قضية الصحراء المغربية..انطلاق الجولة الثانية من “محادثات جنيف” ضواحي العاصمة السويسرية    حقينة السدود بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة تفوق 889 مليون متر مكعب    الجزائر.. استقالة جماعية من ثاني أكبر حزب داعم لبوتفليقة    هولندا توجه تهمة القتل بدافع الإرهاب إلى منفذ هجوم أوتريخت    مقتل 10 أشخاص واصابة آخرين في انفجار بمصر    فيسبوك تكشف سبب عدم إيقافها البث المباشر لمجرزة نيوزيلندا    خصم الوداد بربع نهائي”تشامبيونز ليغ” الإفريقية يستعد للمواجهة القارية بهذا القرار    هازارد: أريد أن أصل لمستوى محمد صلاح    بوجبا "المتلون" يمدح الريال ويصف برشلونة بالأفضل!    بعثة المنتخب الوطني تحط الرحال بملاوي    المغرب يوقف فرنسية مشتبه في تورطها في قتل شريكها بالصين قبل 15 سنة    العثماني: لا تراجع عن التوظيف الجهوي.. وليطمئن الآباء لن نتساهل في مسؤوليتنا    توقعات الأرصاد الجوية لطقس يوم غد الجمعة    تارودانت..شاي ينهي حياة شخص بسبب شكوك حول وجود علاقة غرامية مع والدته    سيدي يحيى الغرب.. اعتقال ثلاثة عناصر بشبهة الاتجار والترويج للأقراص المهلوسة ومخدر الكوكايين    الإساءة لمصر ومساعدة منظمات مشبوهة… شيرين متهمة مجددا    العثماني ينفي بشكل قاطع ما أشيع حول التراجع عن مجانية التعليم    تخفيضات وامتيازات تفضيلية في التنقل بالقطار لفائدة الفنانين الحاملين للبطاقة المهنية    غضب عارم يحرّك أطر التمريض من المستشفيات إلى مقرّ وزارة الصحّة    اعتداءات تطال 5 مساجد بريطانية.. والشرطة تباشر التحقيقات    ساني ينجو بأعجوبة من إصابة مدمرة    بعد “التوتر” بين البلدين.. العاهل السعودي يتصل بالملك محمد السادس استعراضا تطورات الأحداث الإقليمية والدولية    رئيس الحكومة: لا رجعة عن خيار التوظيف الجهوي لأساتذة الأكاديميات    الجامعة تعترض لدى "الكاف" ضد إشراك مدافع مازيمبي أمام "الأولمبي"    هرباً من جحيم كوفتش.. نجم يقرر الرحيل عن بايرن ميونيخ    اللجنة الاقليمية للتنمية البشرية بطنجة تصادق على مشاريع تنموية بقيمة 26،4 مليون درهم    اسبانيا تشيد بمجهودات المغرب في مكافحة شبكات تهريب المهاجرين    ما بين الأوثان والأديان ظهرت فئة الطغيان    أمراض اللثة تفاقم خطر الإصابة بالخرف    علامات أثناء النوم تشير إلى معاناتك من مشاكل صحية    المجلس الأعلى للحسابات يحترز من نشر تقرير كامل حفاظا على مصالح المجمع الشريف للفوسفاط    نيوزيلندا تحظر حيازة البنادق    المغرب الأول في حجم المديونية الخارجية مغاربيا.. وأمريكا الأولى عالميا احتل الرتبة 60 عالميا    بن عبد الله يعلن بداية النهاية مع البيجيدي ويدعو مع منيب إلى يسار جديد دون “تحجر” فكري -فيديو    في الوقت الميت.. “بنشماش” يتحرك لتجنيب أربعة صحافيين وبرلماني الإدانة القضائية    نجوم “التانغو” يسقطون تباعاً.. دي ماريا يغيب عن مباراة المغرب الودية    هذه أرباح مجمع الفوسفاط في 2018    النيوزيلنديون يضمّدون الجراح ويعلنون الجمعة يوما لارتداء حجاب    مهرجان مكناس للدراما التلفزية.. ها شكون خدا الجائزة الكبرى    مهرجان سيدي عثمان للسينما المغربية يفتتح دورته السابعة    إطلاق الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة الفلاحية والقروية لسنة 2019    لاعبو المنتخب المغربي يبدعون ب “بدك إيه”    سلطات اقليم تزنيت تتدخل لوقف اعتداءات الرعاة على الساكنة المحلية    نائبة الأمين العام للأمم المتحدة تحل بالمغرب    تقديم «مفترق الوجود» للشاعر محسن أخريف بتطوان    نيوزيلندا تنتهي من تحديد هوية ضحايا المذبحة.. وتبرر تأجيل دفنهم 50 مسلما قتلوا في اعتداءين إرهابيين    دار الشعر بتطوان تحتفي باليوم العالمي للشعر    طالب خربها على البنكات فأكادير    فلاشات اقتصادية    توشيح ثلاث شخصيات مغربية بوسام جوقة الشرف بدرجة فارس للجمهورية الفرنسية    ماذا يستفيد أبناء تطوان من المهرجان الدولي للسينما؟    خبير جينات أوروبي: استنساخ ميسي ممكن    بمناسبة اليوم العالمي للسعادة إليكم 5 نصائح تجعلكم أكثر سعادة    إنقاص الوزن يبدأ من السرير    الإنسانية كل لا يتجزأ    الريسوني: الفقه الإسلامي يجب أن يتطور بنفس سرعة تطور المجتمع    بالفيديو:حمامة المسجد مات ساجدا    الإرهاب أعمى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





اليوسفي هرما
نشر في اليوم 24 يوم 13 - 12 - 2018

يحق للاتحاديين أن يفخروا بعبد الرحمان اليوسفي. كان طوق نجاة البلاد، كما كان حبل مشنقة الحزب. وحتى بكل قوالب التحليل الديالكتيكي، فإن النتيجة مبهرة بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. إن أولئك الذين كان مسعاهم أن يحجزوا ميراث الرجل في ثلاجة كريهة، هم أنفسهم من يرغب في أن يجعلوا من اسم اليوسفي يدا ممدودة إلى الحزب وهو يُدفن. إنها الحيلة الأخيرة. لقد شعر متعهدو الجنائز الموجودون بكثرة في هذا الحزب، بأن لا أحد بمقدوره أن يمنع تدفق التراب على جسد حزبهم في الحفرة التي كانوا أول من حمل المعاول لحفرها، ثم تذكروا اليوسفي.
كان إدريس لشكر شديد الحزم، ففي كل مرة يذكر فيها أحد اسم اليوسفي أمامه، كان يصفه ب«الربان الذي غادر السفينة وهي تغرق»، وهذه طريقة لشكر الروتينية في التنصل من تهمة الإغراق العمدي لحزبه في الوحل الذي هو فيه الآن. لكن لا يهمنا لشكر ولا حزبه في طبعته الحالية. إن ما يهمنا، في الحقيقة، هو ما إذا كان بعث اليوسفي من رماده سينفع في شيء حزب الاتحاد الاشتراكي وهو رميم. اليوسفي وهو يتحول إلى ما يشبه «مزارا» مقدسا لبعض الاتحاديين، ليس لديه ما يقدمه على كل حال، فالتقدير المبالغ فيه للسلطة الرمزية التي ربما يمتلكها، هو ما يدفع حزبه، في ترنحه الحالي، إلى سوء تقدير نتائج استعماله في حروب الذاكرة المثقوبة هذه. لشكر، المسكون بهواجس السلطة، يعتقد أن استثمار اسم اليوسفي، ولو بشكل متأخر، سيدفع السلطة نفسها إلى معاملته بالطريقة نفسها كما فعلت مع اليوسفي. ورغم أن هذه الطريقة تفتقر إلى المنطق، لأن السلطة لا تجامل اليوسفي لأنها تحب لشكر، فإن هذا الأخير قرر أن يدفع هذه العملية إلى التماهي المصطنع، وكأنه مطلوب منه أن يفعل ذلك. هذه خطة بديلة، لكنها مكشوفة ورديئة. وفي وجدة، عندما أراد الاتحاديون أن يحولوا اليوسفي إلى أب، فإنهم لم يفعلوا سوى أن «قتلوه» أكثر مما فعلوا سابقا. لم يكن هناك أي شيء مثير للاهتمام في ذلك الملتقى غير صورة اليوسفي في الملصق العريض. إن لشكر، على ما يظهر، لا يمل من هذه اللعبة، أي «قتل الأب» كيفما كانت هويته، ولا ضير إن خرج ببعض الأرباح في نهاية المطاف. إن صورة لشكر وهو يقبل رأس اليوسفي –كما راجت على نطاق واسع- هي الهدف الوحيد الذي تحقق هناك.
لا يريد اليوسفي أن يقول كلمته النهائية؛ ومثلما يفعل متعهد حفلات، فإنه يتصرف كاتحادي مغدور في حاجة إلى تعويض، فقد غادر حزبه يوم أفرغ المكتب السياسي موقفه من روحه، وتحول الخروج عن المنهجية الديمقراطية إلى شعار حربي يمهد بضراوة لتوزيع الغنائم. إذن، لا مجال لقول الحقائق، وكل شيء عدا أعمال الصباغة، ممنوع.
ومن الواضح أن اليوسفي لا يحب تاريخه، وليس بمقدور أحد أن يقنعه بأن يفتح فمه، لكي يقول أكثر من بضع جمل جرى تزيينها بعناية. وحتى مذكراته التي حررها كتاب آخرون بدلا عنه، ولمرات عدة، بالكاد يمكن للمرء أن يقتنص منها شيئا مفيدا لتقدمه التاريخي. إنها تصلح فقط لكي تأخذ مكانها إلى جانب الرف الرسمي لكتب التاريخ.
الصمت ليس علامة على الحكمة عندما يكون الكلام أولى، والعزلة ليست موقفا ينطوي على رجاحة عقل دائما، وإذا كان اليوسفي، وهو يملي مذكراته، يتحدث وكأنه يتوجه إلى أولئك الذين رافقوه في ذلك الماضي، فإن الأجيال الجديدة –وأنا منها- لم تستطع تحديد ما إذا كان ذلك مهما بالنسبة إليها. لقد حاول اليوسفي، ذات مرة، وهو معزول، أن ينطق ببعض الحقائق، لكنه، مثل أي سياسي مازال يمني النفس ببعض العوائد، حول نفسه في «مذكرات التناوب» إلى شبح، تاركا محررها لمسؤوليته في التقدير. لقد فعل تقريبا ما يشبه ذلك في محاضرة بروكسيل.
لكن اليوسفي ليس هو فقط ذلك الرجل المتعب بسبب الخذلان الذي أصابه عقب 2002؛ والدرس المستفاد من سيرته، على كل حال، هو أن التاريخ لا يشفع لتبرير المواقف المرتخية، كما أن التنازلات لا تضمن مستقبلا لصاحبها، إن لم تكن مشروطة بشكل واضح.
خذل اليوسفي نفسه كما خذله أصحابه، وتلك مسؤولية لا يمكن محوها بأي من صياغات تمجيد الأصنام الرائجة في الوقت الحالي. وإذا قرر الاتحاديون -ورموزهم بشكل أساسي- التخلي عن كتابة التاريخ لأنه يزعجهم، فإن ذلك لا يقيد أحدا آخر في فهم تأثير تاريخهم على البلاد ومستقبلها.
إن الاتحاد الاشتراكي وهو يستعيد الرمز، في سعي إلى تصوير نفسه وكأنه مدين لليوسفي، إنما يلعب، في الحقيقة، لعبة «الغميضة» بالطريقة نفسها التي كان يلعبها الأطفال، فيما الرجل البالغ، وهو واقف على الرصيف، يراقب اللعبة باستهزاء.
محمد البريني، وكان اتحاديا في وقت ما، مازالت في حلقه غصة إزاء الكاتب الأول السابق لحزب الوردة، فهو لم يستسغ أن يقيم اليوسفي حفل تكريم لوزير داخليته المعزول، إدريس البصري، رغم كل معاناة الاتحاديين معه في ما مضى. تخلى البريني عن مقعده في اللجنة المركزية لحزبه وغادر.
كان اليوسفي قد فعل ما فعله بإدراك رجال الدولة الميالين إلى عدم الحساسية المفرطة من ثقل الحسابات بين الأشخاص. ونقص هذه الحساسية هو ما تسبب له في كل المتاعب لاحقا، حتى أصبح مفرطا في حساسيته إزاء من هم قريبون منه.
بيد أن اليوسفي لم يتخل عن عادته السيئة هذه، مازال يلتقط صورا مع مخربين للعملية السياسية في البلاد، ويقدم إليه لشكر وحواريوه أشخاصا على أنهم بياض ناصع، فيما هم في الواقع يمثلون كل ما كان يسعى اليوسفي إلى محاربته في وقت ما. الفرق بين البصري وهؤلاء أن اليوسفي يساق الآن إلى هذه البهرجة باسم الاحتفاء به، ويجري استغلال كبر سنه في هذه التمثيليات الجديدة التي يبرع لشكر فيها.
بالنسبة إلى لشكر، فهو لا يرى مشكلة في قنص بعض الأرباح المعنوية من التمسح بتلابيب اليوسفي، وإن كان هذا الأخير يمثل كل ما هو نقيض لما يمثله هو، وعلى الاتحاديين العقلاء أن يوقفوا هذا العبث.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.