صادق مجلس الوزراء الإسباني على مرسوم ملكي يقضي بإطلاق عملية تسوية استثنائية لأوضاع المهاجرين المقيمين في البلاد، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها "أحد أبرز إنجازات الولاية الحالية"، وتهدف إلى تعزيز الإدماج الاجتماعي والاستجابة لحاجيات الاقتصاد الوطني. وأعلنت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة، Elma Saiz، خلال الندوة الصحفية التي أعقبت اجتماع المجلس، أن هذه العملية تستهدف أشخاصاً يعيشون فعلياً داخل المجتمع الإسباني، ويساهمون في ديناميته اليومية، مؤكدة أنهم سيتمكنون من التمتع بكامل حقوقهم مقابل الالتزام بواجباتهم. انطلاق العملية منتصف أبريل ومن المرتقب أن يدخل المرسوم حيز التنفيذ ابتداءً من 16 أبريل، عقب نشره في الجريدة الرسمية، حيث سيفتح باب تقديم الطلبات إلى غاية 30 يونيو، سواء عبر المنصة الرقمية أو بشكل حضوري بمواعيد مسبقة. ويُشترط للاستفادة من هذه التسوية التواجد داخل التراب الإسباني قبل فاتح يناير 2026، والإقامة لمدة لا تقل عن خمسة أشهر متواصلة، إلى جانب خلو السجل من السوابق الجنائية وعدم تشكيل خطر على النظام العام. إدماج اقتصادي واجتماعي وأكدت الحكومة أن هذا الإجراء يأتي في سياق سياسة شاملة تروم تعزيز الإدماج، وتقليص الهشاشة القانونية، وتمكين المستفيدين من الولوج إلى سوق الشغل ونظام الضمان الاجتماعي والخدمات الصحية، من خلال منحهم تصاريح إقامة وعمل لمدة أولية تصل إلى سنة قابلة للتجديد. وفي هذا السياق، أبرزت المعطيات الرسمية أن المهاجرين يلعبون دوراً محورياً في الاقتصاد الإسباني، حيث ساهموا بنسبة مهمة في خلق فرص الشغل خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى دورهم في تجديد البنية الديموغرافية للبلاد. دعم واسع ومبررات اقتصادية وشددت وزيرة الإدماج على أن القرار يحظى بدعم اجتماعي وسياسي واقتصادي واسع، من خلال تأييد المجتمع المدني، والفاعلين الاقتصاديين، وعدد من القطاعات الحيوية التي تعاني من نقص اليد العاملة، مثل الفلاحة والبناء والنقل. كما استندت الحكومة إلى دراسات رسمية تشير إلى أن تقليص الهجرة قد يؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي وفقدان ملايين السكان على المدى البعيد، ما يعزز الحاجة إلى هذه الإجراءات. تعبئة إدارية لضمان النجاح ولتأمين حسن تنزيل هذه العملية، خصصت السلطات حوالي 450 مكتباً عبر مختلف أنحاء البلاد، مع تعزيز الموارد البشرية بأكثر من 550 موظفاً، بهدف تسريع معالجة الطلبات وضمان سلاسة الإجراءات. وسيكون بإمكان المعنيين تقديم طلباتهم إلكترونياً على مدار الساعة، أو عبر قنوات حضورية تشمل مكاتب الهجرة والضمان الاجتماعي والبريد، إضافة إلى الاستعانة بممثلين قانونيين أو جمعيات معتمدة. ورحّب رئيس الحكومة الإسبانية Pedro Sánchez بقرار الحكومة، القاضي بالمصادقة على تسوية استثنائية لأوضاع المهاجرين، والتي ستمنح تصاريح الإقامة والعمل لنحو نصف مليون شخص، معتبراً ذلك خطوة "عادلة" و"ضرورية" بالنسبة لإسبانيا. وفي رسالة موجهة إلى المواطنين، أوضح سانشيز أن هذا القرار يُعد قبل كل شيء إجراءً ل"تطبيع الأوضاع"، من خلال الاعتراف بواقع ما يقارب نصف مليون شخص أصبحوا جزءاً من الحياة اليومية في البلاد، ويساهمون في بناء "إسبانيا غنية، منفتحة ومتنوعة". "ضرورة" للبلاد وأشار رئيس الحكومة إلى أن هذا القرار يمثل أيضاً نوعاً من الإنصاف لتاريخ إسبانيا مع الهجرة، كما يشكل "ضرورة" ملحّة، مبرزاً أن البلاد، على غرار دول أوروبية أخرى، تشهد شيخوخة سكانية، وأن غياب اليد العاملة الجديدة قد يعرقل النمو الاقتصادي ويضعف القدرة على الابتكار ويؤثر على الخدمات العمومية. وأكد أن دينامية المهاجرين تساهم في جعل الاقتصاد الإسباني من بين الأكثر نمواً في أوروبا، كما تخلق فرص عمل سواء للقادمين من الخارج أو للمواطنين الإسبان. دعوة للحزب الشعبي ودعا سانشيز حزب Partido Popular إلى الاستماع إلى أرباب العمل والكنيسة الكاثوليكية من أجل دعم هذا القرار، وذلك رداً على الانتقادات التي وجهها الحزب، إلى جانب حزب Vox، لعملية التسوية. وشدد رئيس الحكومة على أن ما تقوم به الحكومة هو الاعتراف بحقوق أشخاص يعيشون بالفعل داخل إسبانيا، مذكّراً بأن البلاد شهدت في السابق عمليات مماثلة لتسوية أوضاع المهاجرين. وفي هذا السياق، أشار إلى أن حكومة حزب الشعب برئاسة José María Aznar قامت بتسوية وضعية نحو نصف مليون مهاجر غير نظامي. وأضاف: "لا نقوم اليوم سوى بالاعتراف، من منطلق اقتصادي وأخلاقي، بحقوق أشخاص يساهمون بالفعل في ازدهار بلادنا وتعزيز تماسكها الاجتماعي". كما أوضح أن هذه العملية جاءت استجابة لمطالب عدة جهات، من بينها الكنيسة الكاثوليكية وشركاء اجتماعيون، نظراً للحاجة إلى اليد العاملة من أجل مواصلة خلق فرص الشغل. وفي ختام حديثه، أكد أن موقف حزب فوكس كان متوقعاً، داعياً في المقابل حزب الشعب إلى الاستفادة من تجربته السابقة والاستماع إلى الفاعلين الاقتصاديين والدينيين ودعم هذا التوجه.