محمد حمداني الأربعاء 18 مارس 2026 - 3:01 كيف تشكل الشعور الوطني لدى المغاربة عبر تاريخهم الطويل؟ قراءة في درس حسني لأحمد التوفيق في محاولة منه لإبراز مقومات وعناصر الهوية المغربية عبر التاريخ، وأهم المحطات التي وسمت تاريخ المغاربة وأسهمت في تشكل الشعور بالانتماء الوطني لدى المغاربة، ألقى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق درسا حسنيا أمام العاهل المغربي بالقصر الملكي بالرباط يومه الخميس الثاني من رمضان 1434ه الموافق 11 يوليوز 2013م؛ إذ صرح في نهاية الدرس أن المنهج الذي اعتمده في مقاربة سؤاله الأساسي اعتمد على الوقائع التي توصل إليها البحث التاريخي الرصين دون أن يجد غضاضة في الموافقة بين القراءة الواقعية للأحداث والقراءة الربانية القائمة على الإيمان بأن "وراء كل الأسباب يَد الله الفاعل المختار". مهد التوفيق للموضوع بالإشارة إلى أن الشعور الوطني ليس شعارات قولية تُرفع، بل هو وقائع تاريخية في السياسة والمجتمع والثقافة أسهمت مجتمعة في بناء المغاربة لشخصيتهم المتميزة، مُعدّدا أربعة مظاهر للشعور الوطني لدى الشعوب وهي: دفعُ الغزو الأجنبي - دفع التهديد الداخلي - أعمال البناء الخادمة للوطن - صيانة المكتسبات. وقبل أن يبسط الوقائع التي أسهمت في تشكل هذا الشعور الوطني لدى المغاربة عبر التاريخ، انطلق أحمد التوفيق من مقدمات ثلاثة؛ أكد في الأولى على الأهمية التي أعطاها بعض المنظرين للتاريخ، لأن التاريخ هو الذي يصنع الوقائع، بينما تقوم الفلسفة بتنظيمها، حسب رأيه، أما المقدمة الثانية فحاول فيها تأصيل هذا المفهوم في الدين الإسلامي انطلاقا من الآية منطلق الدرس، وهي قوله تعالى في سورة الحج: ﴿الذِينَ إِنْ مَكَنَّاهَمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الاُمُور﴾، حيث انتهى إلى القول بأن العلاقة التي يمكن أن تكون بين المواطن والوطن من منظور هذه الآية هي علاقة التعبير الفعلي عن الشكر الموجب للالتزام. أما المقدمة الثالثة فانطلق فيها من وقائع بارزة لتجلية العلاقة بين الوطن والأمة والتي أسهم فيها المغاربة بإبداعهم الحضاري في بناء الأمة الإسلامية أولا وحضارة الإنسان من جهة ثانية. بعد هذه المقدمات، انطلق أحمد التوفيق لغرضه الرئيسي عبر مراحل ثلاث؛ أولا: مرحلة التشكل والتأسيس، والممتدة من فترة ما قبل الإسلام وبعده إلى نهاية الدولة الموحدية؛ إذ تميزت الحقبة الأمازيغية (باعتبارها ثقافة لا جنسا) بخصائص التعامل السلمي مع شركاء أجانب مثل الفينيقيين والمقاومة الشديدة للإمبريالية والاستعمار في العصر القديم. وتعززت مظاهر الوعي بالكيان المغربي وقت الانفتاح للإسلام بقيام الأدارسة ثم المرابطين ونقل الإسلام إلى الأندلس ثم قيام الموحدين في وقائع مؤسساتية عظمى، سياسية ودينية وبشرية وحضارية أسهمت في تفرد الشخصية المغربية وتميزها. ثانيا: مرحلة الاستكمال والترصيص، والتي توافق العهدين المريني والوطاسي، حيث تم تثبيت المقومات المتبناة سالفا، وذلك عبر حركة لإزالة آثار العقيدة التومرتية وعودة التأثير للفقهاء المالكية على الدولة، وإدماجُ عناصر بشرية جديدة (الزناتيون، عرب المعقل، ...)، وتحقيق درجات من الترقيق والتأنيق في جميع مناحي الحياة المعيشية الحضرية، ثم ظهور وانتشار التصوف الشعبي كرد فعل على الأزمات الداخلية والتحديات الخارجية التي عرفها المغرب في الحقبة الوطاسية. ثالثا: مرحلة التنزيل والتكريس، وهي المرحلة الموافقة للعهدين السعدي والعلوي حيث تأكدت مقومات الشخصية المغربية في نوع من الاستمرارية القائمة على حسن التمثلِ والتنزيلِ على مقتضيات الظروف والمستجدات، حيث استنجد المغاربة بعنصر الشرفاء، الذي كان قد وُضع في حالة الاحتياط منذ نهاية الأدارسة، لقيادة البلاد في بدايات العصر الأوروبي الحديثِ المتصفِ بالغزو والجشع، نظرا لما لهذه القوة من الأهلية للتعبئة وللتحكيم في آن واحد. وبعد ان استعرض مقومات وأحداث هذه المراحل الثلاث بوقائع تاريخية مختلفة، خلص التوفيق إلى القول بأن تلك المقومات تكتسي صبغة مؤسسات، وأن المغاربة بقدر ما أفرغوا الجهد والمُهج في إقامة تلك المؤسسات، بقدر ما تألقوا في صنع الفكر والحضارة التي تميزهم في الداخل والخارج وتشكل شعورهم الوطني، وأن التحدي الذي يواجهه مغاربة اليوم هو بلورة هذا الاجتهاد في تنزيل "مراد الله في الأرض" بحسن فهم البناء الذي آل إليهم، والاستمرار على الشكر، والفقه السياسي المتوقف على العلم والإخلاص. (باحث في التاريخ) الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة