إنها ليلة القدر.. الساعات التي ينتظرها المؤمنون العام كلها لتحصيل ثواب هو خير من ثواب ألف شهر.. الساعات نفسها التي ينتظرها آخرون لممارسة طقوس خرافية تنتمي لعالم السحر والشعوذة، بعيدا عن الله، وقريبا من الشيطان... "جديد بريس" تسرب إلى وسط هاته الأجواء المليئة بالبشاعة والجهل، لينقل الصورة لقرائه الكرام، من خلال هذا التحقيق. وبالأسحار هم يستغفرون إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5). جعل الله تعالى للمسلمين مواسم للطاعات، ومن هذه المواسم شهر رمضان الكريم، الذي يشمل أعظم ليلة.. إنها "ليلة القدر". تتعدد فضائل هذه الليلة بكونها مباركة ويكتب الله تعالى فيها الآجال والأرزاق في قوله تعالى " فيها يفرق كل أمر حكيم ". تنزل الملائكة إلى الأرض من أجل الرحمة والمغفرة ، فيها غفران الذنوب لمن قامها واحتسب في ذلك الأجر عند الله عز وجل، في هذه الليلة تكثر الطاعة وأعمال الخير والبر، ولا يخلص الشيطان فيها إلى ما كان يخلص في غيرها فهي سلام كلها في قوله تعالى : "سلام هي حتى مطلع الفجر ". سورة القدر. الآية 5 لكن يختلف الأمر عند بعض الناس ذوي الإيمان الضعيف والأمية المرتفعة ونزول الوعي الاجتماعي، خاصة عند النساء، بتوسل هذه البركة في "الاتجاه الآخر"، حيث تمارس طقوس سحرية في الثلث الأخير من هذه الليلة. باعتقادهم أنها ليلة مصيرية في حياة الإنسان، ويتم ذلك من أجل امتلاك قلب الزوج و"ترويضه" وإحضار "الحبيب" وجلب "القبول" للمحلات التجارية والمناصب السياسية. ويتم اختيار ليلة القدر لتجديد السحر لشدة مفعوله فيها حسب قول المشعوذين ومن يؤمنون بأقوالها. وفي رأي السحرة " تحرر الجن والشياطين من التسلسل في أواخر شهر رمضان يجعلهم أكثر قوة وطاقة. ويكون وقت السحر قبيل الفجر في الثلث الأخير من الليل، وهو وقت مشهود امتدح فيه تعالى "المستغفرين بالأسحار".. بينما يستغفر السحرة ومريدوهم مردة الجن ليبلغوهم مآربهم. من أجل التعرف عن كثب على هذه الممارسات المتخلفة، كانت لنا زيارة ل"الحاجة ش " عرافة/شوافة بمدينة المحمدية ، متخفين في صورة زبناء قصدناها لتكشف لنا عن الحظ و المستقبل! في ضيافة الجهل! ونحن في صالة الانتظار، فوجئنا بتواجد الرجال أيضا. الصالة مليئة بمختلف الأعمار، شباب وشابات ونساء بمختلف المستويات التعليمية والطبقات الاجتماعية، حيث تظهر على هيئة بعضهم علامات الترف والمكانة المرموقة، دون أن ينعكس ذلك على مستوى وعيهم. وبينما كنا في انتظار دورنا تجاذبنا أطراف الحديث مع إحدى المنتظرات، حكت عن هدف مجيئها إلى "الحاجة ش"، كانت زيارتها الثانية، السيدة في عقدها الخامس ترغب في إبعاد ابنها عن زوجته غيرة منها، تتعلل بكونها ربته وكونته، لا يجب أن تأخذه منها أخرى. أمرتها "الشوافة " بإحضار ملابس العروس الداخلية ليمقتها الابن. ليلى، شابة تبلغ من العمر 23سنة، هي أيضا هنا في زيارتها الثانية، ترغب في إحضار الشاب الذي تحبه للزواج منها. أتت بصورة له، واسم والدته من اجل أن تحكم القبضة عليه باستعمال السحر قبل انتهاء العشر الأواخر من رمضان. بين يدي "الحاجة" جاء دورنا، دخلنا إلى مكتب "الحاجة ش" الشوافة، وهو ليس أقل شانا من مكاتب مدراء الشركات. على جدار المكتب علق رأسا خنزير وأيل وصورة للموناليزا. وفي ركن من الصالة الفسيحة وضعت مصاحف وكتب دينية تراثية. أمسكت "الحاجة ش" سبحة بيدها اليمنى، وباليسرى أمسكت بعود صغير تحركه في كوب عسل. "الحاجة"، كم يناديها زبناؤها ومستخدموها، امرأة في العقد الخامس من عمرها، ترتدي لباسا تقليديا (قفطان)، تزين جسدها بالمجوهرات الفاخرة "سرتلة" من الذهب الأصفر البراق، وخواتم كبيرة وأقراط وقلادة تحمل لفظ الجلالة. وتحزم رأسها ب"فولار" فاخر(عكسة) ب(سبنية حريرية)، و تلقي بنظراتها المريبة من خلف نظارات طبية. نظرت في كوب العسل قبل أن أبادرها بالسؤال، وبادرت بالحديث: هناك رجل قريب منك، طويل القامة وأسمر اللون، معجب بك ويرغبك، لكنه لحد الآن لا يعرف ما يريد من الحياة، لأن ظروفه العائلية لا تسمح. واصلت الحديث: لذلك، عليك بالتركيز ودقة الملاحظة لتتعرفي عليه وحاولي أن تجديه قبل "ليلة 27"، لأن " جوادي ناشطين في هذه الفترة". طلبت مني إحضار صورة الشخص المفترض وقدمت لي لائحة من الأعشاب لاقتنائها. انتقلت بسرعة لتخبرني أنه لدي "عكس" ويجب علي فسخه ب"اللدون" (معدن الرصاص).عند خروجنا من المكتب كان علينا دفع مبلغ 50 درهم ثمن الزيارة الأولى كما هو مدون في قائمة الأسعار المعلقة على باب الغرفة . من خلال كلام " الحاجة ش" تبين أنها تعرف جيدا كيف تلفن انتباه ضحاياها، حيث تلعب على نقاط ضعف النساء، وعلى رأسها "ترويض "الزوج وتثبيته، وجلب الحبيب للزواج، ورفع الحسد والعين وغير ذلك... طقوس الزيارة في جوار مكتب "الشوافة" غرفة خاصة بتفجير "اللدون" بعد تذويبه في إناء معدني (كاسرونة) يتم سكبه في إناء به ماء، حيث يقف المعني بالأمر، رجلا كان أو امرأة، مرتديا سروالا سميكا تقدمه مساعدة "الحاجة" ليقيه من الانفجار، هذا ما يسمونه ب"فسخ السحر" وإزالة العين والحسد.. أصبحت زيارة "الحاجة" بالموعد، بل إن على الحاضرين استلام رقم خاص و الجلوس في قاعة الانتظار حتى يحين دورهم . قبل خروجنا من مقر "الحاجة" سألنا المساعدة الخاصة بها عن سبب تواجد رجال أيضا، فأجابت: "معظم الرجال يأتون من أجل القبول لمحلاتهم التجارية و المقاهي ويكون ذلك عبر "قفل" المحل، أما المثير في الزبائن فهو فئة أخرى تأتي من أجل "تحصين" مناصب سياسية، ودفع "عيون" الخصوم السياسيين. الدعم اللوجيستي يومين فقط قبل ليلة 27 من رمضان، توجهنا إلى "الجوطية " الجناح الخاص بالعطارة، حيث وجدنا إقبالا كبيرا على محلات لشراء وصفات إعداد أعمال السحر و الشعوذة، التي تقدجم الدعم اللوجيستي للسحرة، إن جاز التعبير. معظم المحلات تعرض حيوانات محنطة مقززة، كالأفاعي والجرذان والطيور والقنافذ وريش الطيور والحرباء، و بعض المعادن، وبدا المكان مكتظا بالنساء. توجهنا إلى أحد الدكاكين قصد شراء الأعشاب التي ألحت الحاجة على شرائها، وفي مدخل الدكان شموع بمختلف الألوان و الأشكال، وجلود حيوانات وأعشاب مثل حبة البركة، والحرمل والجاوي والفاسوخ. بعد ما قدمنا اللائحة المقصود شراء محتواها للبائع، سألناه على سبب تواجد النساء بهذه الكثرة في "السويقة"، فقال: "معظم الزبائن هن النساء يقبلن لشراء الوصفات السحرية ضد أزواجهن"، سألناه عن الوصفات التي يبيعها، فاسترسل في الحديث : "السبرديلة، والدبانة الهندية، وأظافر الهدهد، و"الساكتة والمسكوتة" توضع في الشاي ليشربها الزوج، أما "لسان الحمار" يوضع في الكسكس، وحبة "باخة" قالها وعلق عليها بجملة طريفة "لي طلبتي يقول واخا". سألناه عن الفرق بين الأيام العادية و أواخر شهر رمضانفقال: "ترتفع المداخيل خلال "لعواشر" و بالخصوص "ليلة 27" إلى ثلاثة أضعاف، وأكد لنا أنه لا يؤمن بأعمال الشعوذة وأن بيعه للمنتوجات المستعملة فيها لا يعدو طلبا للرزق، "لعيالات هما لي كنديرو معاهم لاباس" هكذا علق العطار.