يتسلل سائق دراجة نارية بعباءة رمادية في مساحة ضيقة بين سيارتين وسط حركة سير مكتظة في طنجة. وفي زاوية أخرى، تحتل دراجات نارية محيط رصيف تجاري يعج بالمارة. مشاهد يومية تضاعفت حدتها خلال عطلة العيد، لتسلط الضوء مجددا على احتكاك مروري مستمر يثير استياء سائقي السيارات، ويغذي حصيلة حوادث السير داخل المجال الحضري في المغرب. في محيط مقهى ومحلات تجارية، تتداخل مسارات الراجلين مع عجلات الدراجات المركونة. شاب يعتلي دراجة نارية سوداء وحمراء وسط حشد من المارة، في فضاء مفتوح يجسد ضغط التنقلات الاستثنائي. ويرافق هذا التداخل المكاني بين المركبات والمشاة، توتر ميداني على الاسفلت، حيث يواجه سائقو السيارات سلوكيات محفوفة بالمخاطر، ترتبط غالبا بفئة عمرية شابة. "العديد من هؤلاء المراهقين يكترون الدراجات النارية لفترات قصيرة، ويندفعون بها وسط حركة السير الكثيفة بتهور وبدون أدنى اعتبار لقواعد المرور"، يقول حسن (48 عاما)، وهو سائق سيارة أجرة في طنجة، متحدثا عن تزايد محلات كراء الدراجات غير المهيكلة التي توفر هذه الآليات للشباب. الاحتقان نفسه يتقاسمه كمال (41 عاما)، وهو موظف كان ينتظر تقدم طابور السيارات في تقاطع مزدحم: "نشهد سلوكيات استعراضية يومية. بعضهم يتخذ من الشارع حلبة للسباق أو لتنفيذ مناورات بهلوانية بين السيارات. إنها فوضى تضعنا تحت ضغط نفسي مستمر، حيث تصبح القيادة محاولة دائمة لتفادي الاصطدام بهم". هذا التوتر الميداني والمناورات الخطيرة التي يصفها السائقون ب"العربدة المرورية"، لا تشكل مجرد انطباعات عابرة، بل تترجمها معطيات السلامة الطرقية الرسمية في المغرب إلى حصيلة دامية، تتركز أساسا داخل الوسط الحضري. وتفيد الإحصائيات النهائية لسنة 2024 بوقوع 143 ألفا و272 حادثة سير بدنية على الصعيد الوطني. ويبرز الثقل الكبير للوسط الحضري الذي استحوذ بمفرده على 114 ألفا و957 حادثة، ما يمثل نحو 80.2 بالمئة من المجموع العام. وأسفرت هذه الحوادث إجمالا عن تسجيل 4024 قتيلا و14 ألفا و718 جريحا بليغا، لتعكس الكلفة المرتفعة للاحتكاك اليومي في شوارع المدن.
وفي صلب هذه الحصيلة، صار مستعملو الدراجات النارية في قلب أزمة الوفيات الطرقية. إذ تشير معطيات الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا) الرسمية والخاصة بسنة 2024، إلى أن مستعملي الدراجات النارية، ثنائية أو ثلاثية العجلات، يمثلون 42.1 بالمئة من مجموع القتلى في حوادث السير بالمملكة، وهو ما يعادل 1532 وفاة. هذا المنحى التصاعدي بات يتكرر من سنة إلى أخرى. ففي سنة 2023، بلغ عدد القتلى في صفوف مستعملي الدراجات النارية ثنائية العجلات 1467 قتيلا، ما يؤكد استمرار النزيف البشري في صفوف هذه الفئة رغم حملات المراقبة. الجهات الرسمية نفسها لم تعد تخفي قلقها من هذه المؤشرات. فخلال ندوة رسمية في فبراير 2026، كشف وزير النقل واللوجيستيك أن عدد القتلى في صفوف مستعملي الدراجات النارية في المغرب بلغ 2300 قتيل سنويا. واعتبر الوزير هذا الرقم معطى "لا يمكن التعامل معه إلا بروح المسؤولية والالتزام"، في إقرار صريح بضرورة إيجاد حلول جذرية. وفي سياق متصل، أورد بلاغ رسمي لنارسا أن الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025 سجلت 3324 وفاة في حوادث السير، بزيادة بلغت 24.4 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من 2024، ما يؤطر الجو العام لتفاقم الأزمة الطرقية. في طنجة، ومع استمرار تدفق السيارات والدراجات النارية وتداخلها مع حركة المشاة خلال أيام العيد، يتبدى بوضوح أن ما يختبره الشارع ليس مجرد ازدحام موسمي ينقضي بانقضاء المناسبة. بل هو اختبار متكرر لقدرة المدينة على ضبط التنقل المشترك، ومحاولة يومية لإدارة التعايش القسري بين سيارات مقيدة بالزحام، ودراجات نارية تبحث عن منافذ سريعة، وراجلين ينازعون من أجل مساحة آمنة للعبور.