في ظل تصاعد حدة التوتر بين التنظيمات النقابية التعليمية من جهة، والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الإقليمية التابعة لوزارة التربية الوطنية بسوس ماسة من جهة أخرى، أقدم المكتب الجهوي للنقابة الوطنية للمساعدين التربويين بجهة سوس ماسة، التابعة للجامعة الوطنية للتعليم (FNE)، على اتخاذ قرار تصعيدي تمثل في الدعوة إلى خوض إضراب إنذاري على مستوى الجهة بكاملها. ويأتي هذا الإضراب يوم الأربعاء الموافق 25 مارس الجاري، حيث دعت النقابة جميع المساعدين التربويين العاملين بالأقاليم الستة التابعة للجهة إلى التوقف التام عن العمل، تأكيدا على رفضها لما وصفته ب"التعنت الإداري" المستمر في ملفات حقوقية عالقة، وفي مقدمتها ملف الاقتطاع المزدوج واستحقاقات مالية أخرى محتجزة. وحسب بيان صادر عن المكتب الجهوي للنقابة، فإن قرار خوض هذا الإضراب الجهوي جاء في أعقاب اجتماع عقده أعضاء المكتب يوم الأربعاء 11 مارس، خصص لتقييم ما اعتبرته النقابة "مماطلة متعمدة" من قبل الأكاديمية الجهوية والمديريات الإقليمية في معالجة مجموعة من الملفات المطلبية التي طال أمدها، وأصبحت مصدر احتقان متزايد في صفوف الفئة. وكشف البيان عن تفاصيل مهمة تتعلق بملف الاقتطاع المزدوج، الذي وصفه ب"العصب الرئيسي" الذي فجر الاحتقان الحالي. فوفقا للمعطيات التي وردت في البيان، فإن مديرية تيزنيت كانت قد استكملت جميع الإجراءات الإدارية والمالية المتعلقة بتسوية هذا الملف لفائدة المساعدين التربويين العاملين بالنفوذ الترابي التابع لها. لكن المشكلة تكمن، حسب النقابة، في أن الأكاديمية الجهوية لا تزال تحتجز "الرد" أي المستحقات المالية الخاصة بالمعنيين، ودون تقديم أي مبرر مقنع لهذا الاحتجاز. وأشار البيان إلى أن هذا الوضع يتناقض مع ما يجري في مديريات أخرى، حيث لا تزال مديريات أكادير إداوتنان، وتارودانت، وإنزكان آيت ملول، وشتوكة آيت باها تواصل تعنتها وترفض تسوية الملف رغم الجهود المتكررة. وأوضح المصدر النقابي ذاته أن المكتب الجهوي قام بالعديد من المراسلات والتدخلات المتواصلة من أجل إيجاد تسوية شاملة لهذا الملف، إلا أن المديريات المذكورة أصرت على موقفها الرافض للتسوية. واعتبر البيان أن الأكاديمية الجهوية تتحمل مسؤولية كبرى في هذا السياق، إذ ينبغي عليها الضغط على هذه المديريات من أجل "الاشتغال على إيجاد حلول واقعية وسريعة" تضع حدًا لهذه المعاناة. لم يقتصر احتجاج النقابة على ملف الاقتطاع المزدوج فقط، بل امتد ليشمل مجموعة من المطالب الأخرى التي تعكس تراكمًا في الملفات الحقوقية لهذه الفئة، ومن أبرزها: أولاً: منحة الريادة طالبت النقابة بصرف منحة الريادة لفائدة المساعدين التربويين العاملين بمؤسسات الريادة، وهي المنحة التي كانت وزارة التربية الوطنية قد أقرتها في إطار برنامج "مؤسسات الريادة" الهادف إلى إصلاح المنظومة التعليمية. لكن النقابة تؤكد أن صرف هذه المنحة لم يشمل جميع المستحقين، مما خلق حالة من الإحباط والاحتقان بين المعنيين. ثانيًا: تعويضات الامتحانات الإشهادية أثارت النقابة أيضًا ملف تعويضات الامتحانات الإشهادية، حيث يعاني المساعدون التربويون الذين يكلفون بالمشاركة في حراسة الامتحانات الوطنية والإقليمية من تأخر كبير في صرف مستحقاتهم المالية، رغم أن هذه المهام تدخل في صميم المسؤوليات المنوطة بهم وتتطلب جهدًا استثنائيًا. ثالثًا: تفعيل الحركتين الجهوية والإقليمية طالبت النقابة بتفعيل حق المساعدين التربويين في الاستفادة من الحركة الجهوية والحركة الإقليمية، وفق ما ينص عليه النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية. وأشارت إلى أن هذه الفئة تعاني من جمود الحركات الانتقالية لسنوات، مما يحول دون حقها في التنقل بين المؤسسات التعليمية بشكل عادل ومنظم.
وحمل البيان نبرة تصعيدية واضحة، حيث انتقد المكتب الجهوي ما وصفه ب"المنهج المتكرر" الذي تتبعه الأكاديمية الجهوية والمديريات الإقليمية في تعاملها مع الممثلين النقابيين. وتحدث البيان عن "حوارات مغشوشة" و"وعود فارغة استُهلكت مع مرور الوقت"، في إشارة إلى جلسات الحوار السابقة التي كانت تعقد على أمل التوصل إلى حلول جذرية، لكنها لم تثمر سوى عن تراجع الإدارات عن التزاماتها أو تجميدها للملفات دون مبرر.
في المقابل، أشاد البيان بما وصفه ب"استعداد القواعد المتزايد للنضال والتضحية والوحدة من أجل انتزاع الحقوق والكرامة". وأكد أن اللجوء إلى الضغط الميداني من خلال الإضرابات والوقفات الاحتجاجية أصبح السبيل الوحيد "للإفراج سريعًا عن المستحقات المالية العادلة والمشروعة". ودعا المكتب الجهوي، في ختام بيانه، جميع أعضاء المكتبين الجهوي والإقليمي إلى التعبئة الكثيفة والمشاركة الفعالة في يوم الإضراب، كما طالب الإطارات النقابية الأخرى المساندة لقضايا الفئة إلى تقديم الدعم في "المحطات النضالية المسطرة".
وجاء في البيان رسالة تحذيرية واضحة، حيث شدد على أن "معركتنا عادلة ومشروعة ولن يثنينا لا القمع ولا الاقتطاع والترهيب من الاستمرار في دربها"، مما يلمح إلى إمكانية اتخاذ المزيد من الخطوات التصعيدية في حال استمرار تجاهل المطالب أو المماطلة في تلبيتها. يأتي هذا التحرك النقابي في سياق تنظيمي متوتر تعيشه فئة المساعدين التربويين، التي تعتبر شريحة أساسية لا غنى عنها في المنظومة التعليمية، حيث يتحمل أفرادها مهام متعددة تشمل الحراسة والتأطير والمراقبة، إلى جانب مهام إدارية ولوجستيكية داخل المؤسسات التعليمية. ورغم أن النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية ينص بوضوح على حقوقهم في التنقل والترقية والحصول على التعويضات المستحقة، فإن تنفيذ هذه الحقوق اصطدم مرارا بتباين في تفسير النصوص القانونية على المستويين الجهوي والإقليمي، مما دفع هذه الفئة إلى اللجوء المتكرر إلى الإضرابات والوقفات الاحتجاجية كوسيلة للضغط من أجل انتزاع حقوقها.
وتعد جهة سوس ماسة، التي تضم ستة أقاليم، من بين الجهات التي تشهد حضورا نقابيا قويا للنقابة الوطنية للمساعدين التربويين، التي سبق لها أن خاضت عدة محطات نضالية في فترات سابقة، وسجلت حضورًا ميدانيا لافتا في الدفاع عن حقوق الفئة.
يرى مراقبون للشأن النقابي بالجهة أن تحديد موعد الإضراب في 25 مارس يمنح مهلة زمنية تقارب الأسبوع للأكاديمية الجهوية والمديريات الإقليمية من أجل اتخاذ إجراءات ملموسة قد تحول دون تنفيذ الإضراب، خاصة أن البيان وصف الإضراب ب"الإنذاري"، مما يبقي باب الحوار مفتوحا على مصراعيه. لكن الملاحظين يشيرون في الوقت ذاته إلى أن النبرة الحادة التي صيغ بها البيان، والتركيز الكبير على ملف "الرد المحتجز" بمديرية تيزنيت كنموذج صارخ للمماطلة الإدارية، يعكسان إصرارا متزايدا لدى القاعدة النقابية على المضي قدما في التصعيد إذا لم تُستجب المطالب بشكل جدي وفوري. كما أن الحديث عن "معركة عادلة" ورفض "القمع والترهيب" يشير إلى أن الفئة مستعدة لخيارات نضالية أوسع في حال استمر الوضع على ما هو عليه.