تقرير روسي: المغرب ينتزع صدارة السياحة من مصر ويكرس نفسه كوجهة عالمية صاعدة    غرينلاند.. الدول الأوروبية المهددة برسوم ترامب تؤكد وحدة موقفها والتزامها الحفاظ على سيادتها    البحث عن 3 مفقودين في جبل توبقال    تيزنيت.. تعليق الدراسة غدا الإثنين في جميع المؤسسات التعليمية بسبب الأمطار الغزيرة    تيزنيت: السيول تقطع المحاور الرئيسية.. والطريق الجهوية 115 "المهترئة" تتحول إلى منفذ اضطراري وحيد نحو أكادير    مسؤول إيراني: عدد قتلى الاحتجاجات 5 آلاف على الأقل    الهوِية أَساس الولاء وروح الإِنتماء للأوطان    شركة ميرسك تعيد تشغيل خطها البحري بين آسيا وأمريكا عبر طنجة    "جيل زد" في الشارع وولي العهد في الخلفية.. قصة إبعاد ممنهج لأخنوش    المشاهب ونظرية الجشطالت: حين يكون الكل أكبر من مجموع الأفراد    الأجل الاستدراكي للتسجيل في اللوائح الانتخابية العامة .. تقديم طلبات التسجيل ما بين 18 و24 يناير الجاري    الطالبي العلمي يمثل جلالة الملك في مراسم تنصيب الرئيس المنتخب لجمهورية غينيا    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية وزخات مطرية وموجة برد ورياح قوية من الأحد إلى الثلاثاء    أسود الأطلس أمام إفريقيا: 90 دقيقة لكتابة التاريخ وتحقيق الحلم الكبير    بني ملال: توقيف شخص عرض ضابط شرطة لاعتداء بسلام أبيض أثناء تنظيم السير        الدرس الافتتاحي: من صدمة التفكيك الفرنسي إلى وعود الحداثة الأمريكية.. نحو أفق مغربي متجدد    بعد ثلاثين عاما من القلق الإبداعي.. إصدار جديد يحتفي بالمرأة قضية للحياة    بعد التألق المونديالي.. "الأسود" أمام فرصة تاريخية لاعتلاء "عرش إفريقيا"    المنتدى العالمي للأغذية والزراعة ببرلين.. المغرب يبرز تجربته في تدبير مياه الري    جوائز جوي أواردز 2026.. الحارس المغربي ياسين بونو يتوج بجائزة أفضل رياضي    الكاف: دياز نجم سباق الحذاء الذهبي            استفزازات وهبي تدفع المحامين لإعلان التصعيد.. وقفة وطنية بالرباط والاستعداد لشل كلي للمحاكم    مسؤول إيراني يؤكد مقتل ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص في الاحتجاجات    إيلان بابيه: حرب غزة أحدثت كيّا في وعي العالم.. والنظام الصهيوني سينهار نتيجة تناقضاته الداخلية    إدارة سجن العرجات 1 تنفي تعرض "اليوتوبر" الجزائري بلقاسمي لأي مضايقات داخل المؤسسة    المغرب ضد السنغال.. خطوة واحدة تفصل أسود الأطلس عن اللقب    تحذيرات سيبرانية بعد تسريب بيانات ملايين مستخدمي "إنستغرام"    واشنطن تعين روبيو وكوشنر وبلير في "مجلس السلام" الخاص بغزة وتدعو أردوغان والسيسي للانضمام له    سيول تعزّز نظام الردع بصاروخ "الوحش"    "الكأس تبقى في البلاد"... هل يعيد أسود الأطلس كتابة التاريخ بعد نصف قرن؟    الشانزليزيه خارج احتفالات نهائي "الكان"    دراسة: تناول الجوز يومياً يحسّن الصحة النفسية لدى الطلاب    المغرب يشارك في المنتدى العالمي للأغذية والزراعة ببرلين    طقس الأحد.. أمطار غزيرة وثلوج كثيفة تعم عدة مناطق بالمملكة    سينما "الطبقة البورجوازية" تفتح الباب لفهم السلطة والمال ورغبات السيطرة    معرض تشكيلي يحتفي بالحرف العربي    ماسك يطالب بتعويضات مالية ضخمة    قبل صافرة النهائي .. المغرب والسنغال يجسدان أخوة تتجاوز كرة القدم    تراجع مقلق للمخزونات السمكية بالواجهة المتوسطية المغربية    باحثون يكتشفون أهمية نوع من الدهون في تنظيم ضغط الدم    الباحثة نجوى غميجة: الكتابة عن السجن فعل أنسنة ومقاومة للنسيان    بورصة البيضاء .. أقوى ارتفاعات وانخفاضات الأسبوع    الهيئة الوطنية للشباب الملكي للدفاع عن الوحدة الترابية تحتفي بإنجازات المنتخب المغربي في الكان 25    اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي البحري تدخل حيز التنفيذ    "المغرب على رفة جناح" .. موسوعة تعرف بالطيور والمسؤوليات تجاه الطبيعة        ارتفاع تكاليف العلاج والمساطر المعقدة ترهق مرضى الضمور العضلي الشوكي وذويهم    الجمعية الإقليمية لمرضى الصرع والإعاقة بالعرائش تعقد الجمع العام    اكتشاف علمي يفتح باب علاج ارتفاع ضغط الدم عبر الدماغ    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جيوسياسة التربية.. هل يمكن للمناهج الدراسية أن تصنع التوازنات الإقليمية؟
نشر في الصحيفة يوم 17 - 11 - 2022


وليد التجوهي
الأحد 7 شتنبر 2025 - 12:49
جيوسياسة التربية.. هل يمكن للمناهج الدراسية أن تصنع التوازنات الإقليمية؟
عندما نتحدث عن الجيوسياسة، ينصرف الذهن عادة إلى الحدود المرسومة على الخرائط، أو إلى خطوط الأنابيب البحرية والبرية، أو إلى التحالفات العسكرية والتجارية... غير أن هذا التصور الذي ظل لسنوات طويلة مهيمنا، يغفل بعدا آخر أكثر خفاء وأعمق تأثيرا، يتمثل في التربية. فالمناهج الدراسية ليست مجرد وثائق تربوية وتعليمية موجهة للمتعلم، بل هي في حقيقة الأمر أدوات استراتيجية لإنتاج الهوية الوطنية، وتشكيل الوعي الجمعي، ورسم صورة الدولة عن نفسها وعن جيرانها. وهنا بالذات يطل مفهوم "الجيوسياسة التربوية"، الذي يفترض أن المدرسة قادرة على أن تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صناعة التوازنات الإقليمية.
فالتربية في بعدها الجيوسياسي، لا تعمل على المدى القصير. فهي ليست قرارا دبلوماسيا ظرفيا، ولا مناورة عسكرية آنية. بل هي عملية تراكمية بطيئة، قد لا تظهر نتائجها إلا بعد عقود، لكنها ترسخ في الوعي الجمعي تصورات قد تحدد مسار الأحداث السياسية لاحقا. ولعل ذلك ما يفسر اهتمام القوى الكبرى بقطاع التعليم بوصفه ساحة استراتيجية موازية للسياسة الخارجية. الولايات المتحدة على سبيل المثال، لم تكتف بانتصارها العسكري بعد الحرب العالمية الثانية، بل استثمرت في صياغة مناهج تعليمية تؤطر "النموذج الأمريكي"، وتصدر قيم الديمقراطية الليبرالية، وتجعل من الحلم الأمريكي خطابا عالميا. الصين بدورها جعلت من التربية أحد أعمدة مشروعها الحضاري، من خلال معاهد كونفوشيوس المنتشرة عبر القارات، والتي تقدم اللغة والثقافة الصينية ليس فقط كمعارف، بل كدعامة رمزية لتمدد نفوذها الدولي.
ما يكتسب خطورة أكبر هو أن المناهج الدراسية تصبح في حالات معينة جبهات للصراع الرمزي، ففي جنوب آسيا مثلا يظل النزاع الهندي-الباكستاني حاضرا في الكتب المدرسية من خلال خرائط متناقضة لإقليم كشمير. في اليابان والصين، تتجدد التوترات كلما ناقش الطرفان كيفية تدريس أحداث الحرب العالمية الثانية. وفي العالم العربي، تتأرجح سرديات التاريخ والجغرافيا بين تأكيد الشرعيات الوطنية وتجاهل السرديات المشتركة. هذه الأمثلة تكشف أن الصراع على الورق قد لا يقل تأثيرا عن الصراع على الأرض، لأن الوعي الجماعي الذي يبنى في المدرسة يحدد كيف يفهم المواطنون حاضرهم وكيف يتصورون مستقبلهم.
من هذا المنطلق، تبدو المناهج الدراسية قادرة على إنتاج "قوة ناعمة" تمهد للنفوذ السياسي والاقتصادي. غير أن الأمر ليس بهذه البساطة. فالمدرسة قد تسهم في تثبيت هوية وطنية، لكنها قد تقع في فخ إعادة إنتاج السرديات المغلقة، التي تقوي التماسك الداخلي لكنها تضعف القدرة على التفاعل الإيجابي مع المحيط. وهنا يطرح النقد نفسه: هل يكفي أن ترسخ المناهج خطابا وطنيا دفاعيا لمواجهة الخصوم؟ أم أن المطلوب هو بناء وعي مرن، قادر على تثبيت الهوية من جهة، والانفتاح على الهويات الأخرى من جهة ثانية؟
الحالة المغربية تقدم نموذجا غنيا لهذا النقاش، فمنذ الاستقلال عملت المدرسة المغربية على ترسيخ صورة الدولة الوطنية الموحدة، وإبراز تاريخها العريق وموقعها الجغرافي المتميز. ومع مرور الزمن توسع هذا الأفق ليشمل إبراز البعد الأمازيغي والإفريقي والمتوسطي في الهوية الوطنية. هذا التوجه يحسب للمغرب، لأنه يحاول الجمع بين التعددية الداخلية والانفتاح الخارجي. لكن في المقابل يظل الطموح التربوي في كثير من الأحيان أكبر من القدرة العملية على تحقيقه. فالمناهج رغم تعديلات متكررة، ما تزال في نظر كثير من الباحثين بطيئة في مواكبة التحولات الدولية: فهي تركز على تثبيت سرديات تقليدية أكثر مما تستثمر في إعداد المتعلمين لمواجهة تحديات العولمة الرقمية، أو التحولات المناخية، أو الصراعات الجديدة حول الذكاء الاصطناعي والموارد غير التقليدية.
كما أن المدرسة المغربية ما تزال تعاني من فجوة واضحة بين الخطاب المعلن والسياسات الفعلية. فمن جهة تؤكد الوثائق الرسمية على التربية على قيم الانفتاح والكونية، لكن من جهة أخرى يظل التلميذ المغربي متأثرا ببرامج دراسية يغلب عليها الطابع التلقيني والوصفي، مما يقلل من قدرته على التحليل النقدي والتفكير الاستراتيجي. هذه الفجوة تحد من إمكان تحويل المناهج إلى أداة فعالة في بناء قوة ناعمة إقليمية. فحتى لو رسخت المدرسة هوية وطنية متماسكة، فإنها قد لا تنجح في إنتاج جيل قادر على توظيف هذه الهوية في علاقاته الخارجية، سواء عبر الدبلوماسية الثقافية أو من خلال ريادة فكرية إقليمية.
النقد هنا لا يعني أن المغرب غائب عن استثمار البعد التربوي جيوسياسيا، بل يشير إلى أن هذا الاستثمار يظل جزئيا وغير متكامل. فبرامج مثل "أكتشف تراث مدينتي"؛ أو إدماج اللغات الأجنبية؛ أو الانفتاح على التاريخ الإفريقي... هي خطوات مهمة، لكنها تبقى محصورة في نطاق تربوي داخلي. لكي تتحول المناهج إلى رافعة جيوسياسية حقيقية، لا بد من ربطها بشكل أوثق بالدبلوماسية الثقافية والسياسات العمومية في مجالات أخرى، بما يجعل المدرسة عنصرا في منظومة متكاملة لإنتاج النفوذ الرمزي.
وعلى المستوى النقدي أيضا، يطرح سؤال جوهري حول طبيعة السرديات التي تبنيها المناهج المغربية. فبينما تعمل على ترسيخ الوحدة الوطنية، فإنها قد تغفل أحيانا أهمية الانفتاح على التعددية في سياقها الكوني. فالمطلوب ليس فقط أن يقتنع التلميذ بشرعية قضيته الوطنية، بل أن يمتلك أيضا أدوات معرفية وحجاجية تسمح له بالدفاع عنها في المحافل الإقليمية والدولية. وهذا يقتضي إعادة النظر في طرق تدريس التاريخ والجغرافيا والفلسفة، بحيث تتحول من مواد تلقينية إلى فضاءات للنقاش النقدي وإنتاج المعنى.
خلاصة القول إذن، إن جيوسياسة التربية تكشف عن بعد جديد في فهم القوة في القرن الحادي والعشرين. فالتوازنات الإقليمية لم تعد تبنى فقط على ما هو عسكري أو اقتصادي، بل أيضا على ما هو رمزي وثقافي. المدرسة بما تزرعه من قيم ورؤى ورموز، تحدد إلى حد بعيد موقع الدولة في محيطها، وتسهم في صياغة صورة مستقبلها. ومع ذلك فإن فعالية هذا الدور تظل رهينة بمدى قدرة السياسات التربوية على الجمع بين حماية الخصوصية الوطنية والانفتاح على الكونية، وبين ترسيخ الهوية وتوسيع آفاقها.
إن المغرب بتراثه التاريخي والثقافي، يملك إمكانات لا بأس بها من أجل تحويل المدرسة إلى أداة استراتيجية لصناعة النفوذ. غير أن هذا يتطلب شجاعة أكبر في تحديث المناهج، وجرأة في إدماج القضايا العالمية الجديدة، وتنسيقا أوثق بين التربية والدبلوماسية الثقافية. حينها فقط يمكن أن ننتقل من مدرسة تكرر سردية دفاعية إلى مدرسة تنتج سردية إبداعية، قادرة على أن تجعل من المغرب فاعلا إقليميا لا يكتفي بالدفاع عن شرعيته، بل يصوغ رؤيته الخاصة للتوازنات الإقليمية.
الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.