلاق، بل سعيا إلى موقع واضح داخل حركة التاريخ. يرتبط الاهتمام بالهوية أولا بالحاجة إلى المعنى والانتماء؛ فالفرد لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بالتأويل الذي يمنحه لها. ومع تراجع الروابط التقليدية واتساع الفضاء الرقمي، لم يعد الانتماء معطى جاهزا بل بناء واعيا. ومن خلال التفكير في الهوية يعيد الإنسان صياغة علاقته بلغته وتاريخه ومجتمعه، فيكتسب استقرارا نفسيا وقدرة أكبر على التفاعل مع الآخر دون خوف من الذوبان. ويمثل سؤال الهوية أيضا آلية لحفظ الذاكرة الجماعية من النسيان؛ فالمجتمعات التي لا تستحضر تاريخها تصبح قابلة لأن يُعاد تعريفها من الخارج. لذلك فإن استدعاء التراث واللغة والرموز الثقافية ليس حنيناً إلى الماضي، بل حماية لمعنى الوجود الجماعي وضمان لاستمرار التجربة المشتركة عبر الأجيال. وفي زمن التشابه الكوني، تتحول الهوية إلى شكل من أشكال المقاومة الرمزية. فالمطلوب ليس رفض الانفتاح، بل امتلاك القدرة على التفاعل دون فقدان الذات. إن المجتمع الذي لا يعبّر عن خصوصيته يُدمج في نماذج جاهزة، بينما المجتمع الواعي بذاته يشارك في العالم من موقع الندية لا التبعية. لهذا نلاحظ أن كثيرا من المجتمعات التي اتجهت نحو المستقبل لم تفعل ذلك عبر القطيعة مع جذورها، بل عبر الانطلاق منها. فالصين أعادت توظيف ذاكرتها الحضارية داخل مشروع عالمي مثل مبادرة الحزام والطريق، حيث تحولت صورة طريق الحرير التاريخي إلى رؤية اقتصادية وجيوسياسية معاصرة تمنح المشروع شرعية رمزية وتقدمه كاستمرار لمسار قائم على التواصل والمصالح المشتركة. كما أن الهند جعلت من تعددها الثقافي واللغوي طاقة اجتماعية دعمت قوتها الناعمة وتقدمها التكنولوجي؛ فتبنت نموذجاً سياسيا يستوعب التنوع داخل بنية واحدة، ورافقت ذلك باستثمار واسع في التعليم والبرمجيات، فاندمجت في الاقتصاد الرقمي العالمي دون أن تفقد ملامحها الحضارية. أما روسيا فقد أعادت صياغة دورها الدولي باستحضار خبرتها التاريخية وصورتها عن ذاتها كقوة حضارية وجيوسياسية، بحيث جاء التحديث تطويراً لقدرات الدولة ضمن تصور خاص لمكانتها في العالم. وهكذا تكشف هذه التجارب أن التحديث لم يكن تقليداً جاهزا ولا انغلاقاً في الماضي، بل تكييفا خلاقاً يجعل الانفتاح امتداداً للهوية لا نفيا لها. وهذا ما جعل دولا مثل الصينوالهندوروسيا وغيرها كما يقول المفكر حسن أوريد تتجاوز في تصورها حدود "الدولة-الأمة" نحو أفق "الدولة-الحضارة"، حيث لم تعد شرعية الدولة مستمدة فقط من الحدود السياسية أو العقد القانوني، بل من عمق تاريخي وثقافي ممتد يمنحها رؤية أوسع لدورها في العالم؛ فتغدو الدولة حاملة لذاكرة حضارية وقيم كبرى، وتتحول السياسة إلى امتداد لتجربة ثقافية طويلة لا مجرد إدارة آنية للمجال الترابي. بهذا المعنى، يتضح أن سؤال الهوية ليس عودة إلى الماضي بقدر ما هو تفكير في المستقبل. فالهوية ليست معطى ثابتا، بل مشروعا متجددا يحدد الاتجاه ويمنح الفعل معناه. لذلك نهتم به اليوم لأن العالم يتغير بسرعة، ولأن من لا يعرف ذاته لا يستطيع أن يحدد وجهته؛ أما من يمتلك وعياً بهويته فيستطيع أن ينفتح دون أن يذوب، وأن يتقدم دون أن يفقد نفسه. -باحث جامعي