أي شيء في العيد أهدي إليك، يا ملاكي، وكل شيء لديك؟ هذا مقطع من القصيدة الجميلة الفاتنة للشاعر إليا أبي ماضي، والذي كنا نلقبه أيام الدراسة في الثانوي بالمتشائل، لأن شعره كان يجمع في تركيبة خاصة ما بين التشاؤم والتفاؤل. ولعل تجربته في الحياة علمته أن يرى أبعد من المظاهر والظواهر العابرة، ويذهب بحس شعري عميق إلى الجوهر. وهذه القصيدة، التي رددناها مع المطرب العراقي وسيد فن المقام العراقي ناظم الغزالي، تصلح أن تكون رسالة لطيفة إلى النساء المغربيات في عيدهن العالمي، في 8 مارس، ليس كمجرد ذكرى في رزنامة السنة وزحمة الأعياد والمناسبات، ولكنه شرفة حقيقية لبعث التحية إلى النساء المغربيات «بنات لبلاد». وأريد أن أبدأ هنا بتوجيه التحية إلى الأمهات، أمهاتنا جميعا، اللواتي كن شجاعات وهن يجعلن هذا الرجل، الذي هو الأب، قادرا على أن يرفع رأسه عاليا وأن يكون رجلا حقيقيا؛ كما أحيي زوجات العمال والمياومين، والفلاحات في المناطق النائية، وسيدات «الغزل» والصوف، وبنات الحقول، والملثمات في الأطلس وهن يخرجن من أجل خبز البيت، وفتيات المصانع، وأغنيات الراعيات، والصغيرات الموشومات بالتعب منذ الطفولة، أحييهن في هذا اليوم، وأرفع لهن القبعة. أنتن من يستحققن أكثر من عيد ومن مناسبة ومن هتاف جميل، ومن تحريض على العيش وعلى محاولته، في زمن يقتل فيه المعنى وتذوب حلاوة الحياة ويزداد القبح. .................. وأريد أن أحيي كل امرأة شريفة، وأم ولود وسيدة بيت تحول الشقة الصغيرة في العمارة المكتظة إلى حالة سلام مع العالم، وأحيي المرأة سائقة التاكسي وصاحبة العربة المجرورة والطبيبة والمهندسة والأستاذة التي تربي جيلا على القيم، والممرضة التي تمنح ورد الابتسامات، وعاملة الهاتف الطيبة والأنيقة دوما، ضدا على العالم المملوء بالبشاعة، وأحيي زميلات المهنة لأنهن يركبن معنا في سفينة الوهم هذه، أولئك اللواتي لا يبعن بعضا من جمال لقاء «مصدر مقرب»، ويأتين كل صباح بعزة نفس إلى العمل، وأحيي عاملة النظافة لأنها شريفة جدا وطاهرة بحيث إن لطخة واحدة تجعلها تحمر خجلا، وأحيي الشاعرات بالفطرة والمناضلات بالفطرة والفتيات الطازجات، اللواتي بدلا من أن يذهبن إلى «البوم» يخرجن في مسيرات المغاربة من أجل مغرب أفضل، للرجل والمرأة، للفتاة الصغيرة والأم، لبنت الجيران ونساء الحي، للمدينة الآهلة والمراعي البعيدة هناك في مغرب آخر، حيث تمر الحافلة الوحيدة التي تذكر بأن هناك حياة في الجهات الأخرى وعالما كبيرا وغريبا. .................. وأحيي سيدة جميلة وشاعرة كبيرة اسمها ولادة بنت المستكفي، والتي قالت في إحدى دررها الشعرية: لحاظُكم تجرحُنا في الحشا وَلحظنا يجرحكم في الخدود جرح بجرحٍ فاجعلوا ذا بذا فما الّذي أوجب جرح الصدود فأنا أحب شعر هذه الشاعرة الجميلة العفيفة الطاهرة المناضلة الصلبة التي تذكرنا بالزمن الأندلسي الجميل، وبأن القيم ماثلة في الماضي والحاضر ودون منازع. .................. أحب سيدتي أن أهديك بعضا من هذه القصيدة «الغزالية» التي طربت عليها أجيال وأجيال، وتقول في إحدى مقاطعها: أيَّ شيء في العيد أُهدي إليكِ يا ملاكي، وكل شيء لديكِ؟!! أسوارا؟ أم دملجا من نضارٍ؟ لا أحب القيود في معصميكِ أم خمورا وليس في الأرض خمرٌ كالذي تسكبين من لحظيكِ؟! أم ورودا والورد أجمله عندي الذي قد نشقتُ من خديكِ؟! أم عقيقا كمهجتي يتلظى والعقيق الثمين في شفتيكِ؟! ليس عندي شيءٌ أعزُّ من الروح وروحي مرهونة في يديكِ .................. تعليق صغير: أحد الأصدقاء، وبحسه الفكاهي، كان يعلق على هذه القصيدة بالقول إنها ليست قصيدة غزل، وإنما هي أجمل ما كتبه شاعر بخيل في حق محبوبته، فهو لا يريد أن يهديها في العيد لا أسوار ولا ذهبا ولا فضة، ولا حتى «قبضة» ورد، فماذا هي فاعلة بروحه، إن كانت تلك الروح مسكونة بكل هذا البخل؟