في سياق الدينامية الوطنية الرامية إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الشباب وتعزيز أدوارها داخل النسيج المجتمعي، احتضنت دار الشباب أم الربيع، بمدينة خنيفرة، فعاليات «خميس المناظرة»، وذلك في إطار اللقاءات التشاورية التي أطلقتها وزارة الشباب والثقافة والتواصل عبر المديريات الإقليمية لقطاع الشباب، تحت شعار وطني هادف موسوم ب: «الالتقائية الترابية في خدمة مؤسسات الشباب»، تحضيرا للمناظرة الوطنية الأولى المرتقبة خلال شهر ماي المقبل بالعاصمة الرباط. اللقاء، الذي نظمته المديرية الإقليمية لقطاع الشباب بخنيفرة، شهد حضورا وازنا لعدد من الفاعلين المؤسساتيين وممثلي المجتمع المدني والمهتمين بقضايا الشباب، في أفق فتح نقاش عمومي مسؤول يفضي إلى بلورة تصورات مشتركة وتوصيات عملية من شأنها الارتقاء بأدوار مؤسسات الشباب وتحسين جودة خدماتها، وقد أشرف على تسيير أشغال هذا الموعد التواصلي المدير الإقليمي، محمد منتصر، إلى جانب المسؤول الإقليمي الأسبق والفاعل المدني، الحسين ودادس، في أجواء طبعتها روح الانخراط الجماعي وتبادل الرؤى. واستهلت فعاليات اللقاء باستقبال فني لفرقة «الجمعية الأطلسية النحاسية»، بقيادة مؤسسها بنداود عبدوني، وخلال كلمته الافتتاحية، أبرز المدير الإقليمي لقطاع الشباب، محمد منتصر، أسباب نزول اللقاء المندرج في إطار تنفيذ برنامج الوزارة الوصية الرامي إلى الإعداد لمناظرة وطنية شاملة حول مؤسسات الشباب، ومؤكدا كون المحطة التشاورية تشكل مرحلة أساسية نحو بناء تصور وطني مندمج قائم على المقاربة التشاركية، يضع الشباب في صلب السياسات العمومية، ويعزز من أدوار هذه المؤسسات كمرافق للقرب. أما الحسين ودادس، المسؤول الإقليمي الأسبق لقطاع الشباب والفاعل المدني، فقد استهل مداخلته باستحضار راهنية أدوار مؤسسات الشباب، مذكرا بما كانت تحظى به من جاذبية وإقبال كبيرين في فترات سابقة، قبل أن يتراجع إشعاعها تدريجيا في ظل تحولات عميقة في مقدمتها الثورة الرقمية وتغير أنماط التلقي والتفاعل لدى فئة الشباب، وهذه التحولات تفرض اليوم وقفة تأمل جماعية وتشخيصا دقيقا للوضع، بما يمكن من إعادة الاعتبار لهذه المؤسسات واسترجاع بريقها وأدوارها، دون أن يفوت ودادس اقتراح مجموعة من المحاور الأساسية للنقاش. ملاحظات وانتقادات وخلال فتح باب النقاش، عرف اللقاء تفاعلا لافتا من قبل مختلف الفاعلين الحاضرين، حيث طرحت ملاحظات وانتقادات صريحة عكست انشغالات الميدان وتطلعات الفاعلين الجمعويين والمؤسساتيين على حد سواء، وقد تمحورت التدخلات حول ضرورة تجديد أدوار مؤسسات الشباب والانفتاح أكثر على محيطها، من خلال مقترحات عملية من قبيل إحداث دور شباب متنقلة تلج المؤسسات التربوية والمراكز الثقافية وتقترب من الفضاءات التي يرتادها الشباب، إلى جانب الدعوة لتنظيم مخيمات للقرب، وإيلاء اهتمام خاص بشباب المناطق النائية، بما يحد من مظاهر الهشاشة والفراغ. كما شدد عدد من المتدخلين على أهمية تقوية قدرات الشباب حاملي المشاريع، وتقليص الفوارق المجالية في إطار الجهوية الموسعة، مع التأكيد على ضرورة عقد شراكات فعالة مع الجامعات والمؤسسات المتخصصة، خاصة في مجالات الرقمنة والتكوينات الحديثة، بما يواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة، وفي هذا الصدد، برز بقوة تأثير الرقمنة على أدوار مؤسسات الشباب، حيث أجمعت عدة مداخلات على أن هذه التحولات ساهمت في تراجع جاذبية هذه الفضاءات مقارنة بالماضي، ما يستدعي إعادة النظر في مضامين وبرامج التأطير. ولم تخل النقاشات من إثارة عدد من الإشكالات المرتبطة بالحكامة، حيث تم تسجيل انتقادات بخصوص طريقة توزيع المنح، التي اعتبرها بعض المتدخلين خاضعة لمنطق العلاقات والمزاجية، مع الحديث عن تمييز بين الجمعيات، كما أثيرت تداعيات فصل قطاع الشباب عن الرياضة خلال الولاية الحكومية الحالية، وما ترتب عنه، حسب بعض الآراء، من انعكاسات سلبية على دينامية العمل الشبابي، إلى جانب الإشارة إلى محدودية المانحين مقارنة بأقاليم أخرى، كما أُثيرت مسألة غياب بعض الفاعلين الأساسيين في السياسات العمومية عن هذا اللقاء. وبينما طرحت تساؤلات جوهرية حول مدى فعالية مثل هذه اللقاءات التشاورية، وقدرتها على إحداث أثر ملموس في واقع مؤسسات الشباب، خاصة في ظل تكرار نفس التشخيصات دون تفعيل حقيقي للحلول، شكل اللقاء فرصة لتجديد الدعوة إلى ضرورة انخراط الشباب في الترافع من أجل إحداث نواة جامعية بالإقليم، بما يعزز فرص التكوين والاندماج، فيما تم التطرق إلى البوابة الإلكترونية للقطاع، حيث عبر عدد من المتدخلين عن الحاجة إلى تنظيم دورات تكوينية لمواكبة استعمالها، ضمانا لاستفادة أوسع وأكثر فعالية. حوار البنيات التحتية ومن بين الإشكالات الميدانية التي طُرحت بقوة خلال تدخلات الفاعلين، ما يرتبط بوضعية البنيات التحتية لعدد من مؤسسات الشباب بالإقليم، حيث تم التنبيه إلى افتقار دار الشباب بمريرت مثلا للمعايير الأساسية، سواء على مستوى البناية أو من حيث التجهيزات واللوازم الضرورية، بما في ذلك الخصاص في الكراسي والمعدات، وهو ما ينعكس سلبا على جودة الخدمات المقدمة، كما أثيرت وضعية بلدة آيت إسحاق التي ما تزال تفتقر إلى دار شباب، رغم وجود اتفاقية سابقة ظلت عالقة دون تفعيل. وفي السياق ذاته، تمت الإشارة إلى دار الشباب بالقباب التي تم تحويلها إلى مؤسسة قضائية، مع توجيه الشباب نحو فضاء بديل، وهو ما اعتبره المتدخلون أمرا استثنائيا، فيما لم تغب بلدة أجلموس عن هذا النقاش، حيث تم التأكيد على حاجتها الملحة إلى دار شباب حقيقية، في ظل وجود اتفاقية عالقة خارج التفعيل، كما تم التطرق إلى دار الشباب أم الربيع، المحتضنة للقاء، حيث أبرزت بعض المداخلات افتقارها لقاعة عروض ملائمة ومكتملة التجهيز، بما يحد من احتضانها للأنشطة الثقافية والفنية بالشكل المطلوب. وفي تفاعله مع مختلف الملاحظات والتساؤلات المطروحة في النقاش، قدم المدير الإقليمي لقطاع الشباب، محمد منتصر، توضيحات بخصوص عدد من الإكراهات التي تم إثارتها، مؤكدا أن دار الشباب بآيت إسحاق توجد حاليا قيد الدرس بغاية الإصلاح، في إطار الجهود الرامية إلى تأهيل بنياتها وتحسين ظروف استقبال المرتفقين، كما أشار إلى أن مؤسسة الشباب بالقباب ستستعيد حيويتها في القريب، إلى جانب مركز نسوي، وبخصوص وضعية دار الشباب بمريرت، أوضح المسؤول الإقليمي أن المؤسسة مبرمجة للاستفادة من عملية توسيع وتجهيز في المستقبل القريب. وفي السياق ذاته، أعلن ذات المسؤول عن قرب تجهيز ملعب للقرب بآيت إسحاق، في خطوة تروم دعم البنيات التحتية الرياضية الموجهة للشباب بالمنطقة، كما لم يفته الكشف عن مشروع استراتيجي يتمثل في إحداث أكبر مخيم نموذجي على صعيد الإقليم، يرتقب إنجازه على تراب جماعة الحمام، على مساحة تناهز سبعة هكتارات، وهو المشروع الذي يعول عليه في تعزيز العرض التخييمي بالإقليم، كما أشار إلى وجود محاولات جارية لتمكين كل جمعية من مخيم حضري، في إطار توسيع قاعدة الاستفادة من الأنشطة التربوية لفائدة الأطفال والشباب. ملتقى للتكامل الفعلي كما تميز اللقاء بمداخلات نوعية لممثلي عدد من القطاعات الحاضرة، من قبيل التعاون الوطني، والمجلس العلمي، ووكالة إنعاش التشغيل والكفاءات، وقطاع التكوين المهني، إلى جانب رئيس جماعة أجلموس، حيث قدموا تصوراتهم ومقترحاتهم في أفق تحقيق تكامل فعلي بين مختلف الفاعلين المتدخلين في مجال الشباب، حيث أكد المتدخلون، في هذا السياق، استعدادهم الدائم للانخراط في هذا الورش التواصلي، الذي يروم بالأساس الاستثمار في العنصر البشري من خلال تأطير الشباب وتكوينهم، باعتبار أن الاستثمار في الشباب هو استثمار في مستقبل الوطن. كما شددوا على أهمية التواصل كآلية مركزية في مواكبة هذه الفئة وتأطيرها، وعلى أن الكفاءة والمهنية تكتسبان جزءا كبيرا من قوتهما داخل فضاءات مؤسسات الشباب، بينما لم تخل هذه المداخلات من الدعوة إلى ضرورة مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المغرب، وما تفرضه من متغيرات جديدة على مستوى حاجيات وانتظارات الشباب، مع التأكيد على أهمية الاشتغال بروح العطاء والمواطنة، وترسيخ ثقافة العمل الجمعوي القائم على الالتزام قبل البحث عن الدعم، بما يعزز من مصداقية الفاعلين ويقوي أثر تدخلاتهم على أرض الواقع. كما أجمع المتدخلون على أن المرحلة الراهنة تستدعي تحقيق التكامل الفعلي وتقوية آليات الشراكة والتنسيق والتعاون الميداني بين مختلف المتدخلين، في أفق بناء منظومة مندمجة قادرة على الاستجابة لتحديات الشباب، وتحقيق تنمية بشرية مستدامة قوامها التأهيل والإدماج والمواكبة، كما تم طرح مجموعة من المقترحات العملية التي تهم إعادة تأهيل مؤسسات الشباب، وتحديد أدوارها بشكل أدق، والارتقاء بجودة خدماتها، في أفق جعلها فضاءات جاذبة ومؤثرة في مسارات إدماج الشباب. جدال بلقاء مفتوح وسجلت أشغال اللقاء أيضا بروز تباين في وجهات النظر بخصوص مدى مسؤولية الجماعات الترابية في الانخراط في مشاريع مؤسسات الشباب، حيث اعتبر بعض المتدخلين أن هذا المجال يندرج أساسا ضمن اختصاصات قطاع الشباب، بما يتطلبه من تخصص وتدبير مهني، فضلا عن الإكراهات المرتبطة بضعف الموارد المالية لدى الجماعات، في المقابل، شدد آخرون على أن مسؤولية الجماعات الترابية تظل قائمة بحكم ارتباطها المباشر برهانات التنمية المحلية، التي يشكل الشباب أحد أعمدتها الأساسية، ما يفرض عليها الانخراط الفعلي في دعم هذه المؤسسات وتطويرها. ولم يخل النقاش من إثارة مسألة مجانية الولوج إلى مؤسسات الشباب، حيث برز تباين واضح في وجهات النظر بين المتدخلين، إذ اعتبر البعض أن هذه الفضاءات ينبغي أن تظل مفتوحة بشكل مجاني أمام جميع الشباب، بحكم طبيعتها كمرافق عمومية ذات أبعاد اجتماعية وتربوية، تضمن تكافؤ الفرص وتوسع قاعدة الاستفادة دون تمييز، في المقابل، دافع آخر عن اعتماد صيغ أداء رمزية، مبررا ذلك بما تتطلبه هذه المؤسسات من تكاليف مرتبطة بالصيانة والتجهيز والتسيير، بما يضمن استمرارية خدماتها والحفاظ على جودتها.