تتشكل الملامح الاقتصادية لطنجة بشكل متزايد بعيدا عن الواجهات الاستعراضية، وداخل قاعات مجالس الإدارة حيث تحسم هوامش الربح وتهندس خطوط الإمداد. في هذا السياق، يبرز ياسين العرود، رئيس الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة بجهة الشمال، كنموذج لجيل من القيادات المهنية التي تفضل إدارة التعقيدات الهيكلية على تصدر المشهد العام. ولا يرتكز نفوذ الرجل على الجاذبية الإعلامية، بل على إدارته لقطاع يمثل العصب الديموغرافي والتشغيلي لثاني أقطاب المغرب الصناعية؛ قطاع يجد نفسه اليوم في قلب تقاطعات حرجة بين صرامة السوق الدولية والإكراهات المحلية. وتمثل تمثيلية "أميث" في جهة طنجةتطوانالحسيمة أكثر من مجرد تكتل لأرباب العمل؛ إنها من الناحية العملية غرفة عمليات لقطاع مطالب بالخروج من المنطقة المريحة للمناولة والعبور نحو إنتاج ذي قيمة مضافة عليا. ويقود العرود هذه المرحلة الانتقالية بخطاب تكنوقراطي يخلو من العاطفة، موجها بوصلة الفاعلين نحو التحديات الحقيقية: الامتثال لمعايير الاستدامة الأوروبية، تحديث الآلة الإنتاجية، ورقمنة المساطر. لكن التحدي الذي يواجهه مركب؛ إذ يتعين عليه تأمين تنافسية المقاولات الصغرى والمتوسطة أمام التضخم وتقلبات أسعار المواد الأولية، مع دفعها في الوقت عينه للمخاطرة بابتكار علاماتها التجارية الخاصة لتفادي الارتهان لطلبيات الماركات الأجنبية. وعلى النقيض من النماذج التقليدية للوجاهة في المدن الكبرى، يعكس المسار المؤسساتي للعرود صعود صنف المنسق الصناعي. فداخل دوائر صنع القرار الجهوي يعتمد مقاربة تفاوضية براغماتية. وتتجلى فاعليته في قدرته على فك شفرات التعقيدات الإدارية ومواءمة المصالح التي تبدو أحيانا متضاربة؛ بين المستثمر الأجنبي الباحث عن المردودية السريعة والمصنع المحلي المثقل بتكاليف الإنتاج. هذه القدرة على إنتاج التوافقات هي ما يفسر استمرارية موقعه القيادي في مرحلة تتسم بإعادة تشكيل قسرية لخرائط التصنيع العالمية. ورغم تموقعه الصارم في مربع التقنية الإدارية، فقد بدأ هذا النفوذ الهادئ يتسرب إلى الإدراك العام. ويحمل تصدره الأخير لفئة ريادة الأعمال ضمن الاستطلاع السنوي لمنصة طنجة 24 يحمل دلالة سوسيولوجية تتجاوز البعد الاحتفالي. بالنسبة للمراقبين، يؤشر هذا المعطى على تحول بنيوي في طبيعة النخب التي تفرزها المدينة؛ حيث بات الرصيد المجتمعي يميل لصالح الفاعلين القادرين على ضمان الاستقرار التشغيلي لآلاف الأسر بدلا من الوجوه السياسية التقليدية. ولا يقدم العرود وعودا بطفرات قطاعية مفاجئة، بل يدير مسارا تراكميا يستوجب نفسا طويلا. إن إدارته للنسيج الصناعي في الشمال تجسد استيعابا دقيقا لقواعد الاشتباك الاقتصادي الراهن، ومفادها أن البقاء ليس للأكثر حضورا بل للأقدر على هندسة تحول البنية الإنتاجية المحلية لتتواءم مع الصدمات الخارجية. وفي مدينة كطنجة تسابق الزمن لتثبيت تموقعها الاستراتيجي في الحوض المتوسطي، تبدو هذه الرصانة البراغماتية الخالية من العاطفة هي الأداة الموثوقة لصياغة تحول حقيقي على أرض الواقع.