1. الرئيسية 2. تقارير أزمة نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025.. كيف قادت الجزائر الهجوم الرقمي على المغرب وحشدت السنغال سرديتها لجلب التعاطف وعمل إعلام مصر على لتشكيك؟ الصحيفة - خولة اجعيفري الأثنين 30 مارس 2026 - 9:00 حوّلت أزمة نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025 ملفا رياضيا محدودا في الزمن إلى معركة مفتوحة على مستوى القارة، لم تُحسم داخل الملعب ولا حتى داخل هيئات التحكيم الرياضية، بل انفجرت في الفضاء الرقمي حيث أعادت منصات إعلامية وشبكات تواصل تقودها سرديات من الجزائر وغرب إفريقيا ومصر صياغة الحدث ضد المغرب، واضعة إياه في موقع "المستفيد من القرار" بدل "المدافع عن القانون" في لحظة كشفت هشاشة القوة الناعمة حين لا تسندها آلة سردية قادرة على التأثير. وتجاوز فعليا ما حدث في نهائي كأس إفريقيا 2025 الذي احتضنته المملكة كونه مجرد نزاع حول مباراة توقفت بسبب أحداث الشغب التي قادتها الجماهير السنغالية والإدارة التقنية للفريق، وما تلاه من قرارات انضباطية إلى كونه تحول عميق في طبيعة الصراع داخل القارة من صراع حول النتائج إلى صراع حول المعاني. فالمباراة، في بُعدها القانوني انتهت داخل نصوص ولوائح، لكن في بعدها الرمزي استمرت خارج الملعب حيث تحولت إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين سرديات متنافسة كل واحدة تسعى لاحتكار "الحقيقة". ووفق مذكرة تحليلية للمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة تحت عنوان "نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025.. من نزاع اللقب إلى رهانات الحكامة والقوة الناعمة والإعلام الرقمي"، تم تسليط الضوء على أزمة نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025، التي شكلت اختبارا حقيقيا لقدرة الدول على توظيف أدوات القوة الناعمة والتحكم في السرديات داخل الفضاء الرقمي. الورقة التحليلية التي تتوفر عليها "الصحيفة"، تعتبر أن المغرب رغم تفوقه على مستوى التنظيم وامتلاكه لسند قانوني واضح لم ينجح بالقدر الكافي في كسب معركة الصورة والتأثير في الرأي العام الإفريقي، في مقابل تصاعد سرديات رقمية وإعلامية معارضة قادتها فضاءات إقليمية مختلفة، أعادت تأطير الحدث باعتباره "ظلما رياضيا" أو "انتصارا إداريا". وترى الورقة أن الرهان لم يعد يقتصر على احترام القواعد أو كسب القرارات داخل المؤسسات، بل أصبح مرتبطا بمدى القدرة على إنتاج خطاب تفسيري مقنع سريع الانتشار وقادر على بناء القبول، داعية إلى إعادة بناء الاستراتيجية التواصلية للمغرب على أساس الجمع بين الحزم القانوني والذكاء الرقمي والانخراط في خطاب إفريقي تشاركي يعزز موقعه كفاعل إصلاحي داخل المنظومة الكروية القارية. الورقة تنطلق من فكرة مركزية واضحة، المغرب لم يخسر المعركة القانونية، لكنه لم يربح معركة الإدراك العام. فبينما كان الخطاب الرسمي المغربي يستند إلى مواد قانونية واضحة تتعلق بمغادرة أرضية الملعب وخرق اللوائح، كانت منصات رقمية وإعلامية تعيد تبسيط القضية في ثنائية جذابة للرأي العام "فوز في الميدان مقابل فوز في المكاتب"، وهذا التبسيط رغم هشاشته القانونية كان أكثر قدرة على الانتشار لأنه يخاطب العاطفة لا النص. في هذا السياق، تظهر الجزائر كأحد أبرز الفاعلين في هذه الحرب السردية، فالورقة تؤكد أن الفضاء الإعلامي والرقمي الجزائري تبنى بشكل شبه منسجم خطابا معارضا للمغرب يقوم على التشكيك في القرار وإعادة تأطيره كدليل على "انحياز مؤسساتي" أو "اختلال في ميزان القوة داخل الكاف". وهذا الخطاب كان جزءا من بيئة معلوماتية مهيأة سلفا لتلقي أي سردية تُضعف صورة المغرب، وهو ما جعل التفاعل معها محدود الجدوى من الجانب المغربي، لذلك، توصي الورقة بعدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة، بل بالاشتغال على تفكيك هذه السرديات ببرودة استراتيجية. لكن المفارقة التي تكشفها الورقة هي أن التأثير الأعمق لم يأت فقط من الجزائر، بل من غرب إفريقيا حيث لعبت السنغال دورا محوريا في بناء سردية "الظلم الرياضي"، وهنا انتقل النقاش من القانون إلى العاطفة، ومن النص إلى الإحساس بالإنصاف. فعدة منصات إعلامية وشبكات اجتماعية في هذا الفضاء أعادت تقديم ما جرى باعتباره اعتداء على نتيجة ميدانية، وليس مجرد تطبيق للوائح، ما جعل المغرب يبدو في أعين كثيرين، كطرف استفاد من قرار أكثر من كونه احترم القاعدة. وتكشف المؤشرات التحليلية التي أوردتها الورقة أن صورة المغرب في هذا الفضاء تراجعت بشكل حاد، حيث انهار التقييم من مستويات إيجابية قبل النهائي إلى مستويات متدنية بعد القرار، في دلالة على أن السردية الرقمية حين تتغذى على العاطفة الجماعية يمكن أن تُسقط حتى أقوى الحجج القانونية. أما مصر، فتقدمها الورقة كحالة أكثر تعقيدا إذ لم تكن هناك جبهة إعلامية موحدة ضد المغرب، لكن النقاش العام كان منقسما مع ميل واضح نحو التشكيك أو التحفظ. فبعض الأصوات تبنت قراءة قانونية متفهمة، لكن الغلبة كانت لنقاشات نقدية أو مترددة ما جعل الفضاء المصري لا يدعم الرواية المغربية بشكل صريح، بل يتركها في منطقة رمادية حيث يختلط الشك بالتأويل. غير أن أخطر ما تشير إليه الورقة ليس فقط قوة هذه السرديات المضادة، بل ضعف الاستجابة المغربية لها، فهي تسجل بوضوح أن الإعلام المغربي خصوصا العمومي، لم يكن في مستوى التحدي، وأن المنصات الناطقة بالفرنسية لم تنجح في اختراق الفضاء الإفريقي والأوروبي بالشكل الكافي، كما أن غياب خطاب تفسيري سريع ومبسط ترك فراغا كبيرا ملأته روايات أخرى أكثر جاذبية للرأي العام. وتذهب الورقة أبعد من ذلك، حين تربط هذه الأزمة بتحول أعمق في طبيعة القوة الناعمة فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بتنظيم ناجح أو حضور دبلوماسي قوي، بل بامتلاك القدرة على إنتاج سردية قابلة للتداول والاقتناع ففي عالم تتحكم فيه الخوارزميات لا يكفي أن تكون على حق، بل يجب أن تكون قادرا على تحويل هذا الحق إلى قصة مفهومة قابلة للمشاركة ومؤثرة. وتشير الورقة إلى أن جزءا من المشكلة يكمن في الخطاب نفسه، حيث بدا أحيانا واثقا أكثر من اللازم أو قابلا للتأويل كتعالٍ رمزي في مقابل ذلك، استفادت السنغال من صورة "الطرف المتضرر"، وهي صورة تستقطب التعاطف بشكل طبيعي داخل الرأي العام وهنا، يصبح الصراع غير متكافئ بين طرف يدافع عن القانون، وطرف يجسد المظلومية، وغالبا ما ينتصر الثاني في معركة الصورة. ومن هذا المنطلق، دعت الورقة إلى إعادة التفكير في كيفية تقديم الخطاب المغربي، ليس فقط من حيث المضمون، بل أيضا من حيث النبرة والأسلوب فالدفاع عن الحق في نظرها، لا يجب أن يتحول إلى خطاب احتفالي أو فوقي، بل إلى تواصل يوازن بين الحزم والتواضع وبين الوضوح القانوني والذكاء العاطفي. وفي خلفية كل ذلك، طرحت الورقة سؤالا أعمق مفاده هل أصبح من الممكن الحفاظ على استقرار المنافسات الرياضية في ظل هذا التضخم في السرديات الرقمية؟ فحين تتحول كل مباراة إلى موضوع تأويل مفتوح، وحين يصبح الرأي العام قادرا على إعادة كتابة النتائج، فإن الخطر لا يهدد فقط صورة بلد معين، بل مصداقية اللعبة نفسها. ومع ذلك، لا تقدم الورقة قراءة تشاؤمية بالكامل، فقد رأت أن الأزمة رغم حدتها، تمثل فرصة للمغرب لإعادة بناء استراتيجيته في مجال القوة الناعمة عبر الاستثمار في الإعلام الرقمي وتطوير قدراته في إنتاج السرديات وتعزيز حضوره في الفضاءات الإفريقية والأوروبية كما دعت إلى الانتقال من موقع الدفاع عن قرار إلى موقع المبادرة، من خلال الدفع نحو إصلاح حكامة الكرة الإفريقية وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرارات.