ربيع الخنشوف- إطار بالوكالة الحضري لطنجة تعتبر تصاميم التهيئة (Plans d'Aménagement) العمود الفقري للتخطيط الحضري في المغرب. وفي مدينة استراتيجية مثل طنجة، أثار تواتر النسخ في سنوات 2016، 2017، 2019، وصولاً إلى نسخة 2026، نقاشاً واسعاً بين من يراها حالة من "عدم الاستقرار التخطيطي" وبين من يراها مرونة إيجابية تهدف لتجويد الوثيقة. لطالما عانت المدن المغربية من قاعدة "عشر سنوات" التي يفرضها القانون لبقاء تصميم التهيئة سارياً، وهي مدة قد تتحول إلى "قيد" يرهن تطور المدينة إذا لم يستوعب التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. في طنجة، يظهر جلياً أن الانتقال عبر نسخ متعددة (2016، 2017، 2019، و2026) قد يصنفه البعض تعثراً، في حين أنه مؤشر واضح على رغبة حثيثة في التجويد المستمر. التصميم الكلاسيكي الذي يرهن المدينة لعقد كامل غالباً ما يصبح متجاوزاً بعد سنوات قليلة، خاصة في مدينة بملامح دولية مثل طنجة. ومراجعة الوثيقة أكثر من مرة تسمح بالتكيف مع المشاريع الكبرى، فيتم استيعاب التحولات التي تفرضها مناطق لوجستيكية أو صناعية جديدة لم تكن مبرمجة سابقاً، كما يمكن عبرها تصحيح ومعالجة الثغرات التي تظهر عند تنزيل التصميم على أرض الواقع دون انتظار انقضاء واستيفاء العقد. عطفاً على أن نسخة البحث العلني في حد ذاتها مختبر للديمقراطية التشاركية، والعمل بها بشكل متكرر يمنح المواطنين والمنعشين العقاريين وفعاليات المجتمع المدني فرصاً إضافية لتقديم ملاحظاتهم، وكل نسخة جديدة هي استجابة لتعرضات موضوعية رُصدت في النسخة التي سبقتها. كما أن التجارب السابقة أثبتت بأن التعديلات المتكررة تساهم في رفع الحيف عن بعض الملاك الذين قد تتضرر عقاراتهم بمسارات طرقية أو مرافق عمومية غير دقيقة في النسخ الأولى، بما يواكب الطفرة الديموغرافية والاقتصادية، فطنجة 2026 ليست هي طنجة 2016. وتحديث الوثيقة يضمن الاستدامة بإدراج معايير بيئية ومساحات خضراء جديدة تتوافق مع التوجهات الحالية للمملكة في مجال التنمية المستدامة. تبقى الإشارة إلى أن مراجعة تصميم تهيئة طنجة في محطات متقاربة وصولاً إلى أفق 2026، يعكس وعياً مؤسساتياً بأن المدينة كائن حي يتنفس ويتغير. والعمل بالنسخ المحينة أفضل بكثير من الارتهان لوثيقة جامدة قد تعيق التنمية أكثر مما تنظمها. هذا النهج "الديناميكي" يجعل من طنجة مختبراً وطنياً لتخطيط حضري مرن، يضع مصلحة المرتفق وتطور المجال فوق "قدسية" الآجال القانونية الطويلة. من جانب آخر، تعتبر العدالة العقارية والمالية حجر الزاوية في نجاح "تصاميم التهيئة". فمن الناحية القانونية والاجتماعية، لا يمكن تحميل ملاك الأراضي وحدهم عبء التنمية الحضرية من خلال نزع ملكية أراضيهم للمرافق العامة دون تعويض عادل يحمي حقهم في الملكية. تصميم التهيئة يحدد مسبقاً المناطق المخصصة للمرافق العمومية (مدارس، مستشفيات، طرق) والمناطق الخضراء. هذا التخصيص يترتب عليه ما يعرف ب"ارتفاقات التعمير"، والتي تؤدي عملياً إلى تجميد العقار ومنع صاحبه من التصرف فيه بالبناء أو البيع بسعر السوق الحر. والعدالة تقتضي أن الدولة أو الجماعة الترابية، حين تحجب المنفعة الخاصة لصالح المنفعة العامة، يجب أن تدفع الثمن الذي كان سيحصل عليه المالك لو لم يُحرم من عقاره، بتعويض مبني على "القيمة السوقية". ويجب ألا يعتمد التعويض على القيم الإدارية القديمة أو الضريبية، بل على سعر المتر المربع في المنطقة بتاريخ صدور قرار نزع الملكية، مع مراعاة إمكانيات التعمير المجاورة. وأن لا يشمل التعويض قيمة الأرض فقط، بل أيضاً فقدان الأصل التجاري إن كان موجوداً، أو مصاريف إعادة الاستقرار في مكان آخر. في رأيي، بدلاً من انتزاع الأرض، أرى أن يتم تجميع الأراضي وإعادة توزيعها على الملاك بعد اقتطاع النسبة المخصصة للمرافق، بحيث يستفيد الجميع من ارتفاع قيمة الأراضي المتبقية بسبب التجهيزات الجديدة، أو السماح لمن خصصت أرضه كمنطقة خضراء (لا يمكن بناؤها) ببيع "حقوق البناء" الخاصة به لملاك آخرين في مناطق يُسمح فيها بزيادة عدد الطوابق، مما يعوضه مالياً بشكل غير مباشر. وفي أسوأ الحلول، إعطاء المالك بقعة أرضية بديلة في منطقة أخرى مجهزة بنفس القيمة المالية. لكن أكبر عائق أمام العدالة المالية هو تجميد العقارات لسنوات طويلة. قانونياً، إذا خصص تصميم التهيئة أرضاً لمرفق عمومي ولم يتم الشروع في مسطرة نزع الملكية خلال مدة معينة (مثلاً 10 سنوات في القانون المغربي)، يصبح من حق المالك استرجاع حرية التصرف في عقاره. والمفارقة أنه في البلدان المتقدمة يتمنى المواطن تخصيص أرضه كمرفق عمومي، لأنه يعلم أن التعويض سيكون مجزياً. إن تحقيق العدالة المالية في تصاميم التهيئة ليس ترفاً، بل هو ضمانة للأمن العقاري وجلب الاستثمار. فالمواطن الذي يشعر بأن أرضه قد "سُلبت" دون ثمن عادل سيتحول إلى عائق أمام التنمية من خلال كثرة المنازعات القضائية، بينما التعويض المجزي يحول الملاك إلى شركاء في بناء المدينة. من جانب آخر، إشكالية التباين الصارخ في تصنيف الأراضي ضمن وثائق التعمير تشكل معضلة كبرى، حيث تُحاط مناطق شاسعة بقرار "المحميات الطبيعية". فعندما يتم رسم حدود تقنية تفصل بين "محمية طبيعية" يُمنع فيها البناء كلياً، وبين "مشروع سكني" على بعد أمتار قليلة، يظهر نوع من النشاز التخطيطي. فإذا كانت الخصائص الإيكولوجية (التربة، الغطاء النباتي، التضاريس) متطابقة في كلا العقارين، فإن تخصيص أحدهما للمنفعة العامة البيئية وحرمان المالك من القيمة الاستثمارية التي نالها جاره، يُعتبر ضرباً من التمييز الذي يفتقر للتعليل التقني المنطقي. تصنيف الأرض كمنطقة خضراء أو محمية طبيعية يندرج تحت ما يسمى "ارتفاقات التعمير"، وهي قيود قانونية تُفرض لفائدة المنفعة العامة. لكن الإشكال يكمن في انعدام المساواة، ويبقى السؤال الأكبر: لماذا يتحمل مالك معين عبء "الرئة الخضراء" للمدينة بالكامل، بينما يستفيد جاره من البنية التحتية والمشاريع السكنية التي ترفع قيمة عقاره أضعافاً؟ هذا التباين يخلق سوقاً عقارية غير متكافئة، حيث تتحول الأراضي "المحمية" إلى عبء مالي على أصحابها (بسبب الضرائب ومنع التصرف)، بينما تتحول الأراضي المجاورة إلى ثروات طائلة. وإذا كان لا بد من الحفاظ على تلك المنطقة كمحمية، يجب على الإدارة دفع تعويض عادل للمالك يوازي الفارق في القيمة الذي حصلت عليه الأراضي السكنية المجاورة، أو السماح لمالك الأرض "المحمية" بنقل حقه في بناء عدد معين من الأمتار المربعة إلى منطقة أخرى سكنية، بحيث لا يضيع حقه المادي رغم بقاء أرضه خضراء. إن حماية الطبيعة هدف نبيل، لكن لا يجب أن يتحقق على حساب فئة دون أخرى. إن "العدالة في التوزيع" تقتضي ألا يتحول تصميم التهيئة إلى أداة لإغناء البعض وإفقار البعض الآخر بناءً على خطوط هندسية قد تفتقر أحياناً إلى العدالة الميدانية. إن أي تصميم تهيئة لا يوازن بين الحفاظ على المحيط البيئي وحقوق الملاك المشروعة والهندسة الترابية، هو تصميم يفتقد للشرعية الاجتماعية والواقعية الاقتصادية. وفي إشارة أخرى، يعد اختيار تنطيق SH (اختصار ل Secteur Historique أو المنطقة التاريخية) بكثافة في تصميم تهيئة مقاطعة "طنجةالمدينة" خطوة استراتيجية تعكس وعياً عميقاً بالهوية العمرانية للمدينة. هذا التوجه لا يقتصر فقط على الحماية التقنية، بل يمتد ليشمل أبعاداً ثقافية واقتصادية هامة، وتكريساً ل"الاستثناء" العمراني لطنجة التي تتميز بنسيج عمراني فريد يمزج بين العمارة الإسلامية التقليدية (المدينة القديمة) والعمارة الكولونيالية والأوروبية (المدينةالجديدة/Ville Nouvelle). تنطيق SH يعني اعتراف وثيقة التعمير بأن هذه المنطقة ليست مجرد "وعاء عقاري" للبناء الإسمنتي، بل هي مأثرة قائمة بذاتها. هذا التنطيق يضع قيوداً صارمة على الارتفاعات، ونوعية المواد المستخدمة، والواجهات، مما يمنع "التشويه البصري" الذي قد تسببه الحداثة العشوائية، ويعد إثراءً وإنصافاً وتثمينا للبعد المآثري بالمدينة، ورافعة للتنمية السياحية من خلال الحفاظ على المناطق التاريخية، كما يضمن التصميم استمرارية طنجة كوجهة سياحية عالمية تعتمد على سحر التاريخ. فوفرة مناطق SH تشجع على نوع خاص من الاستثمار، مثل "الفنادق المصنفة" ودور الضيافة والمراكز الثقافية، والتي تضفي قيمة مضافة عالية مقارنة بالمشاريع السكنية العادية. وحماية من "المضاربة العقارية"، ففي المدن ذات الجاذبية الكبرى مثل طنجة، تتعرض المناطق المركزية لضغط عقاري رهيب لتعويض البنايات القديمة بأبراج عالية. وبفضل تنطيق SH، يتم وضع حد لهذه الأطماع، حيث تصبح القوانين المنظمة لهذه المناطق تابعة لمعايير المحافظة على التراث وليس فقط لمعايير الربح السريع، مما يضمن بقاء "روح المدينة" حية للأجيال القادمة، ويحمي معالم مثل "سور المعكازين"، القصبة، والمباني الدبلوماسية القديمة. إن كثرة ووفرة هذا التنطيق تفتح الباب أمام مشاريع "رد الاعتبار"، حيث يمكن تحويل المباني التاريخية المهجورة إلى مرافق عمومية أو فضاءات فنية، مما يجعل من مقاطعة طنجةالمدينة نموذجاً للمدينة المستدامة التي تحترم ماضيها لتبني مستقبلها. ليمنح تصميم تهيئة طنجةالمدينة شهادة ميلاد متجددة لهوية المدينة الدولية، وهي رسالة واضحة بأن "الجمالية" و"التاريخ" هما عملة صعبة لا تقل أهمية عن المساحات السكنية أو الصناعية، كما أن هذا التوجه ينقل طنجة من مجرد "قطب نمو" إلى "منارة حضارية" تحافظ على بصمتها الفريدة في حوض البحر الأبيض المتوسط.