طلبت من محمد قبل أن أغادر أن يحجز لي غرفة في طابق علوي حينما أعود، كما أحب أن أقيم، حيث أشاهد معظم باريس من غرفتي، فقال سأترك توصية على الحجز لأنه يصعب عمل ذلك من الآن، ولم أشك لحظة واحدة في أن محمد ويوسف، وربما غيرهما، كانوا يراقبون تحركاتي منذ وصولي ويرسلون بها تقارير إلى شبكة استخبارات بن علي في باريس. وحتى لو تيقنت من ذلك، فليفعلوا وغيرهم يفعل في كل مكان أذهب إليه، أنا في النهاية أعمل في الأخبار وتقديم الحقائق إلى الناس وما أقوله في الغرف المغلقة أقوله على الهواء، لكن الحذر مطلوب دون شك بشكل عام دون أن يكون عائقا للقيام بالأعمال، فأنا أتعامل مع الناس بحب ولا أخون أحدا طالما لم يظهر لي منه ما يريب، وإذا كان هناك خونة ولصوص ومجرمون فإن أغلبية الناس ليست كذلك، وأنا في النهاية أخدم الناس من خلال عملي، لذلك أعتمد على احترام الناس وحبهم وأقبل آراء الناس بكل سلبياتها، وأعتبر هذا حقا من حقوقهم حتى تصل الأمور إلى حد الاعتداء، فهذا أمر آخر. ورغم أنني قد علمت، خلال فترات التحضير مع أحمد بنور، بأنه قد وصله تهديد من بن علي وسألته عن ذلك فلم ينف بل ذكر لي أن رسالة وصلته عبر البريد بها تهديد مباشر عليها طابع بريد لبناني، غير أنه يدرك تماما أنها أرسلت من تونس عبر بيروت للإيهام بأنها من منظمات فلسطينية حيث كانت صحف بن علي تنشر ذلك دائما، غير أنه أكد لي أنه ملتزم بالتسجيل معي، وعلى هذا رتبنا قضية التسجيل. وضعت هاتفي على الصامت وبقيت أربعة أيام في شبه عزلة حتى أنهيت وضع خريطة تسجيل الحلقات مع أحمد بنور، وعدت إلى فندقي في باريس مساء الاثنين الثاني من غشت، أنهيت إجراءات الدخول وأعطيت موظف الاستقبال إيصالات الحقائب وطلبت منه أن يرسلها إلى غرفتي مع حقيبة الكتب التي كانت معي، وانطلقت إلى موعد مع أحد الأصدقاء كنت قد تأخرت عليه في قلب باريس. عدت في الليل فلم أجد في غرفتي إلا حقيبة الكتب التي كانت معي ولم أجد باقي الحقائب. كنت مجهدا فنمت، وفي الصباح اتصلت بموظف الخدمة لأطلب منه إرسال الحقائب، غير أنه فاجأني قائلا: هل يمكن أن تأتي إلينا لأن حقائبك ليست موجودة، نزلت إلى الاستقبال فوجدت مدير قسم الخدمات في انتظاري، أخذني إلى غرفة الأمانات لأبحث بنفسي فلم أجد حقائبي. ولأني عادة ما أتعامل بهدوء مع مثل هذه الأمور، قلت له: أين ذهبت؟ قال: لا أدري، ربما أرسلت بالخطأ إلى إحدى الغرف، ولدينا سبعمائة غرفة، أرجو أن تترك لنا بعض الوقت للبحث في الغرف، قلت له كم ساعة تريد؟ قال: ساعتين؟ قلت له: لا بأس، أنا في غرفتي أنتظر اتصالك. صعدت لأكمل دراستي ومذاكرتي لأن هذه الأوقات، بالنسبة إلي، تكون بمثابة ما قبل الامتحان وأكون فيها بحاجة إلى تركيز شديد، وعادة ما أكون منشغلا إلى حد بعيد ولاسيما أن لدي برنامجا آخر في اليوم التالي هو «بلا حدود» وكان مع وزيرة المدن الفرنسية، وكنت أعد له هو الآخر. انقضت الساعتان وطلب مني مدير الخدمات أن أمهله ساعتين أخريين حتى انتهى اليوم دون طائل. وفي المساء، طلبت لقاء مدير الفندق، فأخبروني بأن هناك مديرا مناوبا وأن المدير يأتي في الصباح. التقيت مع المدير المناوب، وكان على علم بالموضوع، بل علمت بأن إدارة الفندق كلها كانت مضطربة بسبب سرقة الحقائب، قلت له لا بد أن أذهب إلى البوليس صباحا، فاتصل المدير المناوب بمدير الفندق وأخبره بأنني سأذهب إلى البوليس صباحا، فطلب مدير الفندق مني مهلة حتى يأتي في الصباح وطلب من المدير المناوب أن نكتب محضرا بفقدان الحقائب، طلبت من المدير المناوب أن يكتب المحضر على ورق الفندق الرسمي، وطلبت من أحد الأصدقاء ممن يتقنون اللغة الفرنسية أن يحضر لأن المحضر كان سيكتب بالفرنسية حتى يكون مستندا أذهب به إلى البوليس في اليوم التالي وأحفظ به حقوقي لدى الفندق. واتصلت بالصديق محمد جهام الكواري، السفير القطري في باريس، رغم أنه كان قد أخبرني بأنه في إجازة وأخبرته بما حدث وبأني بحاجة إلى أحد موظفي السفارة أن يأتي معي إلى البوليس صباحا لأن عياش كان قد سافر إلى الجزائر وكان زميلنا نور الدين بوزيان مشغولا بإدارة المكتب وكان يتابع الأمور بالهاتف مع مدير الفندق. بالفعل، كلمني الأخ عبد العزيز الرميحي، الذي كان قائما بأعمال السفير القطري، وأرسل إلي موظفا إلى الفندق في اليوم التالي صباحا حتى يصحبني إلى مركز الشرطة في الدائرة الخامسة عشرة. لكن مدير الفندق كلمني صباحا وطلب مني أن أمنحه مهلة لعدة ساعات لأنه يراجع بنفسه الشرائط التي صورتها كاميرات الفندق ويحتاج إلى بعض الوقت لأنه يراجع ما يزيد على ستين ساعة من المشاهدة، وطلب مني أن أتريث في الذهاب إلى البوليس حتى يحصل على شهادة إثبات من الأشرطة، وقال لي: إن إدارة الفندق منزعجة إلى حد كبير، فهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها شيء من هذا طوال خمسة وعشرين عاما، هي عمر الفندق. لمست في كلامه الصدق، ولاسيما أني حينما قابلته كان يبدو عليه القلق والاضطراب مما حدث بالفعل، فانتظرت وطلبت من موظف السفارة القطرية الذي جاءني أن ننتظر إلى اليوم التالي لأن لدي برنامج «بلا حدود» على الهواء في المساء، ومن ثم لا مجال للذهاب إلى مقر البوليس إلا صباح الخميس، كما أن كل ملابسي تقريبا قد سرقت مع الحقائب ويجب أن أذهب لأشتري بذلات جديدة وملابس لأن لدي تصويرا في المساء. عاد عياش من الجزائر يوم الأربعاء مساء، وجاءني إلى الأستوديو مباشرة. لم يشك هو منذ اللحظة الأولى في أن المخابرات التونسية وراء الموضوع، لكنني كنت إلى هذه اللحظة متحفظا في توجيه أي اتهام إلى أحد، وبعدما أنهيت ب«لا حدود» مع الوزيرة الفرنسية وأبلغتها بما حدث، فانزعجت إلى حد بعيد وقالت لنا سأجري بعض الاتصالات وأتصل بكم صباحا. بالفعل، اتصلت بعياش صباحا وقالت لي عليكم بالذهاب إلى البوليس. وبالفعل، ذهبت مع عياش ومندوب من السفارة القطرية صباح الخميس 5 غشت إلى مقر البوليس في الدائرة الخامسة عشرة التى يتبع لها الفندق، لكنني كنت قلقا من شيء آخر، ماذا لو علم بنور بما حدث، هل سيسجل أم سيخاف ويطلب الإلغاء أو التأجيل؟». يتبع...