أوروبا تصنف "الحرس الثوري" إرهابيا    السيمو: تعبئة شاملة بتعليمات ملكية لمواجهة خطر فيضانات القصر الكبير    الجيش الجزائري يقتل 3 مواطنين مغاربة    سفارة إسبانيا تقدّم "البرنامج الثقافي"    جيرار لارشي: الروابط بين فرنسا والمغرب يمكن أن تشكل مرجعا لإرساء علاقة متناغمة بين ضفتي المتوسط وبين أوروبا وإفريقيا    إغلاق مطار سانية الرمل بتطوان مؤقتا بسبب التساقطات المطرية الكثيفة    المكتب الوطني للمطارات يعلن تعليق الأنشطة الجوية بمطار تطوان    البرتغال.. خمسة قتلى وانقطاع واسع للكهرباء بسبب العاصفة "كريستين"    نشرة انذارية تحذر من اطار قوية قد تصل الى 120 ملم    الاتحاد الصيني لكرة القدم يعلن عقوبات صارمة ضد التلاعب والفساد    استئناف جزئي لحركة الملاحة البحرية بميناء الجزيرة الخضراء بعد سوء الأحوال الجوية    معارضتنا الاتحادية، المحكمة الدستورية والإعلام .. لا نخشى في الحق لومة خصم أو صديق    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    الارتفاع يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    مدرب النجم الساحلي التونسي عفوان الغربي يستقيل بعد أربعة أيام من تعيينه    بعد ضياع حلم كأس إفريقيا.. من يشرح للمغاربة ماذا حدث؟    توشيح الأستاذ محمد المغاري بوسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الممتازة        عملية رعاية .. أزيد من 1300 مستفيد من قافلة طبية متعددة التخصصات بورزازات            دوري أبطال أوروبا.. حارس بنفيكا يقر بعدم إدراكه حسابات التأهل في لحظات جنونية    قرارات انضباطية مثيرة للجدل عقب نهائي ال "كان" بين المغرب والسنغال    مايكروسوفت تتخطى توقعات إيرادات خلال الربع الأخير من 2025    تحذير فلسطيني من استهداف "أونروا"    المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدعو إلى اعتماد اقتصاد رعاية مندمج ضمن الاستراتيجيات القطاعية والترابية    الملك محمد السادس يطلع على تقدم سير العمل بمشروع المركب المينائي والصناعي الجديد الناظور غرب المتوسط    فيتنام وأوروبا يرقيان التعاون التجاري    العدوان الامبريالي على فنزويلا    "تويوتا" تحتفظ بلقب أعلى شركات السيارات مبيعا في 2025    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    "مايكروسوفت" تتخطى التوقعات بإيرادات بلغت 81.3 مليار دولار خلال الربع الأخير من 2025    محمد المهدي بنسعيد ينفي الاتهامات الخطيرة وغير المسبوقة الموجهة إلى شخصه والمرتبطة بملف معروض على أنظار القضاء    السعدي: الاقتصاد الاجتماعي والتضامني أحدث أزيد من 24 ألف منصب شغل خلال 2025        فرنسا تمهد لتسليم قطع فنية وتراثية منهوبة    متوسط العمر المتوقع يبلغ أعلى مستوى في أمريكا        الجيش الملكي يودّع نصف نهائي كأس أبطال السيدات بخسارة ثقيلة أمام أرسنال    كأس أمم إفريقيا بالمغرب تحطم أرقاماً قياسية رقمية وتتجاوز 6 مليارات مشاهدة    الكاف تصدر قرارها بخصوص احداث مقابلة المغرب والسنغال        فرنسا.. مجلس الشيوخ يقر قانونا لإعادة قطع فنية وتراثية تعود للحقبة الاستعمارية إلى دولها الأصلية    عالم جديد…شرق أوسط جديد    المال العام تحت سلطة التغول الحزبي: دعوة للمساءلة    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كتاب: مشاهدات في الشاوية ودكالة والرحامنة


الحلقة: 6
ما يسمى وساطة الأولياء، أو «الشفاعة»، تُجعَل لتسويغ حركة الزوايا في الإسلام 2/2
يعتبر إدمون دوتي (1867-1926) من أبرز الكتاب الأجانب الذين اشتغلوا بالتعريف بالمغرب في إطار مهام استطلاعية واستعمارية معلومة. أصدر إدمون دوتي كتابه «مراكش» في سنة 1905، فكان واسطة بين مؤلفاته السبعة المذكورة. وهو كتاب ذو ملمح رحلي، جاء يرسم مسار مؤلفه الذي قاده من الدار البيضاء إلى أبواب مراكش، مروراً بالجديدة وآسفي ودكالة وبلاد الرحامنة وبلاد الشاوية. وقد جاء الكتاب في فصول ثلاثة واشتمل على مجموعة كبيرة من الصور التي يعود معظمها إلى المؤلف نفسه، وجاء حاملاً طابع أكاديمية الرسوم والآداب الجميلة. إنه كتاب يصور جانباً كبيراً من عادات وتقاليد المغاربة في ذلك الزمان وجانباً كبيراً من معاشهم، ويجعل حاجة كبيرة إلى ترجمته للقارئ المغربي المعاصر.
**-**-**
3 - أم الربيع – أزمور
جئنا إلى ضفة وادي أم الربيع في حوالي الساعة الثالثة والنصف. واسم الوادي يعني، حسب التفسير الشائع، «أم المراعي» أو «أم الربيع»، وهما تفسيران غير مقنعين كثيراً هما الاثنان. والاسم يُجعل في النطق المغاربي «موربيع»، وهي الصورة التي أجاد وايسجرير رسمها له، ويسميه الحسن الوزان «Ommirabih»، ويجعله مارمول «Umarabea»، ويجعله مويت «Marbea»، ويجعله هوست «Omarbà»، ويجعله علي باي «Morbéa»، ويجعله ث. فايشر، حسب ما يفيدنا شينيي ولومبريير «Morbeya». وأما نحن فقد فقد اعتمدنا له صيغة كتابة اسمه في العربية الفصحى، وإن نكن نصدر عن مبدإ في اعتماد الرسم المتناسب وصواتة اللغة الدارجة، لكننا نجد اسم «أم الربيع» يكاد يكون هو الاسم التقليدي المعتمد من لدن سائر الجغرافيين.
يجري أم الربيع مندفعاً في سرير ضيق، لكن نحس أنه عميق، وهو يبدو بحق، بمياهه العكرة من الوحل يقتلعه من الحواف في عاليته، نهراً غاية في العظم. وعلى الضفة المقابلة تقوم أسوار البنايات العتيقة التي أقامها البرتغاليون في أزمور مشرفة بصورة عمودية على الوادي وتلوح كأن ظلالها القاتمة تسبح فيه، وأما أعالي تلك الأسوار فبيضاء بما يتزاجم فوق قممها من مئات اللقالق. وقد كان يُتوسَّل إلى عبور الوادي بثلاثة قوارب كبيرة، فكنا نتوجه نحو رصيف الركوب الذي يقوم، بحكم سرعة التيار، في عالية الموضع الذي نترجل فيه. وهو مكان تعمه فوضى عارمة كما هو معهود عند كل تجمع للمسلمين، وتختلط فيه الدواب ببني البشر، ومجموعة من القوافل تنظر دورها للعبور، وما أكثر ما يطول الانتظار، لأن تحمل الجياد والبغال والجمال خاصة، أمرٌ صعب دون الاستعانة بأي وسيلة من الوسائل، وفي ذلك الخضم من الفوضى وصياح أصحاب البغال والجمال الذين يريدون بطبيعة الحال أن يأمروا جميعاً في دوابهم في وقت واحد. ولتزد إليها النقاشات الحامية التي ترتفع بها أصواتهم في تداول الأسعار، وكل يسعى في استغفال صاحبه، وزعيق الدواب والصياح الذي يصدره السوقة لاستثارتها، وستحصل على صورة لذلك المشهد الضاج المضطرم، فيما الوادي يمضي يقلب أمواجه السريعة والصامتة.
مجرى أم الربيع
لقد درج الخرائطيون منذ وقت طويل على رسم مجرى وادي أم الربيع في قسمه السفلي الذي يقوم فاصلاً بين الشاوية ودكالة على هيأة شبه مستقيمة. وما أمكن تصحيح هذه المعلومة إلا في السنوات الأخيرة، من لدن كل من [ف] وايسجربر وث. فيشر؛ فقد جاءا برسم تقريبي لمجرى الوادي يبدو فيه شديد تعرج، حتى ليكون أقرب في تعرجاته إلى نهر السين في القسم السفلي من واديه. وجاء ث. فيشر على المنعطف الذي في بولعوان على سبيل التشبيه بمنعطف مازيل في ماريينبورغ.
يصير وادي أم الربيع عند بولعوان، على بعد 60 كلم من مصبه، على هيأة حرف «S»، ويكون إحدى انعطافات مجاريه شبه مغلقة، وفي وسط هذا المنعطف هضبة عالية تقوم فوقها قصبة قديمة يمكن للمرء أن يظل منها على الوادي المتوحش والمتعرج والمنخفض الذي يجري فيه النهر مسرعاً وكدراً، فإذا أمطرت صارت مياهه الوادي ضاربة إلى الحمرة. فالناظر إليه من فوق الأبراج المسننة للقصبة يراه منظراً غريباً؛ فتلك الخرائب المترامية والمنحدرات الجبلية الوعرة والخلاءات الموحشة التي تمتد لا يحدها البصر والخيوط التي يرسمها السيل بأمواجه القانية المصطخبة، كلها عناصر تدخل في تشكيل مشهد يملأ النفس رهبة وكآبة. ثم ينكمش الوادي على نفسه كثيراً، حتى إننا ليخيل إلينا وقد بلغنا دكالة أن بولعوان إنما توجد على الضفة الأخرى، عند الشاوية. وهذا خطأ وقع الخرائطيون حقاً. ذلك بأن الوادي الضيق الذي يجري فيه أم الربيع يشكل فجوة حقيقية يخترق الهضبة الهرسينية. ولو تأخر النهر، كمثل نهر السين، في تعرجات متفرقة، فلن يسقي، مثل السين، وادياً عريضاً وخصيباً. والشيء يكاد يكون في واديه وفي مجراه؛ فالحواف المتآكلة في تلك الهضبة تشد بخناق مجراه من كل جانب، حتى إننا لا نكاد على بعد مائة متر نستبين للنهر وجوداً. وإن من شأن مياه أم الربيع أن تسقي منطقة مترامية الأطراف وتجعلها خصيبة، والحال أن تلك المياه تجري وسط تلك الهضبة، فتارة تكون ممرعة وتارة جافة ماحلة، لكنها في سائر نواحي تشطو من نقص السقي، فالوادي لا يمنحها الرواء الذي كانت سيتصير إحدى أغنى الأراضي في العالم.
وادي أم الربيع
الروافد التي تصب في وادي أم الربيع عند مروره في السهول الواقعة جنوب الأطلسي لا تكاد تزيد شيئاً إلى منسوبه، فلا تزيد عن أودية وعرة وضيقة؛ فهي تكون سيولاً جارفة لبضعة أيام في السنة، وأما في معظم الأوقات فتكون جافة. والوادي يصعب عبوره في سائر نواحيه؛ فهو عميق فيها جميعاً، ولا تجد فيه موضعاً يقل منسوب الماء فيه عن المتر في المواسم أشدها جفافاً، وكذلك يكون التيار فيه كله قوياً، ويكون سيولاً جارفة على مقربة من بولعوان. ويمتد الوادي من مشرع بن خلو حتى البحر؛ أي خلال مجراه السريع، وهو يجتاز السهول، بطول 150 كلم، يبلغ فيها من العمق ما يزيد عن 275 متراً. ولذلك فإذا كان وادي أم الربيع يسعف على الملاحة بعمق مياهه، فإن تلك الملاحة تعيقها قوة التيار، الذي لا يقل، حسب التقديرات التي جاء بها المؤلفون الذين سبق إشارتنا إليهم، عن ثلاث عقدات وربع العقدة في الساعة.
المعدية
كان عبور أم الربيع، ولا يزال، يشكل للمسافرين المغاربة مشقة لا يستهان بها. حقاً أن في أزمور وفي مشرع بن خلو توجد قوارب تسعف على عبور الوادي في معظم الأوقات، لكن ينبغي القول إن القوارب التي في هذا الموضع تشكو من شتى العيوب، وأما المعابر في ما عداه من المواضع فتحفها الصعاب. وقر اعتاد الناس على عبور الوادي في تلك المواضع باستعمال أطواف أو «معديات» يتخذونها من بعض الأعمدة يشدونها إلى بعضها ويعضدوها بمجموعة من القرب المنفوخة بالهواء. فأنت ترى هذه المعديات على امتداد الوادي. وأما أهالي بولعوان القائمة على ضفتي الوادي، فإنهم يضطرون إلى عبوره سباحة في كل الأوقات، أكان بغرض التزاور أو للذهاب إلى أعمالهم. ولذلك اعتادوا أن يحملوا على أكتافهم قربتين منفوختين من فروة الخروف، فإذا عزموا على عبور الوادي خلعوا عنهم ثيابهم وجعلوها فوق رؤوسهم، ثم يعتمدون على القربتين المشدودتين بحبل، وجعلوا يقطعون الوادي في هذا المكان الضيق والعميق. وقد كان استعمال هذه المعديات مثاراً لاستغراب الأوروبيين القلائل الذي زاروا بولعوان وتركوا لنا روايات عن رحلاتهم.
ونذكر من جملة هؤلاء من الفرنسيين [لوي] دي شينيي المكلف بشؤون الملك لدى سلطان المغرب، وقد كانت له زيارة لبولعوان في شتنبر 1781، وكتب فيها : «توجد بقرب الوادي قريةٌ، ثم نرى قرية أخرى على مقربة من الوضع الذي منه نعبر النهر، وتضم كل واحدة منهما قرابة مائتي بيت وكوخ مغطاة بالقصب، وهي مشيدة من قطع من الحجارة قد جعلت فوق بعضها لا يشدها إسمنت... والقصبة توجد في مهب الريح وفي واد جاف ماحل بما يضفي عليها مسحة من الرهبة... فلما هممنا بعبور الوادي لم يكن بأيدينا غير طوف اصطنعناه في حينه من قرب نفخناها وشددناها إلى جذوع الأشجار بشرائط من سعف النخيل، وجعل عدد من المغاربة يسندون بأكتافهم ذلك الطوف الواهي ويعينونه على المسير، وقد كان التيار سريعاً فانحرف في رمشة العين [عن مساره] ميلاً كاملاً. والأهالي يستعملون هذه الأطواف لعبور الوادي وكذلك ينقلون عليها أغراضهم، وأما الدواب فيدفعها السائسون في الوادي فتعبره سباحة. وقد كان منسوب الماء قليلاً في شتنبر 1871 بسبب الحر، فأمكنني أن أعبر هذا الوادي الجارف مشياً على القدمين، وهو أمر لم يعهده الناس منذ خمس وعشرين سنة خلت». ولا تزال الأمور اليوم على نحو ما صور شينيي، ويندر اليوم كما في الماضي أن تسنح المناسبات لعبور وادي أم الربيع سيراً على الأقدام.
قناطر على أم الربيع
لقد سعى سلاطين المغرب كثيراً في ربط ضفتي وادي أم الربيع ببعضهما، وتوجد في عاليته قنطرة تصله بقصبة تادلة. ويبدو أنه قد كانت هنالك قنطرة أخرى في مشرع القنطرة عند تخوم الرحامنة. ولا تزال ترى في مشرع الكرمة، على مقربة من بولعوان، الكثير من الحجارة المقدودة مكومة بجوار الموضع الأضيق من الوادي تدل على أنه قد كانت النية في بناء تشييد قنطرة جميلة في هذا الموضع. ولاشك أن هذه القنطرة كانت شيئاً لازماً وقت أن كانت بولعوان، تلك القصبة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى، لا تزال تحت الاحتلال. وقد تكون سرعة التيار حالت دون إتمام ذلك البناء. وأما في الوقت الراهن فإن إقامة قنطرة من عقد واحد قد أصبحت على صناعتنا من الأمور السهلة الميسَّرة.
عبور أم الربيع
ومصلحة عبور الوادي في أزمور على قدر لا يستهان به من التنظيم، لكن تعاني في معظم الأحيان من شدة الازدحام؛ فهذه من الطرق التي يكثر عليها الإقبال في المغرب. وكذلك وجدناها يوم أن اعتزمنا عبور الوادي، ولزمنا أن نلبث منتظرين أن يحين دورنا. وقد كان الاحتمال كبيراً أننا سوف لا نفلح في العبور إلا مع مغرب الشمس، لكن المحسوبية والرشوة شيئان لا تعدمهما في البلاد الإسلامية؛ فبضع كلمات تبادلناها مع أصحاب العبارات ووعدنا لهم بإكرامية إضافية كانت كافية ليبادروا بخشونة إلى إزاحة الجميع من أمامنا وليفسحوا لنا للمرور أولاً في استخفاف بحقوق الآخرين. إن عمال العبَّارات موظفون لدى المخزن الذي احتكر لوحده مصلحة عبور الوادي بواسطة القوارب. وقد عبرنا الوادي في تلك اللحظة في موضع ربما كان عرضه ما بين خمسين وستين متراً. وكان الإنزال بجانب الأسوار العتيقة، التي سرنا صعداً بمحاذاتها إلى أن جئنا إلى أحد أبواب المدينة.
أزمور
ومدينة أزمور، كشأن المدن الإسلامية غير التجارية، تبدو كئيبة لا تغري بالزيارة؛ فهي تعج بالبنايات الخربة وبالأطلال، لكن المدينة تمتلئ بالجدران ساطعة البياض، بحيث تصرف الأبصار عن كل تلك المظاهر من الفقر. والسوق لونه عجيب؛ فالناظر إليه من بعيد على خلفية من حي مولاي بوشعيب، يراه يشكل لوحة في غاية الأناقة تحت ضوء وهاج لكن بسيط، بحيث يتعايش الهدوء والحركة والصمت والضجيج بطريقة طبيعية، فكل العناصر تبدو منغمرة في جو من السكينة والهدوء.
وأزمور من المدن الساحلية النادرة التي لم تدنس بوجود الكفار؛ فلا يقيم بها غير أوروبي واحد، وقد التقيناه في السوق؛ وهو رجل طويل أشقر يرتدي بذلة ويحتذي من الران. وقد مررنا بقربه فرفعنا أيدينا إلى قبعاتنا لتحيته، لكنه أشاح عنا بوجهه ليلاَّ يرد إلينا التحية. إنه مبشر مسيحي، وقد جاء ههنا ليدعو إلى حب القريب.
ولا تزال تجد أزمور تعج بالمآثر التاريخية؛ فالأسوار من حولها أسوار برتغالية، تحيط بما يسمى «لْمدينة»؛ وهي المدينة بالمعنى الحقيقي. ولهذه «لمدينة» ثلاثة أبواب تطل بها على ما زيد إليها من التجمعات السكنية الحضرية، وهي : باب الملاح وباب الواد وباب لمدينة. والقصبة تقوم داخل لمدينة، وهي تتألف من بنايات برتغالية قديمة. ومن حول لمدينة تقوم بقية المدينة التي تسمى ب»الزاوية»، نسبة إلى [ضريح] مولاي بوشعيب الموجود في قمتها. وإذا اتجهنا ناحية الشرق، تعامدياً مع وادي أم الربيع، وجدنا الخندق البرتغالي لا يزال على حاله لم يطرأ عليه تغير. وخارج السور البرتغالي يقوم سور آخر أقدم منه وقد بات خراباً، لا تزال ترى أحد الأبراج فيه قائماً إلى جانب الوادي. وذلك هو، حسبما قيل لنا، سور المدينة القديمة. وقد يكون البرتغاليون وجدوه مفرط الكبر فاستعاضوا عنه بسور جديد أقاموه في الداخل. ومن المحتمل أن يكونوا حوَّلوا قسماً من المدينة عن موضعها. ويطالعنا خارج السور القديم بناءٌ عتيق يلوح أنه من زمن ذلك السور نفسه.
والضواحي القريبة إلى المدينة آية في السحر، فأنت تسير فيها تسلك سبلاً جميلة تتخلل حقولاً ترويها نواعير معظمها تديره الجمال. وأما الساكنة فيغلب عليها التعصب؛ وما أكثر ما يسمع الأوروبي من يصيح : «ينعل بوك». ومهما يكن الأمن مستتباً في المدينة فإن التجول في مثل هذه الظروف أمرٌ لا يبعث على الارتياح. ولست أعرف هل السكان لا يزالون كما كانوا على عهد الحسن الوزان متحررين في عاداتهم، لكن المؤكد أنهم قد ازدادوا تعصباً.
وتعمر أزمور جحافل من طيور اللقلق؛ فهي تأتي في المساء لتحط ألوفاً على الأسوار وفوق الأبراج في المدينة البرتغالية القديمة. وترى ذلك الطائر الحزين وهو يحط فوق تلك هذه المآثر القديمة في مشهد لا ينسى. وإذا غابت الشمس وعم الهدوء المدينة سمعت تلك الطيور وهي تملأ الجو بضجيج مشؤوم تبعثه اصطفاقات مناقيرها.
مولاي بوشعيب
وليُّ هذه المدينة هو مولاي بوشعيب، حتى إن المسلمين لا يسمون مدينة أزمور إلا باسم [مدينة] مولاي بوشعيب. و»مناقب»ه، أي الكتاب المشيد بخصاله، موجود في هذه المدينة. وقد بذلنا وسعنا للحصول على نسخة مكتوبة منه، لكن دون جدوى. غير أننا لا نفتأ نسمع حديثاً عن هذه المناقب. فهذه واحدة تحكي أن أحد الأعراب كان مصاباً بالكساح، وأنه تردد على عدة أطباء فلم ينفعوه بشيء، ثم حُمِل إلى مولاي بوشعيب، وكانت المفاجأة أن هذا الرجل الأمي قد شرع ينشد أشعاراً في تمجيد الولي. وبيْنا هو ينشد تلك الأشعار إذ انشقت القبة، فإذا الرجل يسلم ساقيه للريح؛ وقد شفي من الكساح. وقد كان ذلك الشق لا يزال موجوداً إلى وقت قريب، ثم جرى ترميم القبة، لكن لا تزال تستبين له أثراً فيها.
سيدي بن داود
ويُحكى، حسبما سمعنا من فيه أحد المتحدثين، وكان لين الجانب، أن سيدي بن داود، وليَّ قبيلة أولاد سيدي بن داود، إحدى قبائل الشاوية، ومولاي بوعزة من منطقة الغرب قد كانا، من قبل أن يتبوآ منزلة الوليين، من كبار قطاع الطرق. وقد كانا إذا بصرا بالمسافر المنفرد أو المسافرين الاثنين، ينبطح بن داود في الطريق ويتغطى برداء، ويقول بوعزة للمسافرين إن سوء الأقدار قد ساقتهما إلى هذا المكان وإن «هذا الرجل قد مات للتو، فلتعنِّي على حمله إلى الدوار القريب». وعلى هذا النحو يمضيان بالمسافر إلى مكان منعزل، وهناك يستفيق الميت ليتعاون ورفيقه على تنفيذ ذلك الجرم. لكن اتفق لهما ذات يوم أن تعرضا لمولاي بوشعيب، وكان يسافر منفرداً. وقد طلب منه بوعزة أن يساعده على حمل الميت، فقال له مولاي بوشعيب : «فلننظر أولاً هل هو ميت فعلا». وأماط بوعزة الغطاء عن بن داود، فتراجع من هول ما رأى؛ فقد رأى جسد بن داود تأكله الديدان. ومنذ ذلك اليوم أصبح بوعزة خادماً لمولاي بوشعيب. وقد مضى به هذا الأخير حتى جاءا إلى ضاية وطلب منه أن ينتظره هناك. ولبث بوعزة في ذلك المكان لم يتزحزح عنه سنة كاملة، إلى أن نبت الطحلب فوق كتفيه. ولم يكن يطعم غير العشب الذي ينبت تحت قدميه. حتى إذا اكتملت السنة، رجع مولاي بوشعيب، وقد سره أن يجد تلك الطاعة من مريده الجديد، فاصطحبه معه إلى أزمور حيث عاشا معاً. ويزيد محدثنا قائلاً إن الناس أصبحوا يوقرون سيدي بن داود لأن موته كان بسبب من مولاي بوشعيب، ويوقرون مولاي بوعزة لأنه كان له مريداً.
على أنني أورد ههنا هذه الخرافة التي تدور عن سيدي بن داود، وإن كنت فيها متحفظاً والعهدة على من سمعتها من أفواههم؛ ذلك بأن كتاب المناقب المتخصصين يختلفون كثيراً في حديثهم عن سيدي محمد بن داود الشاوي، الجد الأكبر لأولاد سيدي بن داود، ويخلدون خصاله ومآثره. وقد عاش مع الشيخ أبي الحسن علي بن إبراهيم [البوزيدي]، الذي يشاركه الانتساب إلى أولاد بو الزين، وماتا متقاربين [جاء عند المؤلف أنهما دفنا مجتمعيْن : «ils furent enterrés ensemble « !!]. وقد كان يتناشدان أشعاراً من الملحون وينبئ فيها الواحد منهما صاحبه باقتراب أجله. ومن خلال التغني بتلك الأشعار كان لقاء سيدي بن داود بقرين له في القداسة؛ ذلك سيدي رحال الكوش، الذي قدم إليه من نواحي مراكش. وقد اتفق لسيدي رحال أثناء رحلته أن مر بوادي أم الربيع فوجده حاملاً، فأنشد قصيدة انشقت لها مياه الوادي وأفسحت سبيلاً يَبساً عبر منها الولي ومن معه. فكانت رحلة أروح من ركوب المعدية في بولعوان أو ركوب القوارب في مشرع بن خلو.
قضية الأولياء الثلاثة
فأزمور، كما رأينا، قد كانت منذ القدم أرض «المجاهدين»، الذين كانوا يذودون عن الإسلام ويلقون بالكفار إلى البحر. لكن الأمر لم يسلم عندهم من كر وفر على مدى طويل. وقد كان من الهزائم القاسية التي منوا بها واقعة خطف ثلاثة أولياء. فقد أخلى البرتغاليون من أزمور في سنة 1545م، وتردد شريف مراكش في احتلالها، لأن البرتغال كانوا لا يزالون يمسكون بالجديدة، تحت إمرة قائد يقظ في ذلك الوقت، هو لويس دي لوريرو. وتشكلت قوات مسلمة بزعامة ثلاثة أولياء، وسعت إلى احتلال أزمور. أول هؤلاء الأولياء هم أبو محمد عبد الله بن ساسي من أولاد بوسبع، والذي لا تزال زاويته قائمة على واد تانسيفت، على بعد حوالي 20 كلم من مراكش على طريق تاملالت. وإلى هذه الزاوية التجأ الشريف أبو العباس في سنة 1543 بعد أن خلعه أخوه محمد الشيخ من الملك، وعلى مقربة منها وقع ذلك اللقاء الشهير بين الأخوين، وعلى أثره صرف أبو العباس نظره كلياً عن الملك واعتزل في تافيلالت. وأما الولي الثاني فهو أبو محمد عبد الله الكوش الشهير دفين جبل العرض قرب فاس بجانب باب الكيسة، وكذلك توفيت ابنته في هذه الأجواء ودفنت في مراكش بجوار الكتبية. وقد كان مكلفاً بمطبخة أحد كبار الأولياء، وقد جاءتنا كتب التراجم بتفاصيل فريدة في هذا الموضوع. وأما الولي الثالث فهو سيدي أبو عبد الله محمد كانون، من أولاد مطاع، إحدى قبائل الغرب. وقد التقاه الحسن الوزان بأمزميز في الجنوب الغربي من مراكش. وقد تحصن الأولياء الثلاثة بأزمور مع قواتهم وعدد كبير من المسلمين. لكن كانت للويس لوريرو غارة خاطفة بالليل، فاقتحم عليهم أزمور فنهبها واعتقل الأولياء الثلاثة. ولزمهم أن يفتدوا أنفسهم بفدية حددت في اثنين وعشرين ألف مثقال ذهبية. ولزمهم أن يتركوا أولادهم رهينة إلى أن يتأتى لهم سدادها. وقد عادوا إلى مراكش «فأمكن لهم أن يقابلوا هناك السلطان الذي تولوه أن يأذن لهم في جمع فديتهم من الصدقات، حتى إذا أذن لهم فيها، فانبروا للقيام بذلك العمل بكثير من المشقة، إذ كان رأي الناس أن بأيديهم من الوسائل ما يقدرهم على أن يدفعوا تلك الفدية ويبقوا بعدها أغنياء».
أولياء أزمور
يمكن لكتاب المناقب أن ينشئوا كتاباً عظيماً عن أولياء أزمور، ولربما تجد بعض المتون المحلية قد كتِبت في هذا الموضوع. فنحن نسمع بأسماء بعض الأولياء؛ أمثال سيدي محمد بن عبد الله على طريق الجديدة، وسيدي بناصر، وسيدي بنور، وسيدي المكي الشرقاوي...، ويتحدث الناس كذلك عن ولي يحظى بالكثير من التوقير في هذا المكان وإن لم يكن له فيه ضريح؛ ذلك هو الشيخ مولاي عبد الله أمغار. وسأعود بعدئذ لملاقاة هذا الولي في تامصلحوت.
تيط
لهذا الولي نسب موثوق إلى بني أمغار في تيط، على مقربة من الجديدة، ولبني أمغار هؤلاء نفوذ كبير في سائر هذه المنطقة. ولهم في تيط، تلك المدينة القديمة الخربة، حلف حقيقي. وأنت ترى بين أسوارها، التي باتت اليوم أطلالاً خربة، لكن لا يزال بعض أبراجها قائماً، مسجداً بالغ الرونق وزاوية الأولياء. وفي وسط هذه الخرائب تقوم نوايل كثيرة معظم من يؤوي إليها من اللاجئين؛ فقد بقي هذا الملجأ في تيط إلى اليوم حصناً حصيناً، فبنو أمغار يفخرون به، بعدما تعرضت حرمة زاوية سايس، المجاورة لهم، للانتهاك منذ وقت قريب من لدن أحد القياد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.