(لعلكم تتقون)، هذه هي العبارة القرآنية التي تختزل وتكثف كل معاني الصيام وغاياته بالنسبة إلى المؤمنين به والمؤمنات. وكل الأحاديث النبوية التي تدور حول فريضة الصيام وآدابه ليست إلا تنويعًا وتبسيطًا لهذه العبارة القرآنية (لعلكم تتقون)، التي لا تتجاوز الكلمتين، لكنها تستكنه كل مقاصد هذه الشعيرة التعبدية. ما يعني أن كل ما يفعله المسلمون والمسلمات في هذا الشهر الكريم، وكل ما يقدمون عليه من مناشط وتكاليف، وكل ما يبذلونه من جهود في إعداد الموائد والتفنن في صنوف المآكل والمشارب، بل وحتى عملية الإمساك عن الأكل والشرب طيلة اليوم أيضًا، كل هذا لن يكون له أي معنى في غياب الاهتمام بتحقيق المقاصد والغايات التي أرادها الشارع من الصيام، وعبر عنها بكلمة واحدة (التقوى)، التي تعني ببساطة استحضار رقابة الخالق، وتجديد الشعور بمعيته سبحانه لكل بني البشر. وهذه لوحدها كافية لتحدث التغيير المطلوب متى تحققت وتأكد إدراكها ومفعولها. فما أكثر ما نتحدث عن الرقابة بمختلف أصنافها، وفي النهاية لا أثر لأية رقابة، أرضية كانت أو سماوية، والواقع أمامنا. الصيام يأتي مرة في العام بأيامه المعدودات ليجدد معاني هذه الرقابة، وليحيي عمق هذه المعية لدى الأفراد كما الجماعات. ولنا أن نلاحظ أن الخطاب فيه يرد بصيغة الجمع الذي يعني المجتمع المسلم ومن يتواجد فيه بالتبع: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام... الآية)، وينتظر من هذه الجماعة (المجتمع) أن تبادر إلى مباشرة التغيير المنشود، فيكون رمضان منطلقها المحفز نحو تخليق الحياة الخاصة، تمهيدًا لتخليق الحياة العامة، وذلك بالعودة إلى الذوات والنفوس لمعالجة أمراضها التي تفتك بكل جميل، وتعيق كل أسباب التقدم: أمراض الجشع والأنانيات، وعبادة الذوات والمصالح الشخصية، أمراض الكذب والغش وخيانة الأمانات، والإخلال بالالتزامات على كل المستويات. العلماء يسمون رمضان بميزان العام، إشارة إلى دوره الكبير والمنتظر في إعادة التوازن إلى المجتمع المسلم، ووضعه على السكة الصحيحة، ومعالجة ما قد يلحقه من عجز وتراجع ونقصان، إن على المستوى الفردي أو المجتمعي. فها هو ذا رمضان الآن قد أشرف على المغادرة، فما الذي يتحقق من هذه العبارة (لعلكم تتقون) وبهذه المعاني الواسعة؟ ماذا بعد كل هذا الجري والتعب والتكاليف؟ ماذا بعد مرابطة النساء في المطابخ لشهر كامل؟ هل يعقل أن نصوم ولا نتعافى؟ هل يعقل أن نمارس شعيرة تعبدية لمدة شهر كامل ولا نتقدم؟ هل يعقل أن ينقضي شهر الصيام، وشوارعنا تعج بالمتسولين والأطفال الضالين، وطرقاتنا تمتلئ بالحفر وبرك مياه الأمطار، ومشاريعنا معطلة، والمنجز منها مغشوش، والمضاربون يحتكرون البضائع ويغالون في الأسعار؟ أية جائزة هذه التي سنأخذها يوم العيد، كما سيحدثنا الفقهاء على المنابر ذلك اليوم؟ لا صيام بلا مقاصد.