د محمد كرواوي الخميس 19 مارس 2026 - 1:12 كيف تحد الشراكة الموريتانية السنغالية من الهيمنة الجزائرية على سوق الغاز؟ يشهد النظام الطاقي في الفضاء المغاربي الأوروبي تحولا بنيويا عميقا، لم يعد محكوما فقط بمعادلة القرب الجغرافي أو وفرة الموارد، بل أصبح خاضعا لمنطق أكثر تعقيدا يقوم على مرونة التدفقات وتعدد مسارات الإمداد. وفي هذا السياق، يكتسب دخول الغاز الموريتاني السنغالي إلى السوق الدولية عبر نموذج الغاز الطبيعي المسال دلالة استراتيجية تتجاوز كونه مجرد إضافة كمية إلى العرض، ليغدو عاملا مؤثرا في إعادة توزيع موازين القوة داخل هذه السوق. لقد تأسس النظام الغازي في غرب المتوسط، لعقود طويلة، على نموذج الإمداد عبر الأنابيب، وهو نموذج يمنح الموردين القريبين جغرافيا نوعا من القوة الاحتكارية الجغرافية، المستمدة من التحكم في البنية التحتية الثابتة وارتفاع كلفة التحول بين الموردين. وفي هذا الإطار، استطاعت الجزائر أن تحتل موقعا تفاوضيا متقدما داخل السوق الأوروبية، مستفيدة من شبكة أنابيب مباشرة نحو إسبانيا وإيطاليا، ومن استقرار نسبي في تدفق الإمدادات. غير أن هذا الترتيب بدأ يتعرض لاهتزاز تدريجي مع صعود نموذج الغاز الطبيعي المسال، الذي أعاد تعريف العلاقة بين الجغرافيا والسوق. فالغاز المسال، بفضل قابليته للنقل البحري، يحول الطاقة من مورد مرتبط بمسار محدد إلى سلعة مرنة تخضع لمنطق المراجحة السعرية بين الأسواق، وهو ما يفك الارتباط التقليدي بين المنتج والمستهلك، ويفتح المجال أمام تعددية في مصادر الإمداد. وفي هذا السياق، برز الغاز الموريتاني السنغالي كفاعل جديد في السوق الدولية، حيث بلغ إنتاج المرحلة الأولى من مشروع السلحفاة أحميم حوالي 2.5 إلى 2.7 مليون طن سنويا، مع تسجيل ما يقارب 18 شحنة خلال سنة 2025، وتوقعات بمضاعفة هذا الرقم إلى 36 شحنة في أفق 2026. كما قدر الإنتاج بحوالي 3.2 مليار متر مكعب، وهو ما يعكس انتقال غرب إفريقيا من هامش السوق إلى دائرة التأثير الفعلي داخلها. وتتجه هذه التدفقات نحو إسبانيا، ليس باعتبارها خيارا سياسيا، بل بوصفها منصة لإعادة التغويز تمتلك واحدة من أكبر القدرات في أوروبا، في سياق بلغ فيه اعتماد القارة الأوروبية على الغاز المسال حوالي 42% من إجمالي الإمدادات سنة 2025، مع قدرة إعادة تغويز تناهز 338 مليار متر مكعب سنويا. وبهذا تتحول إسبانيا إلى عقدة طاقية مركزية قادرة على استقبال الغاز من مصادر متعددة وإعادة توزيعه داخل السوق الأوروبية. إن هذا التحول يؤدي إلى تراجع ما يمكن وصفه بالريع الجغرافي، الذي كان يمنح الموردين التقليديين قدرة تفاوضية عالية في ظل محدودية البدائل. ومع تزايد العرض العالمي، حيث تمت المصادقة على مشاريع غاز مسال تصل قدرتها إلى 390 مليار متر مكعب سنويا خلال السنوات الأخيرة، مع توقع دخول 325 مليار متر مكعب إضافية بحلول 2030، تتجه السوق نحو فائض نسبي في العرض، يعزز التنافسية ويضعف أي وضع شبه احتكاري. وفي هذا الإطار، يواجه النموذج الجزائري تحديا بنيويا يتمثل في الانتقال من وضعية المورد المهيمن إلى فاعل ضمن سوق متعددة الأقطاب. فعلى الرغم من أن إنتاج الجزائر يفوق 100 مليار متر مكعب سنويا، فإن اعتمادها على نموذج الأنابيب والعقود طويلة الأمد يجعلها أقل مرونة في مواجهة التحولات الجارية، خاصة في ظل تزايد قابلية الاستبدال وتراجع كلفة التحول بين الموردين. غير أن هذه التحولات لا تطرح فقط سؤال تراجع الهيمنة التقليدية، بل تفتح في المقابل أفقا استراتيجيا جديدا أمام المغرب، الذي يجد نفسه أمام فرصة لإعادة تعريف موقعه داخل المنظومة الطاقية الإقليمية. فالمغرب، الذي يرتقب أن يرتفع طلبه من الغاز من حوالي مليار متر مكعب حاليا إلى ما يقارب 8 مليارات متر مكعب في أفق 2027، يمتلك مقومات التحول إلى منصة طاقية إقليمية قادرة على الربط بين إفريقيا وأوروبا. ويقتضي هذا التحول تسريع تطوير البنية التحتية لإعادة التغويز، بما يسمح بالانتقال من الاعتماد الوسيط عبر إسبانيا إلى الاستيراد المباشر، إضافة إلى الدفع بمشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب، باعتباره آلية لإعادة إقليمية التدفقات الطاقية، وربط موريتانيا والسنغال ضمن شبكة قارية متكاملة. كما يتيح هذا المسار للمغرب توظيف الغاز كرافعة للتصنيع، وتعزيز القيمة المضافة الداخلية، وتقوية مناعته الاقتصادية. وعليه، فإن تصدير الغاز الموريتاني السنغالي نحو إسبانيا لا يمثل مجرد تحول في وجهة الإمدادات، بل يعكس بداية إعادة تشكيل عميقة للسوق الغازية في المنطقة، حيث تنتقل القوة من السيطرة على المسارات إلى التحكم في الشبكات، ومن الامتياز الجغرافي إلى القدرة على الاندماج داخل منظومات طاقية مرنة ومتعددة الفاعلين. وفي هذا التحول، تتحدد أدوار الدول ليس فقط بامتلاك الموارد، بل بقدرتها على إعادة توظيفها ضمن بنية إقليمية جديدة قوامها التنافس والتكامل. كاتب وأكاديمي مغربي الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة