قصة الأدب والفنون هي قصة الإنسانية جمعاء بكبواتها وانتصاراتها، بحبها وكراهيتها، بنقائها ووسخها، بنبلها وخبثها، بسخائها وتقتيرها، بجمالها وبشاعتها، بغناها وبؤسها. إنها في العموم الأعم قصة كاملة لهذا الإنسان بذكرانه وإناثه. فهي سجله الكامل بالصوت والصورة الذي يجمع كل صغيرة وكبيرة ليس بلغة واحدة، بل بكل اللغات الحية منها والميتة التي بقيت ضمن المحنطات. وعلى ذاك الأساس فمن يريد معرفة نفسه والنظر إليها في المرآة عليه بهذا التراث الأدبي والفني الممتد من العهود البدائية إلى عهد التطور والارتقاء. من عهد الجلود إلى عهد "الكرفاتات".فقد عبر الإنسان وعلى مختلف المراحل الزمنية وعبر أمكنة مختلفة، وعبر الأشكال التعبيرية المتنوعة عن حاجات دفينة وأخرى واضحة عن القلق والسكينة والاطمئنان. كما عبر، عبر ما ابتدعه من أشكال فنية، عن الرغبات المكبوتة وصرفها أحيانا بشكل مهذب ومشذب إما من خلال ألفاظ صقيلة تزرع الدفء في الجسد قبل الروح وأخرى عبر صراخ و«وحوحات»، تبحث عن المنبع في الحيوانية الإنسانية التي تتساكن في العمق العميق الممتد إلى عصر العري والكهوف، وهذا هو الإنسان دائما، منشغل بشيء ما يطارده ويريد القبض عليه. لكنه لا يجيد دائما الصيد والتصويب. وهكذا عوض أن يصيب كبد الحقيقة يصيب كبد نفسه، فيكون إنتاجه ملحميا وبكائيا في وقت كان يسعى هو أن يكون عكس ذلك. وفي حالات أخرى يوجه لكماته إلى الفراغ عوض أن يوجهها إلى أمراضه وعيوبه فيتحول إلى مجرد مهرج يضحك عليه العالم فينتهي به الأمر إلى ناسج كوميديا لن تكتمل خيوطها إلا بموت آخر "نمرة" من بني آدم. كي تفهم الشعوب اليوم بمختلف ألوانها وألسنتها، وكي يكون أي واحد عار أمامك ومن دون تزويقات، اقرأ أدبه و تفرج على فنونه. وحتى وإن أردت أن يكون المرء وعلى حد التخصيص واضحا أمامك من الداخل ومن الخارج كما ولدته أمه، عليك أن تعود إلى قراءة ما أنتج عبر هذا الزمن الطويل في الإبداع الأدبي والفني، بغثه وسمينه، بالذي له معنى والذي لا معنى له. إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يبحث عن الفضائح، لذلك لا يهدأ له بال إلا إذا نشر غسيله، ونشره على الحبال كالسارق الذي يحب أن يمدحه الناس وعلى الملأ بالقصائد العصماء تشيد بأعمال يده الطولى على الجوعى والفقراء الذين بفضلهم أصبحت له كرش يدفعها باستمرار وكأنه يدفع برميل حريرة. هذا هو الإنسان لا يتوقف عن قول المهم وعكسه، لا يتوقف عن قول الأشياء التي لها قيمة والتي لا قيمة لها. فهو دائما عكس كل الكائنات التي تعبر عن وجودها في صمت. وهكذا فإن التي قالت لمن كتب فيها قصيدة غزل "فضحتنا، فلو كان ذلك في صمت لكان ذلك أعظم"، فيها جانب من ملح الحقيقة التي لا تدوّد. الآن وبعد مرور سيول من المياه تحت الجسر، وبعد أن فهم الإنسان أنه لا يسبح في النهر مرتين، لم يعد هناك أي منطق لفهم قيمة الأشياء سوى القول بأن ما ينتجه البشر من أدب وفنون هو القصة الكاملة لصراعه مع نفسه ومع محيطه، وهو أقصر الطرق لفهم حقيقته المرة والحلوة. اليوم تعددت الأجناس والأشكال وتطورت المفاهيم وصار الكل يفضح نفسه والآخرين بالتعبير إما كتابة أو صوتا وصورة فتضخمت الإنتاجات، وانفتحت شهية القراءات، فهل تكون هذه هي بداية لإدراك دقيق أم أنه بداية للضياع الذي يسبق الموت؟