كيم يواصل الزعامة في كوريا الشمالية    النهضة البركانية تهزم الفتح الرياضي    عميد شرطة يتعرض للدهس بأزيلال    نادي الرجاء يفوز عى اتحاد طنجة    تعادل سلبي في لقاء الزمامرة والحسنية    رحيمي يقود العين لفوز مثير على بني ياس بثلاثية خارج الديار    نتنياهو يتحدث عن تحالف إقليمي تقوده إسرائيل والهند وتشارك فيه دول عربية لمواجهة ما يصفه بمحورين سني وشيعي    أزيد من 1630 أسرة بالمضيق الفنيدق تستفيد من عملية "رمضان 1447" في أجواء تعبئة وتضامن    انطلاق توزيع المساعدات الرمضانية بالحسيمة لفائدة آلاف الأسر المحتاجة ضمن عملية "رمضان 1447"    حموشي يقر ترقيات استثنائية وتوظيف أرامل شهداء الواجب    تكلفته 44 دولارا فقط.. علماء مغاربة وأجانب يطورون نظاما ذكيا لتعزيز العدالة الزراعية عبر إدارة رقمية لمياه الري    استئنافية الحسيمة تؤيد الأحكام الصادرة في حق متهمين على خلفية احتجاجات "جيل زد"    المعرض الدولي للفلاحة بباريس..البواري يتباحث مع وزيرة الفلاحة الفرنسية    خريبكة توزع حصص "إفطار رمضان"    الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.. الجدول النهائي للميداليات    جهاز الخدمة السرية الأمريكي يقتل شخصا مسلحا حاول دخول مقر إقامة ترامب بولاية فلوريدا    لبؤات الأطلس في معسكر إعدادي استعدادا لكأس إفريقيا    أرض احتضنتنا.. فهل نحترم نظامها؟    أولمبيك آسفي ينهي ارتباطه بزكرياء عبوب    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الإثنين    ين قصر إيش والفياضانات: رمضان يجمع الألم والأمل    فيضان القصر الكبير : "قفة سيدنا" ليست كباقي القفف…(1)    فلوريدا تحتضن مفاوضات حاسمة حول الصحراء المغربية        الملك يراسل ولي العهد السعودي            مديرو المؤسسات التعليمية يقاطعون تكوينات مشروع "المؤسسة المندمج" ويحرجون الوزير برادة    تحذير من تسجيل المكالمات الهاتفية دون موافقة مسبقة    الترويض الإعلامي    أولمبياد 2026.. الصينية إيلين غو تُحرز ذهبية "نصف أنبوب" في التزلج الحر    ارتفاع أسعار اللحوم يسائل الحكومة حول جدوى الإعفاءات الضريبية        دراسة: تعرض الرضع للشاشات لفترات طويلة يؤثر على نمو الدماغ    مواعيد    فرنسا تستدعي السفير الأمريكي على خلفية موقف واشنطن من مقتل الناشط في اليمين المتطرف كونتان دورانك    السلطات الماليزية توقف رجلاً زعم لقاء الأنبياء في سيلانجور    "ناسا" تؤجل أول رحلة مأهولة إلى القمر بسبب خلل تقني    تنديد عربي حاد بتصريحات سفير أمريكا في تل أبيب بشأن "إسرائيل الكبرى" في الشرق الأوسط    عرض رفات القديس فرنسيس في إيطاليا    قصف باكستاني يخلف قتلى بأفغانستان    متى يكون الصداع بعد السقوط مؤشرًا لارتجاج المخ؟    النقابة الوطنية لوكالة التنمية الاجتماعية تراسل الوزيرة بشأن "فضيحة ريع إداري" وتتهم الإدارة بتفصيل منصب على المقاس    علماء يطورون لقاحًا شاملاً ضد نزلات البرد والإنفلونزا و"كوفيد-19″    إنفوغرافيك | أرقام رسمية.. انخفاض الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 0,8% خلال يناير 2026    شبيبة "البام" تتعهد بمحاربة العزوف السياسي وفتح الأبواب أمام الطاقات الشابة    الدراما الحسّانية تحضر بقوة في رمضان عبر مسلسل "سوق أتاي" على قناة العيون    الاهتمام بسؤال الهوية    عمرو خالد: الضحى والشرح والرحمن .. توليفة من القرآن لتخفيف الأحزان    انخفاض مفرغات الصيد البحري بميناء الصويرة    رحيل الفنان المغربي إسماعيل أبو القناطر عن عمر ناهز 69 سنة    "مطارات المغرب" تطلق حملتها الجديدة "لننطلق"    هيئة ضبط الكهرباء تحدد تعريفة فائض الإنتاج ابتداء من شهر مارس المقبل    إسماعيل أبو القناطر في ذمة الله بعد صراع مع المرض    القنوات الوطنية تهيمن على نسب المشاهدة في رمضان 2026 ب70.4%    جمعية الفردوس تنظم المهرجان الوطني للطفل والناشئة بجهة الدار البيضاء–سطات        للحفاظ على جودة العلاجات في طب العيون بالمغرب.. يوم وطني للتشاور ببوزنيقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المؤسسة البرلمانية بالمغرب والثرثرة القانونية
نشر في هسبريس يوم 12 - 10 - 2023

يترأس الملك اليوم افتتاح الدورة البرلمانية الخريفية، ووجب الاعتراف بأن المؤسسة الملكية اليوم تحضر إلى البرلمان وهي محملة بحقيبة منجزاتها التدبيرية (الاستيقاظ الجيوستراتيجي – تدبير أزمة كوفيد – تدبير الزلزال -تنظيم الحدث الكروي العالمي بشراكة مع إسبانيا والبرتغال – ورش تحديث مدونة الأسرة...) وبالتالي تترأس المؤسسة الملكية افتتاح الدورة البرلمانية من موقع المؤسسة التدبيرية القوية، ليس فقط من خلال الموقع المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية بل وكذلك من خلال الحضور والفعل المؤسساتي القوي الذي يترسخ من خلال حقيبة المنجزات المرتبطة بالفعل الملكي.
كما أن هذا اليوم الدستوري بامتياز هو اليوم المرتبط بزمن الدخول البرلماني، وبالتالي هو زمن لتقييم دور المؤسسة البرلمانية في الحياة السياسية المغربية، وللأسف فإن المحاسبة المرتبطة بالفعل المؤسساتي بالمغرب تسجل بوضوح التراجع المهول الذي تسجله المؤسسة البرلمانية أمام باقي المؤسسات، كما أن الذاكرة الشعبية ترسم صورة للمؤسسة البرلمانية باعتبارها المؤسسة المريضة العاجزة عن لعب دور أساسي ومحوري عبر المساهمة في المجهودات المتمحورة اليوم حول بناء الدولة الفعالة والدولة المسرعة ودولة النتائج.
الصورة التي ترسمها المؤسسة البرلمانية في المخيال الشعبي، هي صورة المؤسسة التي تجتمع من أجل التداول والثرثرة، وصورة المؤسسة التي تحتاج إلى الكثير من الوقت للتداول من أجل الوصول إلى نتيجة، مما جعل الزمن البرلماني متخلفا بشكل كبير عن الزمن المجتمعي، وبالتالي رسمت لها صورة في المخيال الشعبي أنها المؤسسة السلحفاة (عداد قياس السرعة بالنسبة لطريقة اشتغال البرلمان متخلف بشكل كبير عن عداد قياس سرعة تراكم المشاكل والمطالب المجتمعية)، وترسم لها كذلك صورة المؤسسة المرتبطة بالدولة المركزية وبالتالي المؤسسة البعيدة عن اليومي والواقعي والمعيش، ورسمت لها كذلك صورة المؤسسة التي لا تمنح للمجتمع وجها واضحا تنسب له الأفعال الإيجابية أو السلبية لأن المعروف عنها أنها مؤسسة جماعية (البرلمان – الأغلبية – المعارضة)، والمؤسسة التي تفرض نفسها داخل الزمن التشريعي، وبالتالي صعوبة تغييرها قبل اليوم الانتخابي دون حدوث زلزال سياسي بينما المؤسسات الأخرى (المؤسسة الملكية – المؤسسة الحكومية)، كانت تعطي صورة مغايرة متمثلة في مؤسسات الفعل التي تقرر وتمنح الاعتمادات، وبالتالي ارتبطت في الخيال الشعبي بالمؤسسات المسرعة (التي تتوفر على الإرادة المطلقة في استعمال دواس السرعة) والمؤسسات القادرة ومؤسسات الحضور والقرب من الواقع ومن اليومي والمؤسسات المكشوفة، التي تملك وجها وصورة واسما، مما يمكن الشارع والإعلام من أن ينسب لها الأخطاء والعثرات ويوجه لها سهام النقد، كما أن المؤسسات المكونة من أسماء معينة يمكن تغييرها بسرعة (تحتاج فقط للاقتراح من رئيس الحكومة وظهير من سلطة التعيين).
النجاح في عالم اليوم محجوز للدول التي تتفوق في الفعل والسرعة وتواجه المخاطر من أجل تنفيذ مشاريعها وتحقيق أهدافها والدول التي تملك العقلية المبتكرة، مما يؤكد الحاجة إلى المؤسسات المبتكرة والمسرعة ومؤسسات القرب ومؤسسات الحضور والمؤسسات القادرة على تمكين بلدانها من حجز مكان متميز ضمن خريطة القوة العالمية.
وبالتالي يطرح السؤال الصعب المرتبط بكيفية تحديث المؤسسة البرلمانية لتلعب الدور المنوط بها في الدستور وتسترجع حضورها المؤسساتي والشعبي، وفي الوقت نفسه تكون قادرة على المساهمة الفعالة في بناء الدولة المبتكرة. خصوصا وأن العقل الشعبي يشعر اليوم بأنه في حاجة إلى مؤسسات القطار السريع ومؤسسات تعوض الزمن الضائع، وهو في أمس الحاجة كذلك إلى مؤسسات الفعل ومؤسسات الحضور والقرب والمؤسسات المرتبطة بالمعيش اليومي للمواطن والمؤسسات التي تصنع الإجماع وتصنع الوحدة، وهو في حاجة كذلك للمؤسسات القادرة كذلك على لعب الدور المرتبط بصنع العيش المشترك ومؤسسات الجدال ومؤسسات صنع الإجماع وبناء القرار الحكيم.
تحديث الدور المفروض أن تقوم به المؤسسة البرلمانية بالمغرب مرتبط بالقدرة على تحديث الإطار النظري لدور المؤسسات التمثيلية في عالم اليوم، سواء كمؤسسات جماعية أو كمؤسسات للأغلبية (الأغلبية البرلمانية) أو كمؤسسات للمعارضة (المعارضة البرلمانية)، وفي هذا السياق وجب التأكيد على ما سبق وأكد عليه القانوني الألماني أريش كوفمان، من أن المؤسسات ليس مفروضا عليها البقاء سجينة المهام المرتبطة بظروف التأسيس ونظريات الفقهاء الدستوريين في القرن الثامن عشر، بل من المفروض التفكير في دور المؤسسة البرلمانية بشكل يجعلها قريبة من المزاج الشعبي المتعاطف اليوم مع مؤسسات الفعل ومؤسسات السرعة ومؤسسات النتائج ومؤسسات الوجه المكشوف المؤسسات التي تصنع الوحدة.
الباحث جون هالويل سيؤكد أن البرلمانات في مجموعة من الدول الديمقراطية صارت اليوم تمثل أكثر -مؤسسات الإرادة- بدل مؤسسات الفكر والتداول، وبالتالي فإن إحياء دور البرلمان المغربي من جديد يبقى مرتبطا بقدرة المؤسسة البرلمانية على لعب دور مؤسسة الإرادة والفعل وكذلك مؤسسة التداول من خلال ترسيخ الثنائية الذهبية (مؤسسة الفعل والسرعة والنتائج – مؤسسة التداول وصنع الوحدة والإجماع والقدرة على تحويل القرار السريع إلى قرار حكيم من خلال التداول). الباحث رونالد دروكين سيؤكد أن هناك طريقين لبناء الإرادة العامة في الديمقراطيات الحديثة، طريق العقلنة من خلال الأرقام وبالتالي منح الفرصة للرأي الأغلبي لمساندة الحكومة (الملك – الحكومة – الأغلبية البرلمانية) والطريق الثاني هو العمل على ترسيخ العقلنة من خلال التحليل والجدل والحجج (وبالتالي منح الوسائل للفعل للمعارضة البرلمانية بالمغرب).
1- الطبقة السياسية المغربية عليها أن تعي أن فصل السلط في عالم اليوم هو بين الثنائي المكون من (الحكومة – الأغلبية البرلمانية) والمعارضة البرلمانية
يتناسى الباحث السياسي والأكاديمي المغربي في بعض الأحيان أن المؤسسة الملكية والمؤسسة الحكومية هما المسؤولان عن تصور السياسة الوطنية والخطوط العريضة والأساسية للفعل العمومي وعن تحديد أهداف الفعل العمومي، وبالتالي يترسخ الدور المحوري والأساسي لمؤسسات الفعل (المؤسسة الملكية – الحكومة)، أما دور المؤسسة البرلمانية فينحصر فعليا في المصادقة على البرنامج الحكومي والتنصيب البرلماني والتدخل اللاحق أو التدخل المعدَّل أو التدخل المصحَّح إن أمكن، ولكن سلطة الالتزام بالفعل وسلطة المبادرة بالفعل محجوزة دستوريا للمؤسسة الملكية والحكومة، ومن المعروف أن تنفيذ السياسة الوطنية وتنفيذ البرنامج الحكومي يتطلب توفير الوسائل الضرورية والأساسية للفعل ومنها التشريع والترخيص المالي، وبالتالي فإن احتكار الحكومة لمشاريع القوانين الضرورية من أجل تنفيذ سياستها الوطنية وبرنامجها الحكومي هي مهام في صلب الوثيقة الدستورية وتمنح للمؤسسة الملكية والحكومة سلطة المبادرة وللبرلمان سلطة التدخل اللاحق وخصوصا التصويت على القوانين والمراقبة والتقييم.
مما سبق نتأكد أن الفعل العمومي واستمرارية الدولة مرتبطان ارتباطا وثيقا بثنائية (الحكومة – الأغلبية البرلمانية) وإذا ما أضفنا البحث عن بناء الدولة المبتكرة والمبدعة فمن المفروض الاعتراف بأن الأغلبية البرلمانية تبقى ملزمة بتسهيل سرعة الإنجاز والفعل وفعالية الفعل وبالتالي فعليا لعب الدور الثانوي.
ووجب التوضيح هنا أن إعادة إحياء دور البرلمان في المشهد السياسي المغربي مرتبط ارتباطا وثيقا باقتناع رجال السياسة بالمغرب بأن البحث السياسي والدستوري المرتبط بالمؤسسات الدستورية بالمغرب، من أجل أن يبدع ويتقدم من المفروض أن ينطلق على أسس صحيحة مرتبطة بالوعي بطبيعة فصل السلط الجديد ما بين الثنائي المكون من (الحكومة -الأغلبية البرلمانية) من جهة والمعارضة البرلمانية من جهة أخرى، حتى يبنى على الشيء مقتضاه وحتى نطور ونحدث من طبيعة ونوعية اشتغال مؤسساتنا الدستورية في أفق بناء الدولة الفاعلة والدولة المبتكرة.
العقل السياسي المغربي عليه أن ينفتح على التجارب الدولية والقانون المقارن وخصوصا تجربة العقل الدستوري الإنجليزي وأطروحات الباحث الدستوري والتر باغيهوت (1826-1877)، والذي أكد على أن الفعالية السرية للدستور الإنجليزي تكمن في الوحدة والاندماج شبه كلي للسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية (الحكومة – الأغلبية البرلمانية) وكما أن العقل السياسي والأكاديمي المغربي المقتنع ببناء الدولة الفاعلة عليه أن يراجع معتقداته المرتبطة بالمسلمات النظرية المرتبطة بفصل السلط بين الحكومة والبرلمان (مونتسكيو)، وكذلك النظريات الدستورية المتعلقة بالفصل المرن للسلطات للباحث القانوني ايديمار اينسمان.
اشتغال مؤسسات الفعل بالمغرب في مواجهة الأزمات أظهرت بوضوح أن الفعل السياسي المغربي تفوق بترسيخ اشتغال المؤسسات من خلال اندماج فعلي للسلط، من خلال الاشتغال مرة تحت مظلة الثلاثية المكونة من (الملك – الحكومة – الأغلبية البرلمانية) وعند الضرورة الاشتغال تحت ثنائية (الحكومة – الأغلبية البرلمانية)، وبالتالي رسخ الفعل العمومي بالمغرب الحقيقة المرتبطة باندماج السلطة بين (الحكومة – الأغلبية البرلمانية) ورسخ كذلك ضرورة تعزيز هذا الاندماج من أجل بناء الدولة الفاعلة والدولة المسرعة والدولة القادرة على حجز مكان لها ضمن الخريطة العالمية.
وفي الأخير وجب التأكيد على أن شروط الفعل العمومي المرتبط بتنزيل استراتيجية الاستيقاظ الجيوستراتيجي ومواجهة أزمة كوفيد وأزمة الزلزال أثبتا إيمان العقل المركزي المغربي بجدوى الاشتغال تحت سقف الاندماج ما بين (السلطة التنفيذية – الأغلبية البرلمانية)، أما المعطى الثاني فيبقى مرتبطا بالاعتراف كذلك بأن الدور الأساسي للبرلمان المغربي الذي من الممكن أن يؤهله للعب الدور المطلوب منه شعبيا هو الدور المرتبط بالبرلمان المراقب أولا ومن ثمة البرلمان المشرع بشكل جيد، وليس البرلمان الثرثار (المهمة الأساسية المطلوبة من البرلمانات في التجربة الدولية هي المهمة المرتبطة بمراقبة العمل الحكومي وليس المهمة المرتبطة بالتشريع).
2- البرلمان المغربي وضرورة الابتعاد عن الثرثرة القانونية من خلال إعادة النظر في مهمة التشريع
تحديث دور البرلمان المغربي مرتبط بشكل وثيق بتغيير ثقافة العقل البرلماني المغربي، من خلال نقلها من ثقافة تعتبر أن الأولوية بالنسبة للبرلمان هي التشريع ومن ثم المراقبة وبعد ذلك التقييم، إلى ثقافة تركز على أن الدور البرلماني الأهم هو المراقبة والتقييم ومن ثمة التشريع وليس أي تشريع بل التشريع الجيد والضروري والواضح والمصاغ بشكل جيد والبعيد عن الثرثرة القانونية.
تغيير الثقافة البرلمانية والتقاليد البرلمانية المغربية يبقى مرتبطا بضرورة تذكير العقل البرلماني المغربي بأن المشرع الدستوري المغربي كان واضحا، من خلال التأكيد على أن القانون المصوت عليه لا يمثل الإرادة العامة إلا من خلال احترامه للوثيقة الدستورية (تأكيد الفصل السادس من الدستور على، القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة وكذلك على: تعتبر دستورية القواعد القانونية وتراتبيتها ووجوب نشرها مبادئ ملزمة).
مما يوضح أن القانون بالمغرب لا يوجد فقط تحت رحمة الأغلبية السياسية والاغلبية العددية بل وملزم كذلك بضرورة احترام القانون كذلك للإرادة العامة المعبر عنها من خلال الوثيقة الدستورية، مما يعني ان النقاش السياسي المحكوم بالمعطى المرتبط بالظرف السياسي والقناعات الأيديولوجية من المفروض ان يخضع كذلك لشكل من اشكال التحجيج المرتبطة بالطرق القانونية والدستورية، وأن شكل التحجيج القانوني والدستوري يبقى هو الشرط المحدد والاساسي.
الشرط الدستوري المرتبط بتطبيق القانون لا يمكن أن يترسخ دون أن يخضع القانون لشرط الوضوح وشرط المقروئية والقاعدة ذات التفسير الواحد والقاعدة المكتملة، وبالتالي فإن القانون غير الواضح وغير المفهوم بالنسبة للكل يعرض مبدأ الأمن القانوني إلى الخطر، كما أن القاعدة القانونية من المفروض أن تكون مصاغة بشكل دقيق حتى تمكن المواطن من ضبط سلوكه من خلال معرفته بما له وما عليه، لهذا فإن التشريع الجيد هو التشريع النوعي الذي يتوفر على شروط البساطة والفعالية. شرط الوضوح هو شرط مرتبط بمبدأ لا أحد يعذر بجهله للقانون، كما أن القانون الواضح والمحدد يعزز فصل السلط ويقيد سلطة القاضي بينما القانون المبهم يوسع من سلطته.
القانوني الفرنسي دي كاركسون سيؤكد أن القانون اليوم صار يمثل جوابا على الأحداث السياسية، وهو قانون ينصح دون التنصيص على قواعد ملزمة وبالتالي هو قانون رخو، كما أن القوانين ذات النوعية الرديئة هي نوع من التضخم القانوني، الصياغة الرديئة والقواعد المعقدة تطرح مشكلة في الفهم للمواطن وصعوبة في التفسير بالنسبة للقاضي وتضرب في الصميم مبدأ فصل السلط.
الطبقة السياسية المغربية لم تعد تنظر للفعل السياسي إلا من خلال زاوية القانون، مما خلق هاجسا لدى البرلمان يتمثل في جعل كل شيء قادر للتحويل لمشاريع قانونية، لأن الطريق التشريعي هو أكثر مردودية سياسية من خلال الإعلان السياسي، وهنا نستحضر المقولة الفرنسية "عندما لا نملك في يدنا إلا المطرقة فإن كل المشاكل بالنسبة لنا تبرز على شكل مسامير".
التكامل بين الفعل الإعلامي والسرعة الحكومية المطلوبة وامتلاك الأغلبية في الغرفة الأولى والغرفة الثانية لم يعد يترك وقتا للتفكير المتأني في صياغة النصوص القانونية، كما أن الوزراء لم يعودوا يثبتون فعاليتهم من خلال النصوص القانونية الجيدة بل من خلال النصوص القانونية السريعة والنصوص القانونية التي جاءت كرد فعل على الأحداث السياسية، وهكذا فإن اجتماع الحدث الإعلامي والتسرع الحكومي والقوة التي يمنحها الفعل الأغلبي لا تترك مساحة للتفكير بشكل جيد في محتوى النصوص القانونية، كما أن فعالية الوزراء لم تعد تقاس من خلال النصوص القانونية الجيدة بل من خلال النصوص القانونية السريعة، ولم يعد الزمن البرلماني بالنسبة للمسطرة القانونية زمنا من أجل النقاش بل زمنا من أجل التصويت.
الاستثمار في التشريع هو في حقيقة الأمر غياب للقدرة على النقاش وعلى التعبير عن المواقف السياسية وبالتالي يهرب البرلماني المغربي إلى مربع التشريع. لهذا من المفروض أن يقتنع البرلمان المغربي بالمدرسة التي أنشأها أب الدستور المدني الفرنسي جون ايتيان بورطاليس، الذي أكد على ضرورة الابتعاد عن الثرثرة في التشريع من خلال التأكيد على أن القانون (يتوقع – يأمر – يعاقب) فقط، كما أكد بورطاليس على ضرورة الابتعاد عن التفاصيل لأن التفاصيل تنادي على التفاصيل.
العقل البرلماني المغربي عليه أن يقتنع بأن البرلمان الذي يشتغل بشكل جيد والبرلمان الذي يعزز موقعه داخل الحياة السياسية المغربية هو البرلمان الذي يؤمن بأن قوته لا تستمد من خلال سلطة التشريع ولا من خلال الثرثرة القانونية، بل من خلال التشريع المختصر والتشريع الجيد والتشريع الواضح، مع التركيز بشكل أساسي على المهام المرتبطة بالمراقبة والتقييم، ومن أجل احترام ذلك يجب تفعيل دور المجلس الدستوري وتفعيل دور الأمانة العامة للحكومة وكذلك الوزارة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان، ولما لا التفكير في إصلاح دستوري يربط التشريع بالتوقع والأمر فقط والعقاب كما هو الشأن بالنسبة للقانون التنظيمي للمالية.
3- الدولة الفاعلة وضرورة تقوية دور المعارضة البرلمانية
الدولة الفاعلة والدولة المبتكرة تحتاج إلى السند الشعبي وهنا وجب التأكيد على أننا نحتاج في المغرب إلى شرعنة مصالحة معينة بين الثنائي المكون من الحكومة والأغلبية البرلمانية من جهة والمعارضة البرلمانية من جهة أخرى، ووجب التأكيد هنا أنه من أجل أن يلعب البرلمان الدور التمثيلي على أكمل وجه (الفصل الثاني من الدستور) عليه أن يفعل الروابط بين الثنائية المكونة من (المشروعية الشعبية – المشروعية البرلمانية)، لأن وحده تعزيز الدور التمثيلي للبرلمان من بإمكانه أن ينقل الخلافات داخل المجتمع من التعبير عن نفسها من خلال التظاهرات والإضرابات إلى قبة البرلمان حيث الحوار والجدال الذي يعمل على تجديد التوافقات وبناء المصالحات، ووجب التأكيد هنا أن الحوار والجدال لكي يكون مثمرا من المفروض أن يشرعن الحلول السياسية، خصوصا وأن هذه المصالحة هي ضرورية وأساسية من أجل بناء الدولة الفاعلة والدولة المبتكرة والدولة المسرعة، وفي هذا السياق يؤكد الباحث الفرنسي ميشيل فينوك أن سبب تأخر فرنسا مرتبط بكونها عجزت عن إبرام صفقة مصالحة بين الأغلبية والمعارضة البرلمانية.
من المعروف أن النقاش البرلماني يوجد تحت تأثير مجالين بحثين (نظريات الحوار-الدراسات التشريعية) وبالتالي لا يمكن دراسة النقاش البرلماني دون الاعتماد على المجالين، كما أن النظريات الحوارية تعتمد على مبدأ التراتبية بين مجموعة من المساحات الحوارية التي تتميز بانتقال المعلومة أو الراي أو الحجة، وإذا كان البرلمان يعتمد على نوعين من النقاشات واحدة تستهدف التعاون والأخرى تستهدف المواجهة، فوجب التأكيد أن الدولة المبتكرة والدولة الفاعلة من المفروض أن تعتمد على البحث عن التعاون والتعاقد والتوافق ما بين الأغلبية البرلمانية والمعارضة.
الفكرة المتمحورة حول أن مشروعية القرار الديمقراطي لا يمكن أن تنتج فقط عن كونه نابعا من الاقتراع العام بل ومن المفروض كذلك أن يمر بمراحل النقاش العام، وبالتالي حاول بعض الباحثين الربط بين الإرادة العامة والنقاش العام، وفي هذا السياق سيؤكد هبيرماس أن الجدال هو النقاش الذي من خلاله يستهدف المتحاورون القبول بتحجيج آرائهم والاقتناع كذلك بالحجج الأكثر صلابة، المواجهة من خلال الأفكار والحجج والقبول بالأفكار الأكثر صلابة تقود عمليا نحو التوافق العقلاني، ويحسب لجون باركنسون التأكيد على ضرورة وجود علاقة بين النقاش المجتمعي والنقاش البرلماني وبناء التوافقات.
الثقافة السياسية المغربية في جزء منها وفية لطروحات السياسي الألماني كارل شميت الذي كان يرى أن الاتفاقات هي ضد الدستور الذي في نظره ذي طبيعة سياسية، وبالتالي يفرض الاقتناع بتوجهات واضحة ومتناقضة ولا تحتاج للتنازلات من الطرفين للوصول إلى قرارات سياسية مهمة. السياسي شميت كان يرى أن الاتفاقات تضعف الوحدة لأنها تمثل تردد في الدفاع عن التوجهات السياسية المختلفة، وأن الديمقراطيات البرلمانية تستهدف البحث عن الحقائق المطلقة والبحث كذلك عن إرادة الدولة الحقيقية، وبالتالي كان ضد الحقائق النسبية وضد كذلك إرادة الدولة الممكنة، لأن في نظره النقاش البرلماني من المفروض أن يرسخ إرادة الدولة الحقيقية بتناقضاتها واختلافاتها.
ويحسب للقانوني هانس كينسيل التأكيد على أن البرلمان ليس مطلوبا منه أن يبحث عن الحقيقة المطلقة كما ليس مطلوبا منه أن يضمن الخيار الأمثل ليكون مشروعا، بل إن المطلوب من الديمقراطية عموما ومن البرلمان خصوصا البحث والعمل على خلق التوافقات السياسية بين الأغلبية والأقلية، وسيؤكد القانوني أن الاتفاق بين الأغلبية والأقلية يعني إزاحة الحواجز التي تعيق التواصل بين الأغلبية والمعارضة من أجل تعاقد الأغلبية والأقلية.
العقل الدستوري المغربي عليه كذلك أن يشرعن النقاشات المحض سياسية من خلال دسترة ما يطلق عليه في التجارب الدولية الحلول، كما يمكن التفكير في الاعتراف بزعيم للمعارضة البرلمانية ولما لا التفكير كذلك بشرعنة المقرر المعارض بالنسبة لكل مشروع قانون، كما من المفروض الاستفادة من التجارب الدولية في ما يتعلق بالبرلمانية المعقلنة الحديثة، كما هو الشأن في التجربة الألمانية والتجربة البريطانية حيث أن ميكانيزمات البرلمانية المعقلنة الحديثة تعتمد على الأغلبية البرلمانية وليس على الحكومة مما يرسخ كذلك اندماج السلط.
الخلاصة
افتتاح الدورة الخريفية من خلال حضور المؤسستين (المؤسسة الملكية -المؤسسة البرلمانية) هي رسالة للباحث السياسي والدستوري تجعله يفتح قوس اندماج السلط بين (المؤسسة الملكية – الحكومة – البرلمان) بشكل أساسي، من أجل التفكير بعد ذلك في مساهمة هذا الاندماج في بناء الدولة الذكية والدولة الفاعلة والدولة المسرعة، وتجعله يفكر كذلك في فصل السلط الجديد بين الثنائي المكون من (الحكومة – الأغلبية البرلمانية) من جهة والمعارضة البرلمانية من جهة أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تعزيز دور المعارضة البرلمانية يبقى مشروطا بالاقتناع بأن تعزيز هذا الدور يستهدف بناء مؤسسة لتبادل الآراء والحجج القوية من أجل الوصول إلى الاتفاق والتوافق الذي يعزز الوحدة الوطنية والإرادة الشعبية القوية التي تسند بناء وترسيخ الدولة الفاعلة والدولة المسرعة والدولة الذكية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.