تتوقف أم تمسك بيد طفلها لحظة عند حافة الرصيف، قبل أن تنزل مضطرة إلى قارعة الطريق المزدحمة. أمامها، امتدت طاولات مقهى قليلا إلى الخارج، ولحقت بها كراس بلاستيكية، ثم ثلاجة عرض وعربة بائع جائل، إلى أن لم يبق من الممر سوى شريط ضيق لا يكفي لعبور شخصين. وبمجرد نزولها إلى الإسفلت لتفادي دراجة نارية صاعدة من الخلف، يبدأ المشهد اليومي المألوف: فرامل مفاجئة، احتكاك، وأبواق سيارات غاضبة. هكذا يبدأ الاختناق المروري في عدد من شوارع طنجة التجارية، من الرصيف نفسه قبل الوصول إلى المدارات ونقط التقاطع. فالمشهد لا يحتاج إلى حادث استثنائي أو إلى أشغال كبرى حتى تتعطل الحركة؛ يكفي أن يفقد فضاء العبور وظيفته الأولى. على الأرض، تتكون الأزمة من تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم: عامل توصيل يقتطع زاوية من المسلك، زبناء يتحلقون أمام واجهة ضيقة، وراجل يلتصق بسيارة متوقفة كي يجد منفذا للمرور. وحين يتحول الرصيف إلى امتداد للمقهى أو المحل أو البائع الجائل، يضيق الشارع عن عرضه الأصلي، وتكفي سيارة تتوقف لثوان من أجل التحميل أو الإنزال حتى تتكدس الحركة في مسلك واحد. ويبدو هذا الاحتكاك اليومي أشد في مدينة واصلت نموها الديمغرافي بوتيرة سريعة خلال العقد الأخير. فقد ارتفع عدد سكان جماعة طنجة من 947 ألفا و952 نسمة سنة 2014 إلى مليون و275 ألفا و428 نسمة سنة 2024، فيما انتقل عدد الأسر من 239 ألفا و243 أسرة إلى 362 ألفا و62 أسرة. وفي المقاطعات الأكثر كثافة، بلغ عدد سكان بني مكادة 567 ألفا و465 نسمة، وطنجة-المدينة 343 ألفا و535 نسمة، ومغوغة 252 ألفا و656 نسمة سنة 2024. ومع هذا الثقل السكاني، لم يعد الترامي على الملك العمومي مجرد مخالفة شكلية، بل صار كل متر يقتطع من الرصيف جزءا مباشرا من أزمة التنقل. ولا يرتبط الضغط بالزيادة السكانية وحدها. فخرائط المؤسسات الاقتصادية 2023-2024 التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط تظهر أن عمالة طنجة-أصيلة تضم 57 ألفا و771 مؤسسة ذات غرض ربحي، وتستحوذ على 301 ألفا و551 منصب شغل قار، أي 60,12 بالمئة من الوظائف القارة على مستوى الجهة. وفي مدينة بهذا الثقل التجاري والخدماتي، يصبح الرصيف أول مجال تتقدم إليه الأنشطة حين يضيق المحل أو تشتد المنافسة على الزبون. هنا تكتسب العبارة المتداولة، "هيبة الدولة تبدأ من الرصيف"، معناها العملي المباشر، لأن الفضاء الذي يفترض أن يضمن العبور والنظام والسلامة يتحول، عند أول تراخ، إلى مجال مفتوح للاقتطاع اليومي والفوضى الصامتة. وعلى الورق، لا يبتعد التشخيص الرسمي كثيرا عن هذا الواقع. فوثيقة مشروع تهيئة المدينة العتيقة لطنجة، المنشورة في مارس 2026، تشدد على أن أي بناء أو تهيئة يجب ألا يعيق الولوج أو حركة الراجلين، وتدعو إلى تحرير الشوارع من كل احتلال تجاري غير منسجم، مع إخضاع شغل الملك العمومي للترخيص وفرض الإخلاء الفوري عند الحاجة إلى التدخلات الاستعجالية. لكن خارج النصوص، تواصل الأرصفة فقدان أمتارها القليلة، مترا بعد متر، ويضيق معها هامش الأمان الفاصل بين الأجساد والعربات. وفي مدينة يتجاوز عدد سكانها مليون و275 ألفا و428 نسمة، لا يبدو وصف حركة السير بأنها جحيم يومي مبالغة. فالراجل يجد نفسه مدفوعا إلى الشارع، والسيارة إلى ممر أضيق، وتستمر طنجة في الدوران داخل التوتر نفسه، كل صباح وكل مساء.