من مكر التاريخ وسخريته الكونية على فضاءاتنا الثقافية كون الكتاب يصرون، وباستمرار، على نشر كتبهم وإغراق السوق بها، وفي نفس الوقت يصر القراء على عزوفهم المعهود عن القراءة وعلى مقاطعتها، وإن اقتضى الأمر محاربتها ببدائل أخرى ترفيهية، كالتلفزيون والأنترنت والاستمتاع بالموسيقى ومعاكسة الفتيات في الشارع العام وتبادل الرسائل القصيرة عبر الهواتف المحمولة.. بل الأخطر من ذلك أن تلاميذ المؤسسات التعليمة أصبحوا يكترون قاعات الأفراح ويقومون بتنظيم حفلات صاخبة يختلط فيها الجنسان، يدخنون الشيشة وأشياء أخرى والبقية يعرفها الجميع.. وشرح الواضحات من المفضحات.. ويجسد هذا المشهد الاحتفالي، الذي يمارسه شباب ميؤوس منهم أمام مرآى الجميع، أول شكل من أشكال القتل السري للكاتب ومؤلفاته. ويأتي الشكل الثاني للقتل الممنهج للمبدع من أهل الدار نفسها، أقصد المشرفين على البرامج الثقافية في قنواتنا التلفزية الأولى والثانية والرابعة، وتهميش الكتاب الحقيقيين وعدم استضافتهم في بلاتوهاتهم لأسباب لا يعلمها إلا هم والمحظوظون، إضافة الى تهميش الكتاب الذين ينتمون إلى المدن السفلى والهامشية .والتعامل مع المبدعين بنوع من الانتقائية تحكمها خلفيات شعبوية وعنصرية مفضوحة. وما يؤكد هذا الطرح هو أن وزارة الثقافة، خلال المعرض الدولي الثامن العاشر الذي نُظِّم في الدارالبيضاء منحت لمعدي البرامج الثقافية في قنواتنا كتبا قصد التعريف بالكتاب الجدد وبإصداراتهم لكن «مشارف المستقبل» و»ناقد الإبداع» كانا مجرد آلات للإقصاء وحقن للإحباط والشلل تراهن على القرابة والقبلية وتستبعد ما دونها. إن التسليم بأن الثقافة غير متناقضة مع الكونيات، بما تحمل من أسماء مختلفة، كالمثاقفة والمجانسة الثقافية وخطاب التمازج والتلاقح الثقافي المتعدد، وغيرها من المسميات، تجعل الكاتب يعيش على اضطهاد ثقافي غير مكشوف بالمرة، ويدس له السم في الدسم من حيث لا يدري، ليتأكد، بعد فوات الآوان، أن هذه التسميات تنطوي على الكثير من الدلالات الخادعة والتطمينات الملغومة التي تقتل الكاتب، من جهة، وتقتلع الثقافة الحقيية، من جهة ثانية. إن أحد أخطرالمؤسسات القاتلة للكاتب تبدأ من المسؤول عن المطبعة، مرورا بالموزع، وصولا إلى قراء من طينة من يفترض فيهم تربية الأجيال.. هؤلاء الذين لا يقاطعون الكتاب وكتبهم فحسب، بل ينشرون ثقافة التيئيس حتى بين تلاميذهم في المدارس والثانويات وطلابهم في الجامعات.. فهل هناك من خطر يهدد ثقافتنا وابداعنا وكتابنا وكتبهم من هؤلاء المحسوبين على النظام التعليمي، الذي أصبح مشلولا بسبب نزعتهم العدائية للثقافة والمثقفين ولخلقهم ثقافة بديلة اسمها «ثقافة الإسمنت والتجزئات السكنية»؟.. هؤلاء المهووسون بالإتجار في العقار قتلوا ثقافتنا ومثقفينا وأصبحوا مجرد ظواهر صوتية لا تنتج خطابا ثقافيا .لقد ذكّرتني محنة الكاتب المغربي مع أعدائه، العلنيين والسريين، الواقعيين والمفترضين، الإسمنتيين والعقاريين، بقولة أحد قادة «الغستابو» في الجهاز السري للنظام النازي، الذي قال: «عندما أسمع كلمة ثقافة أخرِج مسدسي».. فكم عدد المسدسات كاتمة الصوت التي اغتالت كتابنا ومبدعينا وروائيينا برصاصات أخطر من الرصاص الحي؟!