قال محمد بولوز عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في تقديمه لمحاضرة قدمها الشيخ حسن الكتاني حول "القرآن والشباب"، السبت المنصرم في إطار دروس سبيل الفلاح بمقر حركة التوحيد والإصلاح، إننا نجتهد في المساهمة في إقامة الدين وإصلاح المجتمع دونما إدعاء لاحتكار هذا الأمر، مردفا ولا شك أن هذه الرسالة تحتج إلى بسط وتحتاج إلى بيان، وإلى بحث دائم عن الشركاء، وعن من يساهم معنا، أو نساهم معهم في هذا المشروع الكبير، وقد اخترنا أن يكون موضوع هذه الحصة هو "الشباب والقرآن"، فالمصطلحان لهما دلالتهما الكبيرة والقوية مشروع إقامة الدين وإصلاح المجتمع. وأردف بولوز فالشباب هو القلب النابض لهذه الأمة، ولأي أمة تريد أن تنهض من سباتها ومن غفلتها، والشباب هو ساعدها القوي وذراعها الذي يمكن أن تبني به الحضارة من جديد، ولا شك أن إرادة العمران تحتاج إلى أداة قوية لهذا العمران، وهي أداة ربانية قوية أنزلها لهذا الغرض بالضبط، وهي القرآن الكريم، حتى يستقيم هذا الشباب وتتضح أمامه السبل، فيسير في طريق البناء، وليس في طريق الهدم. قال الشيخ حسن الكتاني عضو الأمانة العامة لمنتدى المفكرين المسلمين، إن كتاب الله تعالى هو الهدى والنور، وهو دستور المسلمين، الذي تركه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم وصية لنعمل بما فيه. وهذا الكتاب العظيم ملأه الله سبحانه وتعالى بالعلم، الذي يدلنا على ما ينفعنا ففي دنيانا وأخرتنا، ولذلك فقد تواترت التأكيدات من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عليه، وجاءت تلك التأكيدات في صور عديدة. وأردف الداعية الكتاني أن القرآن يهدي إلى الرشد، وإلى الطريق المستقيم، ويهدي إلى الطريق الوسطى بين الغلو والإجحاف، موردا قوله تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما)، فكان هذا هو كتاب الله سبحانه وتعالى، وكان هذا هو الهدى والنور. وقال مدير قسم الدراسات والأبحاث بدار الحكمة للتنمية البشرية والدراسات الإستراتيجية، عندما نتحدث عن الشباب، فنحن نتحدث عن غالبية في البشرية جمعاء، ولما خصصنا الشباب بهذا الأمر، لأنهم هم المحرك للمجتمعات، ولأن الشباب هم أُسُّ التغيير، ولأنه ما من حركة من الحركات إلا وعمادها الشباب، الذين يضحون والذين بحماسهم وقوتهم وحركيتهم يغيرون الأوضاع، ومن هنا يأتي التوصية للشباب بكتاب الله. وتابع الكتاني حديث عن "القرآن والشباب" قائلا، ونحن معاشر أهل الإسلام أحوج ما نكون لتغيير أوضاعنا، فنحن بعد أن كنا أمة تهدي سائر الأمم، ويقتدي الناس بها شرقا وغربا، أصبحنا اليوم في ذيل الركب، بسبب بعدنا عن كتاب الله سبحانه وتعالى، وبسبب ركونا إلى الأرض، وبسبب سوء فهمنا لديننا، فرجعنا إلى القهقرة، وتقدم غيرنا، لأنهم أخذوا بوسائل النصر، ووسائل التقدم، والله تعالى يقول (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا)، فمن أخذ بمفاتيح النصر، نصره الله وإن كان كافرا، ومن ترك تلك المفاتيح، رجع إلى القهقرة وإن كان يصلي ويصوم ليلى نهار، والعزة ليس بهذه العبادات فقط، بل بالكدح والعمل والأخذ بمفاتيح العلوم. ودعا الأستاذ بمعهد قرطبة للعلوم الشرعية الشباب إلى التمسك بالقرآن والدعوة إليه قائلا، لقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بكتاب الله، وعندما انصرف من الحج، توقف عند غدير فخطب خطبة عظيمة، فكان مما قال فيها الحبيب المصطفى، (إني أوشك أن أذهب، وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله، وهو حب ممدود بين السماء والأرض، فعظم كتاب الله، ثم قال وعطرتي أهل بيتي أذكركم الله آل بيتي ثلاث مرات، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا تخلفوني فيهما)، مردفا فانظروا يا معشر الشباب، كيف تخلفون الرسول صلى الله عليه وسلم في كتاب الله تبارك وتعالى؟ ونبه الكتاني إلى أن كثيرا من الناس في الآونة الأخيرة، جعلوا كتاب الله مزامير يُترنم بها، وعطلوه عن العمل، فأصبح كتاب الله تبارك وتعالى عند أهل الإسلام، كما أصبحت التوراة والإنجيل عند أهل الكتابين، يترنمون بها في الكنائس ويتلونها في المحن، ثم إذا جاء العمل والحياة العامة، عطلوه عن العمل، فإذا جئنا لمحاكمنا وإداراتنا وشوارعنا وبيوتنا، وجدنا كتاب الله معطلا، حتى أن الخير فينا من يشتري المصاحف بأجمل الطبعات، ويعلقها في أجمل الأماكن في بيته، أو يضعها فوق ذلك المسند الجميل، فتعطي منظرا رائعا في بيته، أو يعلق لوحات عليها آيات من كتاب الله تعالى، أو يعلق كتاب الله في سيارته ليحفظه، فبدل أن نعمل لحفظ كتاب الله وجعله واقع حيا في حياتنا أردنا من كتاب الله أن يحفظنا، ولكن من غير أن نؤدي له شيئا. وأضاف الكتاني فتجد الرجل والمرأة والطفل جميعا، يأخذون مصحفا صغيرا فيتبركون به، فإما يضعونه في جيوبهم، أو يعلقونه في أعناقهم، أو يضعوه في سياراتهم، وقد كان عليهم أن يفرغوا أوقاتهم لتلاوة كتاب الله، ولتفهم معانيه، ولحفظه، وللعمل بما فيه، فإن الله تعالى لم ينزل هذا الكتاب خلال 23 سنة لنترنم به في الحفلات، ولم ينزله لنقرأه في الجنائز والمدلهمات، ولم ينزله لنعلقه تبركا به، وإنما أنزله هداية لنا وإرشادا (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذا هذا القرآن مهجورا). وأوضح الكتاني أن هجر القرآن على أضرب: الضرب الأول: طائفة تهجر كتاب الله رأسا، فلا تعمل بشيء منه، وترى أنه سبب التخلف والبلاء. الضرب الثاني: طائفة من الناس قالت كتاب الله شيء جميل، فيه حكم، لكن نأخذ منه الأخلاق الفاضلة، أما الأحكام والقوانين وما إلى ذلك فهذه أمور تاريخية زمنية تتغير لا يمكن أن نأخذ بها، فزعموا أن كتاب الله جاء لأقوام فنسخته الأزمان ونسخته الأوضاع، مع أن الرسول أوصانا بالقرآن ولم يحدد زمن من الأزمان، والرسول بنفسه خاتم الرسل. الضرب الثالث: طائفة من الناس أحبوا كتاب الله، ودرّسوه أبنائهم وحفظوه، لكنهم لم يعملوا به، وإنما جعلوه مأكلة يستفيدون فيه ولا يفيدون الناس منه. الضرب الربع: طائفة تدارسوا كتاب الله تعالى، وحفظوه، ولكنهم بدل أن يعظموا العلم الذي في صدورهم، جعلوه وسيلة لاقتناص الأموال من جيوب الكبار وأصحاب الأموال. الضرب الخامس: طائفة وهي قلة قليلة، تدارست كتاب الله، وتمعنت معانيه، ودعت إليه، وطبقت أحكامه في حياتها، وهي الطائفة التي خلفت الرسول صلى الله عليه وسلم بخير في كتاب الله وعملت بوصيته.