على شاشة هاتف تومض بوجوه تتصنع مثاليات يومية وتلهث خلف سرعة الانتشار، يبرز فجأة وجه من قماش برتقالي ليعرقل حركة أصابعك. أنف أحمر مكور، عينان واسعتان شاخصتان، وطربوش تقليدي مزركش استقر فوق رأس صوفيّة خُطّ عليه اسم "عمي علي". في هذا الفضاء الرقمي المحموم، حيث يُقاس النجاح بالصخب وتواتر المقاطع، يختار هذا الكيان أن يتحدث ببطء مستفز. وبلهجة طنجاوية عتيقة وخالية من مساحيق التجميل اللغوية، يسرد تفاصيل يومية عن "الحومة" وألعاب رمضانية ابتلعها النسيان. المتابعون لا يمررون الشاشة؛ بل يتوقفون، ينصتون، ويتفاعلون. المشهد في جوهره سريالي: مئات الآلاف يصغون بانتباه لدمية لا تتنفس، ويتعاملون معها كجار حكيم التمسوا عنده دفء الذاكرة. هنا تكمن المفارقة الكبرى في المشهد الإعلامي المغربي المعاصر. "عمي علي" ليس سوى وهم بصري، أفاتار رقمي وُلد من رحم الخوارزميات. لكنه، وبشكل يثير التأمل، أمسى الحارس الأكثر واقعية لذاكرة مدينة البوغاز. وخلف هذا الوجه القماشي، يجلس الكاتب والصحفي عبد الواحد استيتو، ممسكا بخيوط اللعبة. في حقبة إعلامية تتسابق فيها الذوات نحو تضخيم "العلامة الشخصية" واحتكار الأضواء بأي ثمن، اتخذ استيتو مساراً معاكسا ومحفوفا بالمخاطرة: لقد أعدم حضوره المادي ليمنح الحياة لدمية. ولم يكن هذا الانسحاب التكتيكي من الواجهة استعراضا لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بل هندسة سوسيولوجية دقيقة. لقد أدرك صانع المشروع أن الرسالة، كي تعبر حقول الألغام المجتمعية وتتجاوز الاستقطابات الفجة، تحتاج إلى ناقل محايد، مجرد من الحسابات البشرية الضيقة ومن أطماع الشهرة الفردية. ولا يكمن سر التفاف الساكنة المحلية حول هذا الكيان في الفكاهة الاستهلاكية التي تغص بها منصات المقاطع القصيرة، بل في هندسة الصمت واقتصاد الكلمات. "عمي علي" لا يلقي خطبا عصماء، ولا يمارس التنظير الفكري المتعالي. مقاطعه المصورة عبارة عن كبسولات زمنية مكثفة؛ كل جملة فيها محسوبة بميزان دقيق، تعتمد الإيحاء بديلاً عن المباشرة الفجة. وحين يقرر انتقاد التحولات العنيفة في الفضاء العام للمدينة، فهو يمرر رسائله عبر سخرية ناعمة. إنه يلمح ولا يهاجم، يفكك السلوكيات ولا يجرح الأشخاص، مما يمنحه حصانة استثنائية للعبور فوق خطوط التماس المجتمعية المكهربة دون أن يتشظى. ولا يرفع هذا الأفاتار يافطات عريضة تدعو إلى إنقاذ الهوية الثقافية من زحف العولمة الساحق. بدلا من ذلك، هو يمارس عملية الحفظ هذه بشكل عضوي ويومي. وحين يتحدث عن طقوس الجوار المنقرضة، تتحول مقاطعه إلى أرشيف حي ومتحرك. وقد تجلت شرعية هذا المشروع ومكانته بشكل لا لبس فيه حين اقتحم اسم "عمي علي" قوائم المرشحين البارزين في فئة صناعة المحتوى، ضمن الاستحقاق الذي نظمته المنصة الإخبارية "طنجة 24" سنة 2025. ولم يكن هذا الحدث مجرد نكتة عابرة في حفل جوائز، بل شكل اعترافاً مؤسساتياً بنشوء فاعل رقمي من طراز جديد: "وسيط الذاكرة" الذي يتفوق أثره على المؤثر التقليدي. إننا نقف أمام اختبار حضاري قاس تخوضه الحواضر الكبرى. كيف لمدينة كطنجة، بتاريخها الكوسموبوليتاني المعقد وتحولاتها العمرانية الجارفة، أن تحمي سرديتها الذاتية من الذوبان في فضاء رقمي عالمي يميل إلى تسطيح كل الخصوصيات؟ الإجابة جاءت في قالب شديد التناقض: استخدام أحدث خوارزميات الإنتاج البصري لبعث الحياة في دمية قماشية تتحدث بلسان الأجداد. في نهاية المطاف، أثبت "عمي علي" أن التأثير الحقيقي والعميق لا يحتاج بالضرورة إلى جسد حقيقي. في زمن السرعة والخوارزميات الباردة، وجدت طنجة روحها المفقودة في وجه دمية لا تنبض، لكنها تعرف تماما كيف توقظ فينا حنيناً كدنا ننسى أننا نملكه.