الصحة العالمية تحذر من خطر ظهور "أوميكرون" ومجموعة السبع تدعو إلى "إجراءات عاجلة"    شركة الخطوط الملكية المغربية (لارام) تعلن عن عن تنظيم رحلات استثنائية أخرى إلى دول جديدة بعد فرنسا.    أسعار النفط توقع على تراجع ملحوظ، وسط مطالب بإعادة النظر في الأسعار بالمغرب والإعلان عن تخفيضات فورية..    كانت بدايته من جنوب إفريقيا .. هكذا أصبح ايميكرون خطرا "مرتفعا للغاية"    بالأرقام: تقرير يميط اللثام عن واقع الرشوة و الفساد بالمغرب…الصحة و التعليم يحتلان المستويات العليا.    صورة للملك محمد السادس أمام حائط المبكى، أو حين يعمد الخصوم إلى توظيف أحقر الأساليب في المغالطة. (+الصورة)    المغرب يتعاقد مع شركة بريطانية لتوريد 350 مليون متر مكعب من الغاز سنويا من حقل تندرارة    برئاسة أخنوش.. لجنة الاستثمارات تصادق على 5 اتفاقيات بنحو 4 ملايير درهم    "جبهة التحرير الوطني" يتصدر نتائج الانتخابات المحلية في الجزائر    الناتو يتوعد روسيا بدفع الثمن باهظا    تحسن رقم معاملات المكتب الشريف للفوسفاط بنسبة 38 بالمائة في متم شتنبر 2021    بارقة أمل لمرضى السكري.. علاج جديد يثبت نجاعته    منظمة الصحة العالمية ترى أن حظر السفر لن يمنع انتشار متحورة فيروس كورونا الجديدة "أوميكرون"    كأس العرب.. غياب المفاجآت يتصدر افتتاح المسابقة    بطل يدافع عن لقبه.. تاريخ وأرقام مشاركات المنتخب المغربي في كأس العرب    طقس الأربعاء..انخفاض في درجات الحرارة مع أمطار في مناطق المملكة    نشرة إنذارية: تساقط ثلوج وطقس بارد ورياح قوية يومي الخميس والجمعة بعدد من المناطق    بعد فسخ العقد مع الجزائر.. المغرب يُعيد الأنبوب "المغاربي-الأوروبي" إلى الخدمة بعقد جديد مع شركة بريطانية    المكتب الوطني للسكك الحديدية.. نقل 24,8 مليون مسافر متم شتنبر    اسبانيا اليوم : لن تتكرّر عنترية جزيرة ليلى    بطولة ايطاليا.. جوفنتوس يؤكد تجاوبه مع عمل المحققين على خلفية صفقات مشبوهة    "نجم القرن" يهاجم "رئيس جائزة الكرة الذهبية"    وزارة العدل تنهي العمل بمسطرة "رد الاعتبار".. سيصبح استخراجها تلقائيا عبر الحاسوب وعدم متابعة المتورطين في إصدار شيكات من دون رصيد    مشروع قانون المالية 2022: بعد إجازة جزئه الأول من قبل لجنة المالية, مجلس المستشارين يبرمج ثلاث جلسات للمصادقة    الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة تقدم تقريرها السنوي حول وضع الفساد في المغرب-فيديو    انتقد ما قامت به حكومات الإسلاميين ... تقرير للمجلس الأعلى للتعليم ينتصر لشروط بنموسى لولوج مهنة الأستاذ    تيزنيت :أوكار للمتشردين و المدمنين جنبا إلى جنب مكاتب المسؤولين.. و جريمة قتل بشعة ترخي بظلالها على الظاهرة بالمدينة ( صور )    بنعتيق يترشح لخلافة لشكر على رأس الكتابة الأولى للاتحاد الاشتراكي    أهداف مباراة قطر والبحرين 1-0 اليوم الثلاثاء في كأس العرب    وكيل الملك يوجه 11 تهمة للوزير الأسبق "محمد زيان"    اخترقت الأجواء المغربية واستعملت طريقا رئيسية كمدرج.. علامات استفهام تحيط بتحطم طائرة إسبانية لنقل المخدرات بنواحي طنجة    النقيب زيان يواجه 11 تهمة مختلفة، ضمنها التحرش الجنسي.    شاهدوا إعادة حلقة الثلاثاء (400) من مسلسلكم "الوعد"    مؤسسة المتاحف تسلم لأرشيف المغرب وثائق أرشيف متحف التاريخ والحضارات    غاموندي: أتمنى النجاح في تجربتي الجديدة    كأس العرب 2021.. المنتخب الإماراتي يتفوق على نظيره السوري    الكرة الذهبية: الإسبانية بوتياس أفضل لاعبة في العالم    مجموعة ال 77.. بوريطة يدعو إلى جعل الأزمة الصحية فرصة لتعزيز تعددية أطراف متضامنة    اليميني المتطرف "إريك زمور" يعلن ترشحه لرئاسة فرنسا ويتوعد المهاجرين    رحلات جوية استثنائية من الناظور والحسيمة إلى بلجيكا    صحيفة "هآرتس": المغرب يحصل على "مسيّرات انتحارية" إسرائيلية    ثاني أكثر الكتب مبيعا.. سامي عامري يعلق على "كتاب مثير" هزّ الإلحاد في فرنسا! (فيديو)    سعار جزائري...أبواق النظام العسكري تنشر صورة مفبركة للملك عند حائط المبكى    تقرير: العنف الإلكتروني يدفع النساء في الدول العربية إلى إغلاق حساباتهن أو ممارسة رقابة ذاتية عليها    ردا على تعليق دافقير على "واقعة الراشدية"    الوزير المكلف بإدارة الدفاع الوطني والمفتش العام للقوات المسلحة الملكية يستقبلان وزير الدفاع البرتغالي    رياح قوية مرتقبة بالناظور والحسيمة والدريوش    التنسيق الخماسي للنقابات الصحية يقرر التصعيد بخوض إضراب وطني بالمؤسسات الصحية    أسعار النفط تتراجع بعد تقرير يزيد من الشكوك في فاعلية اللقاحات    "أناطو" فيلم مغربي يحصد الجائزة الكبرى لمهرجان شاشات سوداء بالكاميرون    دار الشعر تحتفي بكتاب نفيس عن مدينة تطوان    "البيجيدي"يدعو السلطات لعدم التضييق على الاحتجاجات ضد التطبيع و قرارات بنموسى    حكمة التمرد في اليوم العالمي للفلسفة    دار النشر Langages du Sud ومدرسة Art'Com Sup يكشفان عن الفائز في مسابقة " فنون الشارع بالدار البيضاء"!    "قطاف الأهلة".. مزاد علني للوحات فنانين تشكيليين مغاربة لفائدة بيت مال القدس الشريف    في قضية الطلاق.. د. فاوزي يردّ على جريدة "كود"..    نجيب الزروالي يوصي بإعطاء خادمات البيوت أجرهن كاملا والإعتناء بهن وبكبار السن    "إبن تومرت".. رواية لمنى هاشم تستعرض حقبة الزعيم الروحي لدولة الموحدين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نحو مراجعة نقدية شاملة ورقة تمهيدية للمناقشة الجماعية

في إطار أنشطتها السنوية تنظم الفيدرالية الوطنية لدعم الإصلاحات والمبادرات المحلية فرع المنارة مراكش ندوة سياسية حول موضوع الراهن السياسي (قراءة في وثيقة "نحو مراجعة نقدية شاملة")
و دلك يوم الأحد 27 دجنبر2009 في الساعة 10 صباحا بقاعة المحاضرات بمجمع الصناعة التقليدية شارع محمد الخامس أمام عرصة مولاي عبد السلام و بالقرب من فندق المرابطين ... يدير أشغالها الأخ حميد المنسوم و يؤطرها الأستاذين محمد الحبيب طالب و جليل طليمات .
إضاءة حول وثيقة"نحو مراجعة نقدية شاملة"
تطرح وثيقة "نحو مراجعة نقدية شاملة" مواضيع شتى من قبيل تجربة التناوب التوافقي، وحدة اليسار و الكتلة الديمقراطية الإصلاح السياسي و الدستوري، التنظيم الحزبي و غيرها من مواضيع ذات الصلة بالوضع السياسي الراهن و آفاق العمل الممكنة لتجاوز الانكماش و الانحسار... و دعوة القوى الديمقراطية إلى الممارسة الجماهيرية كخيار استراتيجي...
إن وتقية"نحو مراجعة نقدية شاملة" تتوخى من ضمن ما تتوخاه القيام بمراجعة نقدية تنظيمية شاملة تستدرك كل مظاهر الأخطاء والقصور التي شابت الممارسة الحزبية، وتعيد الاعتبار إلى الايدولوجيا والسياسة والأخلاق في الحياة الحزبية، وتسترجع أفضل ما في التراث النظري التنظيمي الاشتراكي ليحتل مكانته كمرجعية في الحياة الحزبية الداخلية.
كما تدعو إلى الإقرار بتعددية التيارات داخل الحزب، بل تعتبره المدخل الضروري الآني لإطلاق دينامية حزبية جديدة تقوم على التنافس الفكري والبرنامجي بدل التموقعات الشخصية الحلقية والشكلية الحالية. ومن المهم التأكيد، أن هذه الورقة ليست سوى ورقة تمهيدية للمناقشة الجماعية، وهي بهذا المعنى أرضية لنقاش ديمقراطي واسع. والأمل أن يبقى النقاش مفتوحاً حتى نتمكن من إعادة بناء تصوراتنا ووسائل عملنا لتأخذ بعين الاعتبار كل المستجدات ومواطن القصور والضعف والخلل في التجارب الحزبية الوطنية، والقفز بتصوراتنا السياسية إلى ما هو جدير باستحقاقات المرحلة ورهاناتها.
ونحن إذ نضع بين أيديكم هذه الورقة التي هي تعبير عن قناعة مجموعة من المناضلين للمناقشة والتداول ، فإننا ننتظر آرائكم وانتقاداتكم واقتراحاتكم.
ربما تجمع هذه الأسئلة الكبرى كافة القضايا المتداولة في الجدل السياسي الجاري. ومع ذلك، فالورقة الحالية لن تستطيع الإحاطة بها جميعا، ولا الاستفاضة في كل محتوياتها وجوانبها المختلفة. وإنما سنكتفي بالإشارات المقتضبة لما نعتبره أساسيا فيها، آملين أن نعيد طرح الموضوع، بعد المناقشة الجماعية، في مشروع آخر أكثر شمولا وتفصيلا وعمقاً.
نحو مراجعة نقدية شاملة
ورقة تمهيدية للمناقشة الجماعية
أوشكت المرحلة الجارية في "الانتقال الديمقراطي" على الأفول، وأضحت سماتها العامة، الإيجابية والسلبية، على قدر من الوضوح والاستقرار. وبات من الضروري، استعداداً للمرحلة القادمة، القيام بمراجعة نقدية شاملة لما تم إنجازه، ولما قصرت عليه، استخلاصا لما يمكن استخلاصه للمستقبل..
ليس أهداف هذه الورقة الاستجابة الموسعة والمتكاملة لهذا التطلع. وإنما الغاية منها، فتح أبواب هذه المناقشة الجماعية، والبدء فيها، والانخراط الجماعي في كل قضاياها المذكورة، والمتروكة. ولذلك، سنقتصر على الأسئلة التالية:
ماهي العوائق الأساسية التي طبعت هذه المرحلة؟
- وماهي أسبابها وتعليلاتها؟
وماهي الآفاق الممكنة القادمة؟
أولا- العوائق الأساسية
بداهة، إن سؤال العوائق، يتضمن في البدء أسئلة أخرى سابقة عليه ومؤسسة له. ومنها على وجه الخصوص: هل كان اختيارنا لما أسميناه ب"مرحلة الانتقال الديمقراطي" وب"منهجية التوافق الوطني"، وما ترتب عنهما من تصويت إيجابي لصالح دستور 96، ثم مشاركة القوى الديمقراطية في حكومة التناوب التوافقي وبعدها المشاركة في الحكومتين التاليتين... هل كان هذا الخيار صائبا وضروريا؟
بدون العودة إلى أدبياتنا، وأدبيات القوى الديمقراطية التي تموقعت في هذا الاختيار، والتي عللت وشرحت معانيه وظروفه وملابساته، فإننا مازلنا على قناعة تامة بصوابية هذا الاختيار بمفاهيمه المؤطرة له وبالخطوات المترتبة عنه.
وذلك في ضوء الحيثيات التالية:
إن تصورنا للانتقال الديمقراطي، كان ولايزال، تصوراً تاريخيا وجدليا. تاريخيا، من حيث إنه لا يقتصر على مطلب نزاهة الانتخابات، ولا على تناوب حكومي منقوص السيادة، إن صح التعبير. ولا على نمو لا يغير في الهياكل الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية، ولا يؤسس لفوز الديمقراطية واستقرارها. إن تصورنا، كان ولايزال يبتغي الوصول إلى، مؤسسات منتخبة نزيهة وذات مصداقية، وحكومة قوية وذات سيادة سياسية، ونمو يضمن الديمقراطية الاجتماعية والحداثة الثقافية. وهي كلها مهام لازالت في جلها أمامنا لا وراءنا. وجدليا، من حيث أن الانتقال الديمقراطي هو سيرورة مركبة ومتناقضة لا تنمو مركباتها على وتيرة واحدة، فمنها ما يتقدم، ومنها ما قد يسير ببطء أو يتراجع، كل بحسب موازين قوى المجتمع كافة، وفي هذا المجال أو ذاك..
إن منهجية التوافق مع المؤسسة الملكية بوجه خاص، هي المنهجية الأمثل لإنجاز مهام الانتقال الديمقراطي في أفضل الشروط. فلقد دلت التجربة التاريخية على الصراع بين قوى التقدم والمؤسسة الملكية، في ظل شروط مجتمع متأخرلم يفض إلا إلى المآزق الدائمة لكل الوطن. فالحاجة كانت ومازالت ماسة وقوية لما يمكن أن تضطلع به المؤسسة الملكية (الدولة) من أدوار ريادية في سيرورة التقدم المجتمعي..
هذا على صعيد الاختيار الاستراتيجي العام. أما على الصعيد العملي، فيمكن القول وبدون مبالغة، إن المغرب قد شهد خلال هذه المرحلة حركية إصلاحية شاملة، غير مسبوقة في الماضي، لم تستثن قطاعاً، ولا تركت قضية، لم تطلها يد الاصلاح، بهذا القدر أو ذاك. إن المغرب اليوم، هو بلا جدال، غير مغرب الماضي الراكد في أكثر من جانب والمأزوم سياسيا على الدوام. وخاصة إن هو استدرك مكامن العطب التي تعيق انتقاله الديمقراطي الجاري..
وبدون أن نثقل هذه الورقة بما كتب مراراً عن منجزات هذه المرحلة في وثائق حزبية وفي دراسات ومقالات مختلفة، فإننا سننتقل فوراً إلى العائقين الرئيسين التاليين:
- هشاشة التنمية البشرية؛
وهشاشة المجتمع السياسي.
أ- هشاشة التنمية البشرية
نلفت النظر، إلى أننا نأخذ "التنمية البشرية" هنا بمنظور أوسع وأشمل من المؤشرات الرقمية التي تستعملها المؤسسات الدولية في هذا الشأن. فنحن ننظر من خلالها إلى كل النشاط الذي تقوم به الدولة في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وهي في نفس الآن البوصلة التي نسترشد بها في وضع برنامجنا الإصلاحي المتميز والمستقل، إنسجاما في ذلك مع هويتنا الاشتراكية..
وهكذا، لقد كان على حكومة التوافق في أولى خطواتها أن تخطط الوقف التدهور الذي وجدت عليه الاقتصاد الوطني، وأن تضبط في هذا الاتجاه التوازنات الماكرو-اقتصادية، وأن تقلص المديونية الخارجية التي أنهكت مستحقاتها موارد الدولة، وأن تنقذ العديد من المؤسسات العمومية من حافة الإفلاس، وأن تقرر في البيئة التشريعية المناسبة لتشجيع الاستثمار. وتضع في أولوياتها تحقيق نمو اقتصادي أدنى يستجيب لمتطلبات سوق الشغل... كل هذه الإجراءات وغيرها أنجزت فيها حكومات الإصلاح المتتالية خطوات هامة، في الوقت الذي لم تهمل فيه التطرق المباشر للخصاصات الاجتماعية سواء بتحسين الأجور لبعض الفئات الاجتماعية، أو بتحسين مداخيلها بطرق غير مباشرة، وسواء بوضع مشاريع تحفيزية للتشغيل. وبرفع ميزانيات القطاعات الاجتماعية، وبالاهتمام بالتعليم ومحاربة الأمية، وبإقرار مشروع التغطية الصحية الإلزامية وتقديم المساعدات الطبية لعديمي الدخل.. وأخيرا وليس آخراً، بالشروع في إنجاز مخطط إرادي موازي الذي حمل إسم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والذي استهدف المناطق الأشد فقراً... وبالرغم من كل الجهود، وبالرغم من أن التنمية البشرية أضحت هاجسا حاضراً لدى حكومات الاصلاح خلال هذا العقد الأخير، إلا أن المردودية العامة لازالت هشة وضعيفة، بحيث يتعذر علينا القول: أن الفروقات الاجتماعية قد أحدث فيها تحول ما يقلص تفاقمها، إن لم يكن العكس هو الصحيح..
ومع كل التشديد على ضخامة الخصاصات الاجتماعية التي تراكمت مضاعفاتها خلال الخمسين سنة الماضية، أمام هزالة الموارد وضعف الاقتصاد الوطني المنتج، ومع وعينا بمواطن الضعف وقصور المعالجات خاصة في ميدان التنمية السياسية (حالة التراجع الواقعة في الحياة السياسية عامة)، وفي ميدان التنمية الثقافية (غموض السياسة اللغوية على سبيل المثال)، وفي استمرار اقتصاد الريع وتضخم آفات الرشوة والفساد بكل أشكاله في كل بنيان المجتمع... فإن الذي يهمنا في هذه العجالةليس اكثر من التأكيد على الاستخلاص التالي: لقد شكلت هشاشة "التنمية البشرية" العائق الأكبر في تعثر الانتقال الديمقراطي وبُطئه. ولأن التنمية البشرية تحتاج لأمد طويل بسبب عمق الاختلالات البنيوية الموروثة، فإن هذا الواقع يمد "القوى اليمينية والتقليدية بهامش واسع للمناورة الديماغوجية، ويمنحها إمكانيات اجتماعية كبرى لتجديد هيمنتها وعلاقاتها التقليدية..
ب) هشاشة "المجتمع السياسي"
بقراءة لتاريخ الصراع السياسي في بلدنا منذ أواسط الستينات، يمكن الوقوف على الظاهرة التالية: لقد اتجه التطور الشعبي-الجماهيري للقوى التقدمية في منحنى انحداري انكماشي، رغم أنها استمرت على الدوام ضمير الأمة الحي، ورغم كل التضحيات الكبرى التي قدمتها، ورغم أنها صاحبة الفضل في كل التقدم الديمقراطي الذي تحقق.
لقد تفاقمت هذه الظاهرة، والتي توالت مقدماتها كما أسلفنا، في المرحلة التي تحملت فيها القوى الاشتراكية المسؤولية الحكومية، بينما كان الرهان عكس ذلك، من حيث انه يصبو إلى استعادة الحركة الجماهيرية لنهوضها وزخمها دعما للاصلاح وطموحا نحو الأفضل..
إذن نحن أمام نفس السؤال الإشكالي، سواء عندما كانت القوى التقدمية في المعارضة أو عندما شاركت في الحكومة. والسؤال كان ولايزال هو التالي: لماذا يعجز المجتمع المغربي على تحقيق قفزته الديمقراطية طيلة خمسين سنة ونيف؟ ورغم أنه تميز بوجود قوة سياسية ديمقراطية، تمتعت بحضور فاعل في الحياة السياسية مقارنة له (أي المغرب) مع تجارب أخرى معاقة؟
عند طرح المسألة على هذا المستوى، لابد من النظر إلى الأسباب الموضوعية كأساس، قبل النظر إلى الأسباب الذاتية الخاصة بالقوى الديمقراطية نفسها. ومع ذلك، فليس من الصحيح إعطاء جواب وحيد ومطلق على كل التطور التاريخي للمجتمع المغربي، إذ لابد أن لكل مرحلة إشكالها الخاص الذي ميز انتظام تفاعل تناقضاتها الموضوعية والذاتية مجتمعة، حتى ولو كان من بينها ما يكتسي قدراً من التباث والاستمرارية، كاستمرار الموروث الثقافي التقليدي كعائق في كل المراحل. ولذلك سنكتفي هنا بذكر العوامل التي تفاعلت في ما بينها لإعادة إنتاج ظاهرة القصور المجتمعي الحاصل اليوم.
1- طبيعة التطور الاجتماعي-الديمغرافي المشوه الذي أنتج جملة من الظواهر السكانية والعمرانية والثقافية. من أبرزها، نمو مدن كبرى "مريفة"، واستبداد متزايد لفائض سكاني مهمش أو خارج حلبة الانتاج..
2- تموقع المرحلة الجارية في سياق عولمة متوحشة وذات قطب واحد، قلبت موازين العلاقات الاجتماعية وأدوار الدولة واختيارات الاقتصاد الوطني في مجتمع متأخر لم يكن مؤهلا للانخراط فيها من موقع فاعل ومنتج ومستقل.
3- إنشطار المجتمع المغربي عموديا بين ثقافتين، إحداهما ترتكز على موروث ثقافي ديني وسياسي تقليدي، يطيل العمر الافتراضي للبنيات التقليدية ويعيق الاندماج في العصر. والثانية، ترتكز على ثقافة حديثة معولمة ومقولبة على نمط المجتمع الاستهلاكي الفردوي، يزيد في تفكيك وانحلال القوى الاجتماعية الحديثة والضعيفة أصلا.
4- انتشار منظومة قيم جديدة، تنبني على إندماج بين القيم الفرداوية النفعية الاستهلاكية الوافدة وبين القيم المخزنية التقليدية المبنية هي الأخرى على الاستهلاك البدخي والانتفاع الشخصي، والخلاص الفردوي بكل الوسائل غير القانونية. ولذلك، إنحط الضمير الحي الجمعي، وصار الفساد الذي يضرب بأطنابه في المجتمع المغربي آفة كل تقدم ممكن.
هذه بعض العوامل في عناوينها العريضة التي تفسر هشاشة المجتمع السياسي، ودون أن ننسى سياسة القمع الممنهج والإفساد السياسي الذي مارسته الدولة خلال عقود متتالية. وليس عسيراً أن نفطن إلى كيف أن القوى الديمقراطية واجهت في هذه المرحلة تحولات مجتمعية لم تكن مهيأة لاستقبالها، ومنها على وجه الخصوص، تلك التحولات الثقافية القيمية، والتي لم تكن القوى الاششتراكية مسلحة ايديولوجيا لخوض معاركها.
ولا يغير من هذا الواقع المجتمعي الهش ما نراه من تضخم لهيئات المجتمع المدني، فعدا الاختزال الإفقاري لمفهوم المجتمع المدني كما هو في المصطلح المعمول به اليوم، فإن المفارقة التالية، بين تضخم الهيئات المدنية غير الحكومية، وبين التراجع الواضح في الاهتمام بالشأن العام، تبين في النهاية أن هذا الذي قيل فيه "المجتمع المدني" لم يرق بعد إلى أن يكون كذلك .
ثانيا: الآفاق الممكنة:
سنغالط أنفسنا إن نحن اعتبرنا أن تذليل كل حمولات العائقين السابقين من مهام القوى الديمقراطية لوحدها. ذلك أن الدولة-السلطة في مجتمع متأخر وفي راهن سياسي هش، تلعب أدواراً مضاعفة لما قامت به في المجتمعات التي كانت بنيويا مفتوحة على التقدم "المنسجم" و"المنتظم". وهي بهذا المعنى إما تسرعه أو تؤخره أو تطيل تعقيداته واستعصاءاته.
ووفق هذه الحقيقة التاريخية، فإن التوافق مع المؤسسة الملكية خيار لا بديل عنه، شريطة ألا يفهم من ذلك ممارسة انتظارية ذيلية، تلقي أو تحجم في الواقع العملي مسؤولية وأدوار القوى الديمقراطية واستقلاليتها في التعبير عن مصالح القوى الاجتماعية التي تمثلها، فضلا عن المصلحة الوطنية العليا. وبالرغم من العوائق المجتمعية القائمة، فلا أحد يستطيع أن يتكهن مسبقا بالتفاعلات التي من شأنها أن تستنهض الحركة الجماهيرية وتخرجها من عزوفها الراهن. ولا خيار للقوى الديمقراطية في هذا الوضع المحجوز سوى خيار الممارسة الجماهيرية، فهي وحدها الكفيلة بالخروج من المأزق الحالي.
وتبرز الحاجة الاستراتيجية لدور المؤسسة الملكية بوجه خاص في القضيتين التاليتين: تسريع وثيرة الإصلاح السياسي-الدستوري من جهة، والإصلاح الديني واللغوي من جهة ثانية، لما لهذين القضيتين من ارتباط عضوي بالهوية الوطنية وبالبعد الحضاري وكل قضايا التنمية المستدامة. ولما للمؤسسة الملكية من مخزون تاريخي وشعبي يؤهلها في أن تضطلع بدور حاسم فيهما.
ولأننا سنفرد ورقة خاصة بالإصلاح الديني واللغوي، فإننا سنتطرق هنا للإصلاح السياسي-الدستوري في جانب أساسي منه، ثم سننتقل على التوالي لطرح مجموعة من القضايا التي تخص إعادة تأهيل القوى اليسارية.
-الإصلاح السياسي/الدستوري:1
من الخطأ الجسيم أن نعتبر تدني نسبة المشاركة في العمليات الانتخابية، أو ظاهرة العزوف السياسي عامة، مجرد حالة عادية كالتي تقع بين حين وآخر في البلدان المتقدمة. ذلك لأن السياق التاريخي ليس هو نفس السياق. فنحن مازلنا في مرحلة الانتقال الديمقراطي الجامع في آن واحد وبشكل مكثف ومتداخل بين مهام النهضة والتحرر الثقافي، والحداثة وبناء دولة الحق والقانون في مجتمع ديمقراطي، والمعاصرة المرتكزة على مجتمع المعرفة والتكنولوجيا الرفيعة. وهي مهام تعاقبت وقضت فيها الأمم الأخرى المتقدمة مراحل تاريخية مديدة. والأدهى من ذلك، فالعزوف السياسي وعدم المشاركة واللامبالاة يفسح المجال لدينا، في واقع التأخر المجتمعي، للوبيات المصالح الشخصية ليعيثوا فساداً في المؤسسات المنتخبة وفي المصالح العامة التي يؤتمنون عليها، مما يفقد المؤسسات والدولة معا مصداقيتهما. وبدل أن تكون الانتخابات والمؤسسات وسيلة للارتقاء الديمقراطي، تغدو آلية من آليات تعطيله.وهذا فرق جوهري ميداني بين الحالتين عندنا ولدى الآخرين.
وبدون العودة إلى المجهودات التي بذلت في هذه المرحلة الانتقالية في الميدان السياسي عامة، كالمفهوم الجديد للسلطة الذي استهدف إعطاء الأولوية للتنمية لدى السلطات المحلية بدل الأولوية الأمنية القهرية. وقانون الأحزاب الذي أرسى قواعد تعامل قانونية واضحة بينها و بين الدولة، كما وضع علاقاتها الحزبية الداخلية على محك الشفافية، وتقنين إشراك المرأة في المؤسسات المنتخبة وغيرها من الإصلاحات الأخرى كضمان قدر هام ومتقدم في نزاهة الانتخابات والحريات العامة على غير العهود السابقة، فإن من عوامل تزمين تقهقر الحياة السياسية وتفشي ظاهرة العزوف السياسي، السقف الدستوري الواطي الذي لا يفسح المجال لمباراة برنامجية حزبية كاملة في تسيير شؤون الدولة. إن الوضع الدستوري الذي عليه الحكومة من حيث صلاحياتُها ومسؤولياتها على الجهاز الإداري وعلى العديد من المؤسسات، مبتور في النص والعمل..
نحن إذن بجاحة ماسة إلى دستور جديد، يأخذ العبرة من التجربة الدستورية الحالية، ويستهدف الرقي بالتوافق الجاري إلى وضع مؤسسي ديمقراطي أكثر نجاعة وعصرنة. و يأتي في مقدمة هذه التغييرات المطلوبة، منح الحكومة كهيئة دستورية مستقلة كامل صلاحياتها في أن تحدد "السياسة العامة للدولة وتديرها" كما ورد في مذكرة الكتلة لسنة 1996. وكذلك، بمنح مجلس الحكومة حق اقتراح التعيين في الوظائف المدنية السامية، وحق إعفاء الوزراء من طرف الوزير الأول..
إن الإشكالية الدستورية بوجه عام، أننا مازلنا بحاجة إلى دور دستوري قوي للمؤسسة الملكية، ولكننا أيضا بحاجة لدور دستوري قوي لحكومة ذات شخصية سياسية مستقلة ومتضامنة، ويمكن محاسبتها، شعبيا ومؤسساتيا، على أفعالها الحقيقية لا المجازية. ونعتقد أن هذه الإشكالية قابلة للحل دستوريا وسياسيا وعمليا.
إن الطرح الدستوري الذي نقدمه لا يتقيد بموازين القوى التقليدية، كما جرت العادة في الماضي، ولكنه يتطلع إلى حساب المصلحة الوطنية العليا، والتي أمست في حاجة إلى توافق جديد يخرج البلاد من مآزقها السياسية المتجددة، والتي تعوق انتقاله الديمقراطي، وسترتد وبالا في المدى المتوسط أو البعيد على الأحزاب والنظام والمجتمع جميعاً.
نعم للجهوية المتقدمة، ونعم للاتمركز، ونعم للمفهوم الجديد للسلطة... لكن، لا هذه ولا تلك يمكنها أن تثمر كل أغراضها، وأن تنقد مصداقية المؤسسات والدولة والأحزاب، إلا في ظل دستور جديد يحقق طفرة حقيقية في حياتنا السياسية.
- المعارضة أو المشاركة:2
هل من الجائز مناقشة هذا الموضوع قبل أوانه؟ قد يكون في ذلك بعض الفائدة. ولكن في غير "كل الضرورة" وبالتالي كل الفائدة. ذلك أن الوقت الضروري لمناقشة هذا الموضوع، سيكون حتما حين انتهاء الانتخابات التشريعية القادمة، وحين إفصاحها عن توزيع القوى الانتخابي وعن الوضع السياسي والدستوري المصاحب لها. أما قبل هذا الأوان، فإن الدعوة للانسحاب الفوري من الحكومة القائمة، مضرة سياسيا وتشويشية عمليا. لأن لا قضية ساخنة حدث فيها خلاف حكومي يهم الرأي العام، ولأن بعض الإصلاحات الحساسة لديه بالكاد وضعت على الطاولة، ومنها إصلاح القضاء ومواجهة تداعيات الأزمة العالمية على الاقتصاد الوطني والحوار الاجتماعي.. وقضايا أخرى ذات شأن وطني كبير ومن بينها البرنامج الاستعجالي في ميدان التعليم..
ولذلك، فالنتيجة الوحيدة المترتبة عن هذا الموقف المتسرع والفاقد للجاذبية لدى الرأي العام، والمشبوه في مصداقيته، لأنه سيبدو وكأنه هروب من المسؤولية في مناورة انتخابوية لا أكثر ولا أقل، إحداث خصومة قد تصل إلى قطيعة مع الحلفاء، وبث أجواء سياسية مسمومة لا تتلاءم مع الرغبة في إحداث توافق دستوري متقدم.
ومع ذلك هناك "بعض الفائدة" في هذه المناقشة من جانب أنها فرصة للتأكيد على رؤيتنا في المبدئين التاليين:
أولا: أننا سنكون بالضرورة مع المشاركة في أية حكومة قادمة شرط أن تكون منسجمة ومتضامنة وذات برنامج سياسي واضح، ولها صلاحيات فعلية لتنفيذه، وتعكس ميزان قوى انتخابي حقيقي لصالح قوى التقدم..
ثانيا: وفي الوضعين، المعارضة أو المشاركة، إن فرضت الضرورة السياسية أيا منهما، فإن مركز الثقل في العمل الحزبي اليساري ينبغي أن يتوجه إلى إصلاح الأوضاع الذاتية جذريا، وبما يستهدف استنهاض المشاركة الشعبية وإعادة الارتباط بها. لكي لا تتكرر مآسي كل التجارب الحكومية السالفة... بل و اخطاء التجارب النضالية السابقة عامة..
3 - وحدة اليسار الاشتراكي والتحالفات:
ما من فصيل يساري إلا ويدعو إلى وحدة اليسار الاشتراكي. لكن حقيقة الممارسة الفعلية، أنها جميعا متشبتة وحريصة على كياناتها المستقلة بشتى الذرائع والتبريرات، إما لخصوصية تاريخية مازالت تعتقد في جذواها. وإما لخلافات سياسية لبعضها مع ما سمته "اليسار الحكومي". وإما لحكم مسبق على فشل أية وحدة اندماجية، وعلى خلفية أن التعددية اليسارية في حد ذاتها واقع تاريخي إيجابي وضروري ..
وعلى النقيض من هذه الذرائع والتبريرات، وبدون الدخول في تفاصيل تقييماتنا عن كل فصيل، فإننا ندعو لتصور وحدوي جذري وفوري، يفضي إلى الوحدة الاندماجية في حزب اشتراكي واحد وموحد... وبناء على الحيثيات التالية:
أولا: إن انتقال مركز الثقل في الصراع السياسي إلى المؤسسات المنتخبة، يعري في هذا المجرى الموضوعي للتطور الديمقراطي، ويكشف، عن أزمة الوجود والمصير التي تعاني منها وتتخبط فيها معظم الفصائل اليسارية. فلا واحدة منها تستطيع مغالبة مستحقاته الجماهيرية، ولا الوقوف أمام تحدياته وأمام ترسانة اليمين ونفوذه..
صحيح، أن المؤسسات المنتخبة لا تحظى بعد بثقة الجماهير الشعبية العريضة، لكن ذلك لا ينفي عنها أنها باتت هي مركز الصراع السياسي والتنافس الجماهيري الحزبي..
ثانيا: ليس لأي من الفصائل اليسارية الجديدة كيانيه تاريخية صلبة قد تعيق سهولة اندماجها في حزب اشتراكي موحد. فعدا أن بعضها لم تكن دوافعه في الوجود خلافات سياسية أو إيديولوجية واضحة، وعدا أن أغلبيتها من أصول اتحادية، فإن حزب التقدم والاشتراكية يبقى هو الاستثناء الوحيد بعتاقته والذي لايزال له بعض '' الموروث التاريخي''بهذا الشأن. ومع ذلك، فالأوضاع التاريخية لكيانه المستقل قد تغيرت في الملموس وفي القناعة. وكذلك الجيل الواسع لمنتسبيه قد تغير. ولنا في ترشيحاته وممثليه في المؤسسات المنتخبة ما يغنينا عن كل التفاصيل .
ثالثا: ليس المهم الخلافات السياسية في حد ذاتها، بل الأكثر أهمية أن يكون لهذه الخلافات قوة شعبية تستقبلها وتتبنى شعاراتها واختياراتها. أما حينما يكون المجتمع يعاني من تأخر وإعاقة مديدة في انتقاله الديمقراطي، فإن التعددية اليسارية تكون مضرة وهدرا لطاقات اليسار، بل هي دليل مرض في المجتمع وفيه. وفي هذه الحال، فإن الوحدة الاندماجية، والعمل على كسب الأغلبية داخل الحزب الموحَّد، سيكون هو الطريق الأمثل لاستنهاض الحركة الجماهيرية ولكسب الأغلبية الشعبية مستقبلا.
رابعا: ثمة إمكانية فعلية لوضع أرضية سياسية وإيديولوجية وتنظيمية موحَّدة في قواسم مشتركة، تقبل بها أغلب فصائل اليسار في حالة القيام بمراجعة نقدية شاملة وجماعية وناظرة للمستقبل بكل تعقيداته وتحدياته. أرضية قادرة على تجاوز العديد من الخلافات الراهنة، وعلى مد اليسار بقوة جماهيرية أوسع وأداة حزبية أكثر فعالية ومتانة سياسية.
- الكتلة الديموقراطية:4
أما على مستوى التحالفات، فإن التشوش والاضطراب قد بلغا ذروتهما في الفترة الأخيرة، ولذلك يهمنا أن نؤكد على الموقفين التاليين:
أولا: ما من تغير نوعي يدعونا إلى إعادة النظر في الكتلة الديمقراطية. فحزب الاستقلال لازال هو حزب الاستقلال في رؤيته ومنهجيته ومبادئه وسلوكاته. والتغيرات النسبية التي حدثت في قواعده الاجتماعية وأطره وقياداته هي في حكم ما يجري في مختلف الأحزاب الديمقراطية الأخرى. أما الظواهر الشخصية الغارقة في النفعية، فهي ظواهر قديمة لا يمكن بعد القياس عليها لوحدها .
ثم، إن برنامج الكتلة الديمقراطية الذي سطرته في مجموعة من الوثائق مازال قائما، ولم يستنفذ بعد كل أغراضه، لا في المجال السياسي والدستوري ولا في المجالات الأخرى.
والمشكلة الحقيقية في نظرنا، أن أيا من أحزاب الكتلة لم يمارس اتجاه حليفيه الآخرين سياسة كتلوية فعلية ونشطة ومبادرة. بل كان الحذر والتنافسات الضيقة العقلية السائدة داخل الكتلة ولاسيما بين الطرفين الرئيسيين فيها: حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي. ولذلك، غابت الكتلة عمليا، وانعدمت مبادراتها السياسية والجماهيرية، وانطفأ حتى ذاك البصيص المعنوي الذي كانت تثيره لدى مكوناتها. فكيف يجوز لنا إذن أن نحكم على خيار لم يمارس في الواقع، بل تمَّ وأده في حينه. بينما تُبين التجربة، أنه عندما كانت الإرادة السياسية الكتلوية متوفرة عند أولئك القادة التاريخيين وعند الجميع، أنجزت الكتلة وقدمت الشيء الكثير. فمن كان يصدق، بعد الصراعات القديمة، أن حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي سيتوصلان إلى تقديم لائحة مشتركة وموحَّدة في الانتخابات التشريعية لسنة 1993. إن عقلية الوحدة والتحالفات الاستراتيجية تبدو في المشهد السياسي العام لدى اليسار والقوى الديمقراطية، وكأنها عقلية مناقضة في الصميم لشخصيتهم السياسية التجزيئية بالأحرى. وفي هذا الأمر أكثر من دلالة على تدني "النخبة السياسية" في بلدنا .
إن عملا وحدويا أو تحالفيا من هذا القبيل يتطلب الوعي الصاحي بشروط المرحلة، والإرادة الوحدوية القوية، والأفق السياسي الواضح، والنفس الطويل والمثابر، والاستعداد للتنازلات المتبادلة، وبالجملة، فإنه يحتاج إلى التربية الايديولوجية المناسبة..
ولكي تكون الكتلة في مستوى تحديات الانتقال الديمقراطي، بخصوصياته التاريخية التي ألمحنا إليها، عليها أن تعي، أن أشكال العمل الفوقية والوقتية التي تعودت عليها دون غيرها، لم تعد كافية ولا مقنعة في المراحل القادمة. فما لم تكن قواعد الكتلة مقتنعة بجدواها ومشاركة بفعالية في توجهاتها وأنشطتها، وما لم يكن الهم الجماهيري حاضرا على الدوام في كل موقف تتخذه، وفي أشكال العمل التي تنتقيها، فستظل الكتلة معرضة للحسابات الضيقة، وعلى هامش التطلعات الشعبية، وقاصرة على أن تكون التعبير المجتمعي المطلوب .
لكن، ألا نتوقع لأحزاب الكتلة تموقعات سياسية قد تكون متعارضة في المرحلة القادمة؟ قد يحصل ذلك. بل ومن أجل درء هكذا احتمال، والذي سيكون لا محالة إضعافا إضافيا للقوى الديمقراطية، ينبغي التعجيل باستئناف عمل الكتلة والقيام بالمراجعات النقدية الضرورية، واستخراج الخلاصات المشتركة منها، وتقريب التصورات السياسية للمرحلة القادمة. فلا شيء حتمي تفرضه الضرورة الموضوعية الخالصة وحدها، وإنما للإرادة أيضا مكانتها وفاعليتها.
5- الحركات الإسلامية:
ثانيا: من أهم القضايا التي مازالت تثير الكثير من الجدل لدينا وفي الساحة الوطنية والعربية عامة، الموقف الذي ينبغي للاشتراكيين أن يتخذوه من الحركات المنسوبة إلى الإسلام السياسي. ولأننا سنخصص ورقة لموضوع الإصلاح الديني، فإننا سنؤجل التشخيص الدقيق لحمولاتها الإيدلوجية المختلفة إلى ذاك الموقع. وما سنطرحه الآن ليس أكثرمنمنطلقات أولية يتم نسيانها في الغالب في خضم التنافس الساخن الجاري. وهذه المنطلقات الأولية هي:
أولا: لنبدأ بالتذكير التالي، إن الحركة الاسلامية ليست بالحركة الواحدة المتجانسة، لأنها مختلفة المذاهب الطائفية والمشارب الفكرية ومتناقضة التموقعات السياسية ومناهج العمل وأساليبه، عدا تطبع كل منها بخصوصيات تجاربها الوطنية ودرجات التطورالديمقراطي بها. وتشمل هذه التعددية البلد الواحد أيضا ,ولذلك لا يجوز التعميم وإطلاق نفس الحكم الواحد عليها جميعا. والأمر لا يختلف في بلدنا عن هذه القاعدة. إذ لدينا حركة عقيدية هي أقرب إلى "الزاوية" منها إلى حزب سياسي، ومازالت تتموقع سياسيا خارج السيرورة الديمقراطية. ولدينا حركة سياسية براغماتية مندرجة في العملية الديمقراطية وتشكل الايديولوجيا لديها رديفا مكملا وتابعا لأولوية العمل السياسي. وهي تنهل بوجه عام من أدبيات ما يسمى "بالإسلام الوسطي". ولدينا تنظيمات ناشئة أكثر انفتاحاً وتحرراً ايدلوجيا وسياسيا، وإن كان موقف السلطة منها مازال متعثراً ومتردداً وغامضا. ولدينا أخيراً، "المجموعات الجهادية" المستنسخة لفكر القاعدة وأساليبها. وأما مهذا الوضع المتعدد الألوان، فإن تعاطينا مع هذا الفريق أو ذاك يختلف قوميا ووطنيا بحسب إقتراب كل منها من رؤيتنا السياسية وانفتاح كل منها ايديولوجيا على التقدم الفكري. إن شعار "ليس في القنافد أملس" شعار مضلل واستعدائي وكارثي على مستوى الممارسة العملية.
ثانيا: ينبغي ألا يغيب عنا، من جهة، أن حركات الإسلام السياسي قابلة، للتطور في جميع الاتجاهات، كأي حركة اجتماعية سياسية أخرى، تبعا لمستوى تطور التناقضات الاجتماعية والثقافية والسياسية في البلد المعني. إن الحكم عليها الإجمالي بالجمود المطلق في نفس مواقعها، حكم غير متبصر وغير واقعي. قد تكون وثيرة التطور بطيئة، بحكم طبيعة المعتقد الحاملة له، وبحكم التحصن الدفاعي الذي تمر منه اتجاه اكتساح الحداثة آخر معاقلها الدفاعية "الأسرة على سبيل المثال" وما تعتبره ثوابت أخلاقية بوجه عام، وبحكم حالة الإذلال القهري الامبريالي-الاستعماري الذي مازالت تعاني منه الأمة العربية والشعوب الإسلامية دون غيرها... إلا أن كل ذلك لا يستثني الحركات الإسلامية من سنة الحياة، وقانونها العام في التطور تبعا لتطور المجتمع ككل.
ومن جهة ثانية، وكيفما كان الدور الذي لعبته السلطات الحاكمة في تشجيع الحركات الاسلامية لكبح المد اليساري الماركسي والقومي، فهي مع ذلك حركات اجتماعية شعبية لها جذورها في التربة الوطنية .
إن الإشارة لهذا الجانب، على غير النظرة "المؤامراتية السطحية" قد يفيدنا أيضا في رؤية الوجه الآخر الخلفي لهذه الظاهرة. فإذا كان من مصادر قوتها الشعبية، أنها استثمرت الموروث الثقافي الديني في تموقعها الاحتجاجي المعارض بوجه عام للأنظمة القائمة، ولو بالصيغة الايدلوجية المحافظة، فإن من مصادر ضعف القوى الحداثية، أنها أهملت هذا الموروث الثقافي كلية، أو أنها تحاشت الخوض فيه ولا تملك عنه سوى أجوبة شكلية فارغة المضمون، ولذلك لم تستطع أن تبيئ وتوطن و"تعرب" حداثتها، كما عجزت من قبل على تبييئ وتوطين وتعريب ماركسيتها أو اشتراكيتها.
ثالثا: إن مطلب فصل الدين عن السياسة هكذا بإطلاق، مطلب غير واقعي وغير تاريخي بالمرة. عدا أنه تحريف لمفهوم العَلمانية بحد ذاته والذي لا يطالب أكثر من فصل الدين عن الدولة و فصل الدولة عن الدين. ليس الدين مجرد علاقة فردية مع الله، تُختزل في تمارين دائمة لشعائر ثابتة، يقوم به الفرد لضمان خلاصه في الآخرة. بل هو في الواقع التاريخي أكثر من ذلك، إنه -أيضا- رابطة روحية وثقافية وأخلاقية واجتماعية لمساعي فردية ومجتمعية دنيوية. ويشتد لحامه (أي الدين) والحاجة إليه، كلما كانت الروابط الاجتماعية الأخرى ضعيفة أو تمر من حالة أزمة. فهو الملجأ الواقي، والتعويض اللاحم لضعف تاريخي أو مرحلي للروابط المجتمعية الأخرى. فالارتباط إذن بين الدين وشؤون الدنيا صميمي ومتغير. ومن ثمة، فالعلمانية في هذه الحال ليست مجرد إجراء قانوني دستوري، وإنما هي حصيلة لحرث ثقافي تصير معه الثقافة الدينية السائدة قابلة للتطور ومطابقة لحاجيات العصر، وتكون العلاقات المجتمعية الأخرى مواكبة وعلى قدر مناسب وداعم لهذا التقدم.
غاية القول، ليس "المرجعية الإسلامية" التي تتشبث بها الحركات الإسلامية هي موطن الخلاف، فكل الأحزاب الديمقراطية تمتح بهذا القدر أو ذاك من نفس المرجعية، وإنما الخلاف في التأويلات السياسية والفكرية المستخلصة منها والموضوعة كخيارات نهائية للمجتمع.
لقد أعطت الحركات الاسلامية الأولية المطلقة للحركية السياسية على حساب التجديد الفكري والايديولوجي. فكان انخراط بعضها أو جلها في العملية الديمقراطية مشوها ومبتوراً ومتناقض النتائج، تقدم نسبي سياسي من جهة ومحافظة اجتماعية وتلفيقية فكرية من جهة ثانية، والأنكى من ذلك، روح المداهنة الشعبوية لأشد مظاهر الموروث رجعية وتخلفا في سبيل كسب سياسوي عاجل. ولعل في هذا الانشغال السياسوي الشعبوي ما يفسر كيف بقيت الحركات الاسلامية تحت القبضة الثقافية لمفكرين إسلاميين تقليدانيين، وبعيدة كل البعد عن تأثيرات اجتهادات المفكرين الإسلاميين الحداثيين وهم الأولى والأحرى.
رابعا: لكل تلك المقدمات السابقة، فإن موقفنا الذي يسعى إلى أن يستوعب كل الشروط الموضوعية والذاتية، التاريخية والمرحلية، والذي يحاول أن يُكوِّن صورة متكاملة عن حركات "الاسلام السياسي" في أوضاعها المختلفة ودينامياته المتناقضة...
إن موقفنا هذا لن يكون بالتالي حكما عليها بالجملة، ولا حكما نمطيا ذا اتجاه واحد، بل سيتعاطى مع كل حالة خصوصية بالقدر الذي تقترب فيه من قناعاتنا الحداثية ومن خياراتنا السياسية، سواء بالنقد لما يخالف هذه القناعات والاختيارات، أو بالتعاون والمساندة لما يتفق معها. أو بالإدانة الكلية لمن يكون على نقيض الخيار الديمقراطي جذريا
إن هذا السلوك لا يلغي في النهاية واجبنا الديمقراطي في الدفاع عن حقوق أي منها إذا ما تعرض لجور أو تظلم أو عسف لا يجيزه القانون ومبادئ حقوق الإنسان كيفما اختلفنا سياسيا أو فكريا.
وفوق هذا وذاك، أو مع هذا وذاك، فإننا نضع من هواجسنا واهتماماتنا، أن نجاح الحداثة الفكرية و الايدلوجية الاشتراكية، لا يستقيم إلا مع وصلهما الاستيعابي والنقدي مع تراثنا الثقافي الديني، وإلا ظلت الحداثة والاشتراكية على حالهما دعوة برانية ونخبوية معزولة وعاجزة على الفعل والقيادة والسيادة.
-الايديولوجيا:6
بعد إنهيار ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي، لم يعد لمفهوم الايديولوجيا في التداول الفكري إلا طابعا سلبيا محضا، وبما يدل على كل أشكال الوعي الزائفة والمناقضة للعلم.
نحن لا نتقيد بهذا الاختيار السائد لاحتراسات عديدة، منها، أن الهجوم المركز على "الايديولوجيا" موجه بالدرجة الأولى لخصي الفكر من غاياته الإنسانية المثلى. وهو بالتالي يضرب في الصميم الايديولوجيا الاشتراكية، كفكر وكفلسفة وتصورات اقتصادية واجتماعية وغايات تحررية إنسانية جذرية. مشجعا في مقابل ذلك نزعة وضعانية براغماتية، وعقلانية أداتية، بلا بعد تاريخي ولا أفق إنساني تحرري شامل وجذري، و بقصد أن يظل الانسان في النهاية عبداً ذليلا لمنتوجاته واختراعاته وللنظام الرأسمالي العالمي. وبديهي أننا لا نعمم هذا الاستنتاج على كل الكتابات النقدية في هذا الشأن. فالمفهوم الاشتراكي للايديولوجيا لا يسقط كل جوانب الزيف فيها، وإنما يشدد على مضامينها الاجتماعية وعلى مدى مطابقتها الفعلية لشرط التقدم وللتحرر الانساني الشامل. والسؤال الذي يطرح نفسه علينا هو التالي: إذا كان في المجتمعات المتقدمة ما يبرر، أو ما يفسر بالأصح، تراجع الايديولوجيا لديها، فهل مجتمعاتنا العربية-الاسلامية في نفس الوضع التاريخي، العلمي والثقافي، والإنتاجي.. بينما هي مجتمعات مستهلكة في كل تلك المجالات، وذات تراث ثقافي ماضوي مثقل على حاضرها، وتواجه اليوم مهاماً متداخلة ومكثفة نهضوية وحداثية ومعاصرة(؟) إن جوابنا سيكون بالقطع في أن مجتمعاتنا مازالت مجتمعات ايديولوجية... وهي في حاجة إلى ايديولوجية مطابقة لمتطلباتها التاريخية. ودليلنا على ذلك، حتى ولو كان إثباتنا من نوع الإثبات بالسلب، أن التنظيمات السياسية التي لها تماسك داخلي قوي، وحضور جماهيري يمتد إلى القعر، هي التنظيمات ذات التماسك لايديولوجي، وإن كانت ايديولوجية تقليدانية. بينما ضعفت تلك التي تبنت الحداثة في ظل تفكك وانحلال ايديولوجيتها الاشتراكية، وهي الايديولوجيا الوحيدة المتماسكة والقادرة على مجابهة التقليد بأفق فكري تاريخي واجتماعي مفتوح على النهضة والتقدم.
إشكاليتنا نحن الاشتراكيين المغاربة، أن الايديولوجيا الاشتراكية لدينا لم ترسخ أقدامها بعد برصيد نظري غني ومتين. فما أن بدأت تخطو خطواتها الأولى في المتسع الشعبي، وما أن بدأت تتعمم في أوساط المثقفين، وبالشكل الفقير والبراني الذي عممت به، حتى تسارع الزمن "لغير مصلحتها" مباغتا أياها بانقلابات عالمية في مجال السياسة والفكر والعلم، طرحت عليها أسئلة جديدة لم تألفها من قبل، وهي مازالت تحبو وتتلمس الطريق إلى واقعها الخاص.
ولذلك، لا نجد على امتداد التجربة المغربية إنتاجات نظرية معمقة في الايديولوجيا الاشتراكية، غير ما كان عاماً وشائعا عنها. إضافة لتحاشي الفكر السياسي المغربي التقدمي الخوض في الأسس الفلسفية للاشتراكية مكتفيا منها بالمنهج الاقتصادي مراساً وحيداً له. ولا نجد بالأحرى متابعة لها بعد الزلازل التي عرفها العالم، وفي ضوء التطورات الكيفية الحاصلة في ميادين المعرفة المختلفة. كل شيء يجري في الميدان الفكري والثقافي لدينا، وكأن الاشتراكية لم يعد لها وجود نظري، ولم تعد أفقاً تاريخيا للإنسانية جمعاء، سوى التصريح بها إسما والانتماء إليها رمزاً. ما نود استخلاصه في النهاية، أننا بحاجة إلى إرجاع الاعتبار للايديولوجيا في حياتنا الحزبية، وإلى إغناء وتجديد تفكيرنا الاشتراكي، والانكباب على عملية تثقيف واسعة ودائمة لأطرنا وقواعدنا الحزبية. وهذا لن يتأتى على أحسن وجه إلا من خلال القيام بمراجعة جماعية فكرية للتراث الاشتراكي بكل تفرعاته، قديمه وجديده. ومن خلال إعادة ربط الصلة العضوية بين الحداثة وبين المشروع الاشتراكي، وكذلك بإيجاد صلات الوصل بين الايديولوجيا الاشتراكية وثراتنا الحضاري التقدمي.
إن هذا المجهود النظري-التثقيفي الذي نطمح له لا يمكن أن يجد البيئة المناسبة لإنجازه سوى إذا استطعنا أن نشرك المثقفين، ونسترجع معهم أدوارهم وحضورهم الفاعل في الحياة السياسية عامة، وفي المشروع المجتمعي الاشتراكي بوجه خاص.
7 -البرنامج المجتمعي النهضوي:
تعتبر هذه القضية من أهم المراجعات التي نصبو إليها. ذلك أن من أسباب التراجع في التعاطف الشعبي مع حكومات الانتقال الديمقراطي، غياب مثل هذا البرنامج لدى الأحزاب الديمقراطية والاشتراكية، وبالتالي، انسحابها الشبه كلي من الميدان المجتمعي، و استغراقها في انتظارية ذيلية للعمل الحكومي..
إن المشاركة في حكومة التوافق، وفي ما بعدها، وفي تلك الشروط المؤسساتية والدستورية، وتحالفاتها الحزبية العريضة، وبالتجاوزات التي صاحبتها، وفي أجواء شعبية غير مبالية وقلقة... كل ذلك كان يستوجب على القوى الديمقراطية، وعلى الاتحاد الاشتراكي أساساً، أن يحافظ على استقلاليته النسبية اتجاه جماهيره وقواعده، بل كان هذا الارتباط فريضة مطلقة فوق أي تضامن حكومي وفي كافة الظروف والأحوال. والواقع نفسه يبين، أن بين التضامن الحكومي وبين العمل الجماهيري مسافة، غير متناقضة، وشاسعة، لا يمكن للعمل الحكومي كيفما كان نمطه، أنيلبي احتياجاتها لوحده. وأن أشكال العمل الجماهيري وأساليبه متنوعة بحسب كل ظرف سياسي . لكن الحقيقة أننا كنا أمام جمود تنظيمي حزبي شبه مطلق، مبعثه هو الآخر، أن القوى الاشتراكية دخلت المشاركة الحكومية بلا تحليل معمق لاستراتيجية الانتقال الديمقراطي، ودون تثقيف مسبق لقواعدها وأطرها بما كان ينتظرها من احتمالات وتحديات وما كان الظرف يستدعي منها من استعدادات تكتيكية ومؤهلات جماهيرية حماية للتجربة ودعما لها وتقليلا للخسائر الواردة. إن غياب البرنامج المجتمعي، تحليلا وممارسة، كان من أبرز علائم هذا الجمود. بل قل، كان قصوراً واضحا في الوعي الاستراتيجي وفي الممارسة النضالية .
ولهذا، يصعب علينا أن نستسيغ تعليق كل المعضلة السياسية في ما آلت إليه الأوضاع الجماهيرية والحزبية، إما على المشاركة الحكومية، وإما على طبيعة الدستور الجاري به العمل. بل لا نرى في هذا السلوك الاختزالي سوى شكل من أشكال "الهروب إلى الأمام" للتغطية على مواطن العجز الذاتي العميقة .
نعم، لقد كانت هناك دائما برامج قطاعية أو مناطقية، لكن هذه البرامج على تجزيئيتها وتشتتها وتضارب أولوياتها، وتموضعها على هامش الخط السياسي المرحلي، وفي بيئة تنظيمية سائبة، وفي غياب المتابعة والتثقيف الجماعي بها، لم ترق في الممارسة العملية، قط، إلى مركز الاهتمام اليومي للقيادة أو للقاعدة. ولم تصل قط إلى مستوى المحاسبة والمتابعة الحثيثة والمبدعة. إنها بكل بساطة أوراق موضوعة على الرف .
إن البرنامج المجتمعي الذي نعنيه هو العصب الحي لعمل كل الهيئات القيادية والقاعدية. وهو نهج تعبوي، تنظيمي وسياسي وايديولوجي، متماسك ومتكامل الأهداف. ينطلق من التحليل الموضوعي للتحولات الاجتماعية في كل مرحلة، ومن مطالب وأهداف وأساليب عمل مع كل فئة أو مكون من المكونات المجتمعية. ويجيب على الأسئلة المستقطبة التي طرحتها الممارسة المجتمعية على الحزب في كل مرحلة ولدى كل فئة.
ولأن التراجع في الحياة السياسية العامة هو طابع المرحلة، فإن الهدف المركزي الذي وضعناه للبرنامج المجتمعي المرحلي، نتوخى منه استنهاض القوى الشعبية وإعادة ارتباط القوى الاشتراكية بها. وهذا ما جعلنا نسميه ب"البرنامج المجتمعي النهضوي". وسنعطي الأولوية لهذا الموضوع الحاسم بتفاصيله في ورقة خاصة قادم .
التنظيم: الهيكلة والتيارات:- 8
لا يمكن عزل التنظيم، كهيكلة وأساليب عمل وعلاقات داخلية، عن مجموع النشاط الحزبي، السياسي والايديولوجي والاجتماعي. كما لا يمكن عزله عن المكونات الاجتماعية. التي يتكون منها ويتفاعل معها، ولا عن خصوصيات التطور التاريخي للمجتمع الذي ينتمي إليه.
عندما نطرح المسألة التنظيمية على هذا المستوى من الشمولية لا يبقى التنظيم مجرد إجراءات وآليات تقنية تستجيب لهذه أو تلك من شؤون الممارسة العاجلة. بل يصير في هذه الحالة تصوراً نظريا متكاملا مشتقا من ماهية الحزب ووظيفته التاريخية. ولهذا ترقى المسألة التنظيمية إلى مسألة ثقافية بامتياز.
ولأن التجارب التنظيمية اليسارية مختلفة ومتفاوتة، وإن كانت جميعها شاحبة على هذا المستوى، فإن ما سنقدمه من ملاحظات نقدية عن التجربة التنظيمية يأخذ بعين الاعتبار تجربة الاتحاد الاشتراكي بالدرجة الأولى، وإن تقاطعت إلى هذا الحد أو ذاك مع تجارب اليسار عموماً. خاصة، وأن الاتحاد الاشتراكي يتميز عن غيره، في أنه خرج من أحشاء حركة شعبية عريضة عبر عضويا عن تقدمها أو تراجعها، فصلح أن يكون معياراً للوعي التنظيمي ولإشكالاته لديها.
وبوجه عام، فإن الاتحاد الاشتراكي وغيره من تنظيمات اليسار، يعانون جميعا من ضمور اللاحم الايديولوجي، وما يترتب عن ذلك من تهلهل داخلي، لاسيما بعد أن تراجعت الايديولوجيا الاشتراكية على المستوى الكوني، وفي ظرفية وطنية لم تكن النظرية الاشتراكية بعد قد وطدت أقدامها وتعرفت جيداً على خصوصياتها ومسالكها الوطنية. وزاد الأمر تعقيدا، أن الاهتمام بالشأن الفكري الثقافي تضاءل شأنه وكاد أن ينعدم في الحياة الحزبية الداخلية لكل فصائل اليسار. فلا غرابة إذن في هذا المناخ الفكري المدقع أن تكون البراغمانية السياسية، القصيرة الأمد والفقيرة الفكر، هي السمة البارزة في ايديولوجية اليسار اليوم، ومع ما يصاحب ذلك من تيه ايديولوجي ومن تفشٍ لتموقعات وصراعات شخصية لا لون لها ولا طعم . وانضاف إلى هذه الضآلة الفكرية-الثقافية، وهذا التيه الايديولوجي بوجه عام، أن السياسة نفسها كادت أن تنعدم في الحياة الداخلية وفي الممارسات الحزبية القاعدية. فلا نقاش سياسي منظم حول أية قضية من القضايا الكبرى ولا متابعة للأحداث ولأسئلتها الدائمة، آكانت عالمية أو وطنية أو محلية. وفي هذا الخواء السياسي المزري تقل فرص إنضاج رأي حزبي جماعي عنها، فتتحول السياسة إلى عمل قيادي فوقي وعابر وعلى هامش الحياة الحزبية المشلولة أو الغارقة في التنافسات الشخصية والتي تغدو السياسة لديها، حينئذ، مجرد ذريعة لخدمة تموقعاتها الشخصية. لقد جفف هذا التصحر السياسي، والتلاعب السياسوي، آخر ما تبقى في الحياة الحزبية من معنى وضرورة.
وإذا نظرنا إلى أن الاتحاد الاشتراكي تحمل المسؤولية الحكومية دون خطط حزبية لكيفية إدارة وضعه الجديد مع جماهيريه وقواعده.. وإذا التفتنا إلى أن باقي اليسار المعارض اكتفى هو الآخر بأجوبة اعتراضية مسبقة لا تخلو من التبسيط الشعبوي، فسيتضح لنا لماذا غاب في الممارسة وفي النظر البرنامج المجتمعي الذي يبقى الحزب على صلة وثقى مع جماهيره وقواعده، ولماذا أصيبت جميعا بالشلل والانتظارية، ولماذا طالتها نفس الأمراض المجتمعية التي كان من المفروض أن تحاربها وأن تكون نموذجا نقيضا لها. وحتى وإن كانت هناك بعض الحركة، فهي "حركة بدون بركة" كما يقال.
أما على الصعيد الهيكلي، فمن الواضح أن اليسار بوجه عام (والاتحاد الاشتراكي بوجه خاص)، رغبة منه في التكيف مع ما طرأ على المجتمع من تحولات، ومع أجواء الديمقراطية الناشئة، قد سار قدما وبخطى سريعة وغير متبصرة في الانفتاح الهيكلي على النمط الليبرالي الانتخابوي، غافلا عن أننا مازلنا بعد في مرحلة انتقال ديمقراطي في مجتمع متأخر، ويمر من فترة "فوضى" ايديولوجية وقيمية ومن ركود مؤسساتي سياسي عميق.. لقد أدى هذا الانفتاح الهيكلي على النمط الليبرالي الانتخابوي في نتائجه الملموسة الوحيدة إلى التخلي عن كل ما كان إيجابيا وفعالا في النمط الديمقراطي المركزي، وما كان إيجابيا في منظومته الهيكلية والايديولوجية والأخلاقية والاجتماعية. والنتائج العملية الوحيدة لهذا التخلي المهرول وغير المتبصر لظروفنا التاريخية الملموسة، عضوية سائبة لا محددات لها ولا واجبات عليها في انتمائها للحزب، وعلاقات داخلية لا تفاعل بين هياكلها، ودورة حزبية لا تتحرك إلا في مواسم انتخابية إما حزبية أو وطنية، وعلاقات غامضة تكاد تكون غير حزبية مع ممثلي الحزب في المؤسسات المنتخبة، وضمور كلي للعمل القاعدي سواء الاجتماعي أو السكني، وانعدام المحاسبة العقلانية والهادئة والأخلاقية بين الهيئات والأعضاء.. واستمرار العقلية الذكورية والتواكلية النسائية, والإهمال الكلي لإكثار الأطر الشعبية القيادية في هياكل الحزب.
والأنكى من ذلك أن العصرنة المبتغاة لم يكن لها الأثر في واجهتها الأولى وهي واجهة الإعلام والدعاية والتواصل الحزبية والجماهيرية. حيثما زال اليسار هو الأكثر تخلفا في ميادينها.
وهكذا، إن تمعنا جيداً في الحصيلة الاجتماعية لهذا التكيف الليبرالي الإجرائي العقيم، فإننا سنجده يعبر عن كل ما هو سلبي في المجتمع ولدى بعض شرائحه الوسطى بالتحديد. بدل أن يكون الحزب محصنا من أمراضها، ومتفقا جماعيا لها، والمعبر عن طموحات الأكثر جذرية قيما وسلوكات ومصالح مجتمعية.
ولقناعتنا الراسخة بأن التطور المستقبلي الحزبي لا يمكنه أن يكون إلا من داخل الحركة اليسارية، وليس من خارجها أو ضدا عليها، ولقناعتنا بأن الاتحاد الاشتراكي مازال هو العمود الفقري لمستقبل اليسار، وأن وحدة اليسار في حزب موحد ضرورة مطلقة آنية، فإننا في هذا الإطار نعمل، وندعو إلى القيام بمراجعة نقدية تنظيمية شاملة تعيد الاعتبار إلى الايديولوجيا والسياسية والأخلاق في الحياة الحزبية، وتعيد النظر في النهج التنظيمي الهيكلي الجاري بما يقوم كل الإعوجاجات السابقة في منظومة تنظيمية متناسقة وفاعلة تعيد للحزب وظيفته التاريخية والاجتماعية وليس الانتخابية وحسب، وتسترجع لأفضل ما في التراث النظري التنظيمي الاشتراكي مكانته كمرجعية في الحياة الحزبية الداخلية.
وفي هذه الآفاق، فإننا نعتبر أن الإقرار بتعددية التيارات داخل الحزب الاشتراكي مسألة مبدأ، فضلا عن أنها المدخل الضروري آنيا لإطلاق دينامية حزبية جديدة تقوم على التنافس الفكري والبرنامجي بدل التموقعات الشخصية الحلقية والشكلية الحالية. لا سبيل للخروج من حالة الركود والتقاليد المرضية المتفشية سوى بإطلاق دينامية جديدة تأخذ بأحقية التيارات في التنظيم الحزبي.
ومن جانبنا نحن، فإن طبيعة التيار الذي نسعى لتشكيله والدفاع عن طروحاته، ينبغي أن يكون حاملا لنفس النموذج التنظيمي النقدي الذي عرضنا سماته العامة في هذه الفقرة، سواء في طبيعته الأيدلوجية أو السياسية أو الأخلاقية أو في أساليب العمل. إننا نعي أن معركة إعادة بناء اليسار الاشتراكي ستتطلب مرحلة زمنية ليست بالقصيرة، وأنها عملية تأسيسية في جميع وجوهها السابقة، ولذلك فإننا سنولي عناية جماعية خاصة للتوضيح الفكري واستكمال الخط السياسي والتنظيمي في كل مستوياته من أجل أن تكون انطلاقتنا ذات قيمة مضافة فعلية ونموذجا جاذبا ومعياريا لإعادة البناء لليسار في حزبه الاشتراكي الموحد.
ولاشك أنه بعد الاتفاق على القيام بهذه المبادرة من حيث المبدأ والطبيعة العامة، سيكون علينا الدخول في تفاصيلها من حيث الهيكلة وبرنامج العمل المستقبلي داخل الحزب وخارجه، وعلاقة التيار بباقي فصائل اليسار. وهذه موضوعات لاحقة في ورقة أخرى بعد الإقرار بالمبدأ العام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.