في المغرب، لا يُغلق باب الإعلام بقرار فجّ، ولا تُصادَر الكلمة دائما بمقصّ الرقيب التقليدي. بل يُفضَّل أسلوب أكثر نعومة: التّرويض. ترويض بطيء، ومتدرّج، يشتغل على الأعصاب والجيوب معا، ويحوّل الإعلامي من كلب حراسة إلى قط أليف يموء عند الحاجة ويصمت عند اللّزوم. منذ سنوات، ومع تحوّل المشهد الإعلامي بفعل الرّقمنة وصعود المنصّات الاجتماعية، وبدا أن هامش الحرية اتسع. لكن سرعان ما تبيّن أن الهامش نفسه يمكن تطويقه بأدوات حديثة. فبعد أن كان المنع مباشرا، صار الخنق اقتصاديا: الإشهار العمومي، ودعم المقاولات الإعلامية، وصفقات التّواصل المؤسّساتي... كلّها مفاتيح تُمنح وتُسحب وفق معيار غير معلن اسمه "الانضباط". الإعلاميّ/الصّحافيّ الذي يقترب أكثر من اللاّزم من ملفات الفساد، أو يربط بين السّياسة والمال، أو يزعج شبكات النّفوذ في مستويات متعدّدة، يجد نفسه في مواجهة عزلة مهنية صامتة: لا إعلانات، لا دعوات، لا تسريبات، لا وصول إلى المعلومة. يُترك ليواجه مصيره في سوق هشّ أصلا، حيث المؤسسات الإعلامية تعاني من ضيق الموارد وتآكل الثّقة. وهنا تبدأ عملية الترويض: إمّا أن تليّن الخط ّالتّحريري، أو تبقى خارج اللّعبة. ليس الأمر مؤامرة تُدار من غرفة سوداء، بل منظومة مصالح متشابكة. منتخبون يبحثون عن صورة ناصعة، شركات تريد مقالات "إيجابية"، أشخاص يريدون تنويع الرأي العام بعدم الخوض في كذا وكذا، إدارات تفضّل البلاغ الرسمي على السّؤال المحرج. وهكذا يتحوّل جزء من الإعلام إلى ملحق للعلاقات العامّة، ويصبح التّحقيق الاستقصائي مغامرة مكلفة لا يجرؤ عليها إلا قلّة. الخطير في هذا التّرويض أنه لا يقتل الإعلام والصحافة دفعة واحدة، بل يفرغها من روحها. تبقى العناوين، وتبقى الصّور، وتبقى الاستوديوهات اللاّمعة، لكن تغيب الجرأة. تتكاثر الحوارات "المؤطرة"، والتّقارير "المعلّبة""، والتّحليلات التي لا تقترب من جوهر السّؤال: من يملك؟ من يقرّر؟ ومن يحاسب؟ في الجهات، يتّخذ التّرويض شكلا آخر. فالإعلام المحليّ الذي يفترض أن يكون عين المواطن على المجالس المنتخبة والصّفقات العمومية والقضايا الملتهبة، يصبح رهينة دعم موسمي أو وعد بإشهار أو إعلان أو تهانئ مدفوعة من رئيس جماعة ترابية. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لعام 2026، ترتفع وتيرة "التّغطيات الخاصّة" التي تُلمّع هذا المرشّح أو ذاك، في مشهد يختلط فيه الصّحافي بالنّاطق غير الرّسمي. لا يمكن إنكار وجود صحافيين شرفاء ومؤسّسات تقاوم، لكنّهم يعملون في بيئة تضغط عليهم اقتصاديا وقانونيا ونفسيا، ويواجهون المتابعات القضائية، والغرامات الثّقيلة، والتّأويل الواسع لبعض القوانين، كلّها عناصر تدفع إلى الرّقابة الذّاتية. والرّقابة الذّاتية أخطر من المنع، لأنها تجعل الإعلاميّ/الصّحافيّ يقصّ من نصّه قبل أن يصل إلى مكتب رئيس التّحرير. الترويض الإعلامي في المغرب ليس قدرا، بل هو نتيجة اختلال في ميزان القوى بين السّلطة والمال من جهة، والمعلومة المستقلّة من جهة أخرى. واستعادة التّوازن تمرّ عبر شفافية حقيقية في توزيع الإشهار العمومي، واستقلالية فعليّة للمؤسّسات، وحماية قانونية واضحة للصّحافيين الاستقصائيين، والأهم: جمهور يطالب بإعلام يسائل ولا يسبّح بحمد أحد. الإعلام/الصّحافة، في جوهرها، ليست وظيفة "علاقات عامة"، إنما سلطة مضادّة، و يفترض أن تكون كذلك. وحين تُروَّض، يخسر المجتمع أكثر مما يخسر الإعلامي/الصحافي، لأنّ الكلمة حين تفقد أنيابها، يفقد المواطن درعه الأخير في مواجهة الحرية والمسؤولية إلى جانب التّعسف والفساد وسوء التّدبير.