د محمد كرواوي الأثنين 30 مارس 2026 - 14:21 لماذا يتعين على المغرب تأسيس محطة وطنية لإعادة التغويز؟ يشهد النظام الطاقي العالمي تحولا بنيويا عميقا، لم يعد فيه التحكم في الموارد الطبيعية وحده كافيا لضمان الأمن الطاقي، بل أصبحت السيطرة على البنيات التحتية المرتبطة بسلاسل الإمداد، وخاصة منشآت تحويل الغاز الطبيعي المسال، محددا أساسيا لإعادة توزيع القوة داخل النظام الدولي. وفي هذا السياق، يطرح تأسيس محطة وطنية لإعادة التغويز في المغرب بوصفه خيارا استراتيجيا يتجاوز الاعتبارات التقنية الضيقة، ليشمل أبعادا تتعلق بالسيادة الطاقية، وأمن الإمدادات، والاندماج في السوق العالمية للغاز. يندرج هذا التوجه ضمن ما يعرف في أدبيات الاقتصاد السياسي للطاقة بانتقال النظام الطاقي من نموذج الاعتماد الأحادي إلى نموذج التعددية الشبكية، حيث لم تعد مكانة الدول رهينة بقدرتها على الوصول إلى الموارد فحسب، بل بمدى تحكمها في مسارات تدفقها وآليات تحويلها. ومن هذا المنطلق، يظل المغرب، رغم موقعه الجغرافي الاستراتيجي، في وضعية اعتماد نسبي، إذ يستورد الغاز الطبيعي المسال دون أن يمتلك بنية تحتية وطنية لإعادة تغويزه، مما يضطره إلى اللجوء إلى محطات خارجية، خاصة في إسبانيا، قبل إعادة ضخ الغاز عبر الأنابيب إلى الداخل. وتكشف هذه الوضعية عن شكل من أشكال التبعية التقنية، حيث يفقد الفاعل الوطني السيطرة على مرحلة حاسمة في سلسلة القيمة الطاقية، بما يترتب عن ذلك من تكاليف إضافية مرتبطة بخدمات التحويل، فضلا عن الارتهان لبنيات تحتية خارج السيادة الوطنية. وعليه، فإن تأسيس محطة وطنية لإعادة التغويز من شأنه أن يمكن المغرب من التحكم الكامل في سلسلة الإمداد، وتقليص الكلفة المرتبطة بالوساطة التقنية، وتعزيز استقلالية قراره الطاقي. إلى جانب ذلك، تتيح هذه البنية التحتية إمكانات واسعة لتنويع الموردين، وهو ما يشكل ركيزة أساسية للأمن الطاقي. فغياب منشأة لإعادة التغويز يحد من قدرة المغرب على الاستفادة من السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، ويقيده بشبكات أنابيب محدودة. في المقابل، يمكن لمحطة وطنية، خصوصا في إطار مشاريع كبرى مثل ميناء الناظور غرب المتوسط، أن تفتح المجال أمام استقبال ناقلات الغاز من مختلف الدول المنتجة، بما في ذلك الولاياتالمتحدة وقطر ونيجيريا، وهو ما يعزز مرونة الإمدادات ويقوي القدرة التفاوضية للمغرب في السوق الدولية. ومن زاوية الاقتصاد الصناعي، تمثل محطة إعادة التغويز رافعة أساسية لتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني، حيث يعتمد المغرب على الغاز الطبيعي في إنتاج ما بين 10 و15 في المئة من الكهرباء، عبر محطات مثل تهدارت وعين بني مطهر. ومن شأن تقليص تكاليف النقل والتحويل أن ينعكس إيجابا على كلفة الطاقة، مما يساهم في دعم القطاعات الصناعية، خاصة تلك التي تشكل فيها الطاقة نسبة مرتفعة من تكاليف الإنتاج. غير أن أهمية هذا المشروع لا تقتصر على البعد الاقتصادي، بل تمتد إلى البعد السيادي، في ظل سياق دولي يتسم بعدم اليقين والتقلبات الجيوسياسية. إذ لا يمكن لدولة تسعى إلى ترسيخ موقعها الإقليمي أن تظل رهينة لبنيات تحتية خارج حدودها لتأمين حاجياتها الحيوية. ومن ثم، تشكل محطة إعادة التغويز صمام أمان استراتيجيا، يتيح للمغرب تقليص مخاطر الانقطاع وضمان استمرارية الإمدادات في مختلف السيناريوهات. وفي أفق التحول الطاقي العالمي، تكتسي هذه البنية التحتية بعدا استشرافيا، حيث يمكن تكييفها مستقبلا لتلائم نقل وتخزين الهيدروجين الأخضر، الذي يشكل أحد أهم رهانات المغرب في مجال الطاقات المتجددة. وعليه، فإن الاستثمار في محطة إعادة التغويز لا يندرج فقط ضمن منطق الاستجابة للحاجيات الراهنة، بل يعكس رؤية بعيدة المدى لإعادة تموقع المغرب داخل منظومة طاقية عالمية في طور التحول. وفي هذا الإطار، يبرز مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط كنموذج تطبيقي لتحول استراتيجي من منطق الاستيراد غير المباشر إلى منطق السيادة الوطنية والتحكم في البنيات التحتية. إذ يمكن لهذا المشروع أن يؤسس لتحول نوعي في موقع المغرب، من مستورد للطاقة إلى فاعل محوري في شبكات التوزيع الإقليمية، مستفيدا من موقعه الجغرافي الرابط بين إفريقيا وأوروبا. وعلى ذلك، فإن تأسيس محطة لإعادة التغويز في المغرب يمثل ضرورة استراتيجية تمليها تحولات النظام الطاقي العالمي، ويعكس انتقالا من منطق التبعية إلى منطق التحكم، ومن موقع الهامش إلى موقع الفاعلية داخل الجغرافيا الطاقية الجديدة. فالقوة الطاقية اليوم لا تتوقف على امتلاك الموارد فحسب، بل ترتبط بالقدرة على التحكم في مساراتها وتحويلاتها، وهو ما يجعل من هذا المشروع ركيزة أساسية في بناء سيادة طاقية مستدامة. كاتب وأكاديمي مغربي الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة