حسن لقيبي الخميس 26 فبراير 2026 - 0:30 هندسة المجال والسيادة.. رؤية جغرافية لإعادة صياغة الحكم الذاتي منذ تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 أمام الأممالمتحدة، ظل النقاش محصورا في بعده السياسي والدبلوماسي والقانوني، بينما ظل البعد الجغرافي أي كيفية تنظيم المجال وتوزيع السلطة داخله أقل تناولا. فلا ينبغي التعامل مع مقترح "الحكم الذاتي" كصيغة قانونية جامدة ونهائية، بل كآلية مرنة لهندسة المجال بما يخدم السيادة الوطنية. إن التحدي الحقيقي ليس في إقرار الحكم الذاتي كحل سياسي، بل في كيفية تنظيمه ترابيا ليكون صمام أمان يمنع إعادة إنتاج أسباب التوتر. فالغاية الأساسية لهذه الرؤية التي سنقترحها هي توزيع الثقل ومنع احتكار المجال واستيعاب معظم الفاعلين، لضمان اندماج ترابي لا يقبل التفكك. الفكرة المحورية: بدل تصور الحكم الذاتي كوحدة ترابية واحدة كبيرة، يمكن تنزيل الحكم الذاتي في جهتي الداخلة وادي الذهب والعيون الساقية الحمراء وفق حدودهما الحالية، مع جعل جهة كلميم واد نون جسر عبور بين جهات الحكم الذاتي وباقي جهات المملكة، وتقليص المنطقة العازلة والإبقاء عليها كمنطقة عسكرية، وتمتيع منطقة الكويرة بوضع قانوني خاص بإدارة مركزية مباشرة، يكون هدفها الأساسي إعادة البناء الديموغرافي والاقتصادي بشكل منظم ومدروس، وإدراج مرونة قانونية تسمح للدولة بإعادة التقطيع الترابي عند الحاجة. بهذا المعنى، نحن لا نتحدث عن تغيير جوهر المبادرة التي قدمها المغرب سنة 2007 أمام الأممالمتحدة، بل عن تطوير هندستها الداخلية حتى تصبح أكثر انسجاما مع واقع المجال وتحولاته. جهات الحكم الذاتي التنمية أولا يقوم الطرح التقليدي للحكم الذاتي على تصور المجال المعني ككتلة واحدة، وهو تصور قد يعيد إنتاج مركزية إدارية جهوية تتعارض مع جوهر الحكم الذاتي وتعيق الدينامية التنموية بالأقاليم الجنوبية ... خاصة في سياق سياسي/اجتماعي قبلي... لذلك أقترح تنزيل الحكم الذاتي في جهتي الداخلة وادي الذهب والعيون الساقية الحمراء لكل جهة حكومتها المحلية وفق حدودهما الحالية حفاظا على التجربة التي راكمها الفاعلين في الجهتين وعلى وثيرة سير الأوراش والمشاريع التنموية الجارية والمبرمجة في الجهتين...ولتجنب تركز القرار في نقطة واحدة وتهميش باقي المناطق خاصة وأن المجال المعني شاسع. إن هذا التقطيع الترابي سيسمح في نظرنا بتعزيز التنافس التنموي بين الجهتين مما سيعود بالنفع على السكان المحليين وسيشكل أداة لتعزيز الارتباط بالدولة بدلا من الانغلاق المحلي. مرونة الحكم الذاتي صمام الأمان تعرف الأقاليم الجنوبية للمغرب تحولات متسارعة؛ مشاريع مينائية، استثمارات في الطاقات المتجددة، توسع الشبكات الطرقية نحو العمق الإفريقي... لذلك من الصعب افتراض أن الخريطة الإدارية الحالية ستكون نهائية لعقود طويلة. لهذا السبب، من المفيد أن يتضمن تصور الحكم الذاتي بندا يسمح، عند الحاجة، بإعادة النظر في التقطيع الترابي أو بإحداث وحدات ترابية إضافية تتمتع بالحكم الذاتي داخل نفس المجال المعني. هذه المرونة تمنح الدولة قدرة على التكيف مع التحولات المستقبلية، وتمنع تثبيت حدود قد تفهم رمزيا كخريطة ثابتة لذلك يجب تأكيد أن الدولة هي المهندس الأول للمجال، تديره وفق مقتضيات المصلحة الوطنية العليا. المنطقة العازلة... مجال سيادي خالص في مقابل المرونة في الجهات المستقرة، ينبغي الحفاظ على المنطقة العازلة كمجال ذي طبيعة خاصة، هذه المنطقة ترتبط باعتبارات عسكرية وأمنية وحدودية واضحة، ومن الطبيعي أن تبقى تحت إدارة مركزية مباشرة ذات طابع عسكري. إدراجها ضمن أي صيغة حكم ذاتي قد يخلق التباسا بين التدبير المحلي والوظيفة السيادية. إن التمييز هنا ضروري فالحكم الذاتي لا يعني المساس بالمجالات الحساسة والسيادة في المناطق الحدودية يجب أن تبقى واضحة وغير قابلة للتأويل. جسر "كلميم واد نون" وإذابة الحدود النفسية تعتبر جهة كلميم واد نون بحدودها الحالية المفصل الجغرافي الأكثر أهمية في هذه الهندسة، فهي الجسر الذي يمكنه إذابة الحاجز النفسي بين الشمال والجنوب. إن تمديد نفوذ هذه الجهة (التي تصنف تاريخيا وإداريا كجهة انتقالية) ليشمل أجزاء من المجال المعني بالنزاع، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو جراحة جغرافية لإنهاء الثنائية الرمزية (داخل/صحراء). فحين تتداخل حدود الجهة مع المجال المعني بالحكم الذاتي، يختفي الخط الوهمي الذي رسمه الاستعمار في الأذهان. ويصبح الجنوب امتدادا طبيعيا متصلا، وتتحول المنطقة من إقليم خاص إلى مجال وطني منسجم لا يشعر فيه المواطن بعبور حدود نفسية أو إدارية استثنائية. الكويرة... وضع خاص لإعادة البناء لا تحتاج منطقة الكويرة في هذه المرحلة إلى إدراجها ضمن وحدة حكم ذاتي، بل إلى وضع خاص بإدارة مركزية مباشرة، يكون هدفها الأساسي إعادة البناء الديموغرافي والاقتصادي بشكل منظم ومدروس. فالمجالات الحدودية ذات الحساسية الجيو-استراتيجية تتطلب أولا تثبيت الحضور السكاني والبنية التحتية قبل إدراجها في أي صيغة تدبير لامركزي موسع. الخلاصة: الحكم الذاتي المستدام إن إعادة صياغة مقترح الحكم الذاتي وفق هندسة مجالية مركبة يمنح المفاوض المغربي أدوات جديدة داخل مسار الأممالمتحدة، ويحول المبادرة من مقترح سياسي إلى مشروع استراتيجي لإعادة تشكيل المجال الوطني. فالرهان لم يعد فقط كسب اعتراف دبلوماسي، بل بناء نموذج ترابي مرن، متعدد الأقطاب والفاعلين ومستدام، مؤطر مركزيا، وقادر على استيعاب التحولات المستقبلية دون أن يمس بجوهر السيادة. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة