نشرة إنذارية.. هبات رياح قوية مع تطاير الغبار يوم الاثنين المقبل بعدد من مناطق المملكة    قوافل طبية كبرى تجوب الشمال    أزمة "كان 2027" تربك الكاف... والمغرب يبرز كطوق النجاة الوحيد    القنصلية الأمريكية بالدار البيضاء تنتقل إلى مقرها الجديد بالقطب المالي    في مثل هذا الشّهر انطفأ البدرْ!    جوائز سوس ماسة للاستثمار: تكريم رواد الأعمال وتعزيز جاذبية الجهة الاقتصادية    ترمب يعلن إنقاذ الطيار المفقود في إيران    إنقاذ طيار أميركي ثانٍ داخل إيران    إيران تعلن إسقاط 3 طائرات أميركية    دراسة تحذر: "مؤثرون" يروجون معلومات طبية مضللة مقابل المال    العدول يعلنون إضرابا مفتوحا ووقفة وطنية احتجاجا على مشروع قانون المهنة    الدارالبيضاء تحتضن النسخة السابعة من "Her day for Her" بمشاركة شخصيات نسائية بارزة    توقيف مشتبه فيه في محاولة قتل بشعة بالدار البيضاء بعد مطاردة أمنية انتهت بمشرع بلقصيري    أنفوغرافيك | ⁨تراجع أسعار الواردات ب 4.6% وارتفاع طفيف في الصادرات نهاية 2025⁩    تفاعل واسع مع وفاة شوقي السدوسي وإجماع على خصاله الإنسانية    ترامب: إنقاذ الطيار المفقود إثر إسقاط الطائرة الأمريكية المقاتلة في إيران    توقعات أحوال الطقس لليوم الأحد    طنجة.. اتهام "الجدة" باختطاف طفلة يستنفر الأمن قبل أن تنكشف الحقيقة    مأساة جديدة بطنجة.. السرعة المفرطة تُنهي حياة شابين في حادث مروع    بعد فيديو يوثق التهور بطريق طنجة البالية.. حجز سيارة والاستماع إلى سائقها من طرف الأمن    اعتداءات على أستاذ نواحي اقليم الحسيمة تُفجر غضب نقابة تعليمية    ترجيست .. دعوات لتعزيز التنمية المحلية خلال افتتاح مقر للاتحاد الاشتراكي    استنفار تربوي بالحسيمة لمواجهة شبح الهدر المدرسي    النصيري يواجه شكوكا حول مشاركته المقبلة مع الاتحاد    سباق لقب الدوري الإسباني ينقلب بعد فوز برشلونة على أتلتيكو مدريد    آسفي يهزم يعقوب المنصور بثلاثية    حزب الاستقلال يصغي لانشغالات العدول ويؤكد دعم إصلاح المهنة وتعزيز استقلاليتها    رحيل مفجع للكوميدي شوقي السادوسي يخلّف حزناً كبيراً في الوسط الفني.    آلاف العراقيين العراقيون يحتفلون بتأهل منتخبهم لكأس العالم    موانئ الصيد تسجل انتعاشة قوية    استفحال ظاهرة صيد "التشنكيطي" يستنفر السلطات بعمالة المضيق الفنيدق    أخنوش يعلن من الحوز استكمال الحكومة لتنزيل برنامج تأهيل 1400 مركز صحي عبر التراب الوطني    برقاد يعرض خطة السياحة المستدامة            ترامب يهدد إيران ب"الجحيم" ويمنحها مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز    استعدادا للمونديال... مطار الرباط-سلا يدخل عصرا جديدا بطاقة 5 ملايين مسافر سنويا    مانشستر سيتي يتخطى ليفربول ويصعد إلى نصف نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولات الأسبوع على وقع الارتفاع    أطروحة دكتوراه بالمدرسة الوطنية بالحسيمة تناقش التلوث المائي بحوض إيناون    شوكي يستعرض نماذج نسائية للنجاح والتمكين في عهد حكومة الحالية        الفلسفة اختصاص فوق المذاهب والفرق    الفن المقلق في المجتمع المغربي    أمينوكس ينفي العلاقة بتنظيم موازين    مخزون السدود يقفز إلى أكثر من 12,7 ملايير متر مكعب في المغرب    "مسرح أبعاد" يمتع بعرض "نيكاتيف"    ثمانية قتلى في زلزال في أفغانستان    لجنة الاخلاقيات تستمع لبوشتة واتحاد تواركة وتؤجل الحسم    بمناسبة اليوم العالمي لداء السل .. أرقام مقلقة في جهة الرباط سلا القنيطرة    متحور "سيكادا" يعود للواجهة.. الطيب حمضي يوضح: سريع الانتشار وليس أكثر خطورة    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب    دراسة حديثة: العمر البيولوجي مفتاح صحة الدماغ وتقليل خطر السكتة    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل ستكون مواصلة تدريس المواد العلمية والتقنية بالعالي بوابة إصلاح التعليم ؟
نشر في هسبريس يوم 07 - 03 - 2014

الدافع إلى طرح قضية وضعية اللغة العربية كأداة للتعليم العلمي و التقني بالجامعة المغربية للتقييم على ضوء أجرأة الإصلاحات الجامعية المتعاقبة ، ابتداء مما سمي بالميثاق الوطني للتربية والتكوين ، هو الوقوف على مدى نوعية العمل الذي تم إنجازه بهدف تضييق الهوة اللغوية ما بين التعليم الثانوي المعرب و التعليم الجامعي المفرنس ،إذ الجميع كان ينتظر حلولا لوضعية تعليمية شاذة و لا معقولة تتلخص في كون المواد العلمية و التقنية تدرس باللغة العربية بالثانوي منذ سنة 1990 و ظلت مفرنسة بالتعليم العالي إلى الآن .وهذا التخبط في لغة التدريس لا يقع إلا في البلدان التي لا تتوفر على مخطط تعليمي واضح.و قد كان لزاما أن يتعرض ميثاق التربية الصادر في سنة2000 لهذه المعضلة لإيجاد حلول منطقية لها، لكنه اقترح بعض الأفكار "المسكنة " ظلت لحد الآن حبرا على الورق .
الملاحظ أن الميثاق لم يتحدث مطلقا عن مواصلة تعليم المواد العلمية و التقنية باللغة العربية على مستوى التعليم العالي كما كان منتظرا في بلاد كانت لغته الرسمية الوحيدة آنذاك هي اللغة العربية، ولكنه أشار إلى أن " الاستعداد لفتح شعب للبحث العلمي المتطور والتعليم العالي باللغة العربية "يستلزم إدراج هذا المجهود ،في إطار مشروع مستقبلي طموح ذي أبعاد ثقافية و علمية معاصرة يرتكز على التنمية المتواصلة للنسق اللساني العربي (...) وتشجيع حركة رفيعة المستوى للإنتاج والترجمة بهدف استيعاب مكتسبات التطور العلمي و التكنولوجي و الثقافي بلغة عربية واضحة (...) وتكوين صفوة من المتخصصين يتقنون مختلف مجالات المعرفة باللغة العربية و بعدة لغات أخرى"(البند 112)، كما أنه أشار إلى أنه سيتم « تدريجيا (...)فتح شعب اختيارية للتعليم العلمي و التقني (...)على مستوى الجامعات باللغات العربية" ( البند 114 ). و لتحقيق هذا المشروع و تطبيقه وتقويمه بشكل مستمر، بشر الميثاق بإحداث، ابتداء من السنة الأكاديمية 2000-2001 أكاديمية اللغة العربية باعتبارها مؤسسة وطنية ذات مستوى عال تضم تحت سلطتها المؤسسات و المراكز الجامعية المهتمة بتطويراللغة العربية ( البند 113 ).
نحن الآن في سنة2014 و " المشروع المستقبلي الطموح " الخاص بتطوير اللغة العربية لم ير النور بعد،و لم تعط الدولة أي اهتمام للبند113 المتعلق بإحداث أكاديمية اللغة العربية، بعدما مر على إعلان إحداثها وقتطويل...أما البند 114 الخاص بفتح شعب اختيارية للتعليم العلمي و التقني على مستوى الجامعات باللغة العربية ،فلم يلتفت إليه أحد من الأساتذة الجامعيين الباحثين و لا من الوزارة الوصية، إذ المسألة اختيارية (وهذه الكلمة غنية عن كل تعليق )،و هكذا يظل التعليم العلمي و التقني باللغة العربية بالجامعة المغربية غائبا و مغيبا وجميع القرائن تدل على أنه سيظل كذلك إلى أجل غير مسمى. الميثاق، كما يلاحظ، أتى ببعض الاقتراحاتالترقيعية للإصلاح اللغوي منمقة في أسلوب بديع، و لكنه بالنسبة للوضعية اللغة العربية كأداة للتعليم العلمي و التقني بالجامعة، لم يصلح شيئا، بل يمكن القول إنه ،بالجمود التام الملاحظ عليه في هذا الباب، فإنه عمل على نسف " المشروع الطموح" الذي بشر به وأنه مضى في ثبات إلى إقباره إلى ما لا رجعة فيه ، وهو الأمر الذي يدعو إلى الكثير من القلق بخصوص وضعية اللغة العربية في التعليم العلمي و التقني الجامعي و بوضعيتها كأداة للبحث العلمي. .
من حقنا ،و الحالة هذه، أن نتساءل عن الدوافع الكامنة وراء إيقاف مسلسل تدريس المواد العلمية و التقنية في حدود قسم الباكالوريا باللغة العربية ، وعن انعكاسات هذا الإجراء على المستقبل اللغوي لبلاد ينص دستورها على أنها مع الأمازيغية الآن( المعيارية و اللغات الأمازيغية الجهوية)، لغة رسمية .
هناك من جهة ذرائع واهية وهي غالبا ما تطفو على السطح،ومن جهة أخرى هناك عوامل مضمرة تفسر التقاعس من الخوض في عملية تدريس المواد العلمية و التقنية بالجامعة باللغة العربية، ،مما يجعل هيمنة اللغة الفرنسية متجلية بشكل شرس في جل ،إن لم نقل ، في كل القطاعات الإنتاجية بالبلاد .
و أما الذرائع الواهية غير العلمية وغير المبررة، فيمكن اختزالها في النقط التالية:
** قصور العربية عن التعبير عن المفاهيم العلمية و التقنية و التكنولوجية وعدم قدرتها على مواكبة العصر الحديث .
** ندرة الأساتذة الجامعيين القادرين على تدريس المواد العلمية و التقنية باللغة العربية على مستوى التعليم العالي .
** قلةالمراجع و المصطلحات العلمية و التقنية.
** ضرورةالإبقاء على اللغة الفرنسية في التعليم العلمي و التقني بالجامعة حفاظا على مستوى الشهادات المغربيةوذلك بتركها مفتوحة على نظيراتها الفرنسية و المشابهة لها.
ودحضا لهذه الذرائع المبنية على الجهل أو الغش أو الديماغوجية أو المراوغة ، يمكن القول :
-إن من يدعي عجز اللغة العربية و قصورها عن التعبير العلمي و التقني و التكنولوجي يعبر عن موقف غير علمي. فما اللغة، كما يقول اللسانيون القدامى و المعاصرون ،إلا نتاج بشري ،إذ الإنسان هو الذي يطور اللغة. فمتى تقدم في العلم و المعرفة، تقدمت اللغة، ومتى تأخر انعكس تأخره على لغته. فاللغة قادرة إذا كان مستعملها قادرا وضعيفة إذا كان ضعيفا. و نفهم من هذا أن العجز ليس في الأداة و لكنه في المستعمل لها وفي إمكاناته هو . على أن عدم أخذ المبادرة بحزم في استعمال اللغة العربية في الميادينالعلمية و التقنية اليوم هو الذي يهمشها و يبقيها على ما يشبه الضعف عند البعض. وأما توظيفها في هذه الميادين و تحدي كل الصعاب في ذلك كما يحدث في بعض الدول العربية اليوم، هو الذي سيؤدي حتما إلى مسايرتها لعلوم العصر الحديث .
- و بخصوص ندرة الأساتذة الجامعيين القادرين على تدريس المواد العلمية و التقنية باللغةالعربية، فإن الأمر لا يحتاج إلى القول بأن هذا مجرد ادعاء لا يصمد في وجه المنطق. ولنتساءل هنا:
" كيف أمكن تدريس المواد العلمية و التقنية باللغة العربية في الثانوي بإشراف أساتذة فرنسيي التكوين، تحولوا بعد أن بذلوا مجهودا يشكرون عليه ،إلى التدريس باللغة العربية،و كانت مردوديتهم في المستوى المطلوب ،رغم بعض التعثرات كما هو الحال في كل تجربة جديدة يخوضها الإنسان؟""كيف لا يمكن اتباع نفس النهج مع الأساتذة الجامعيين وهم الأساتذة الباحثون ، مهمتهم تعاطيهم للبحث ولا يمكن الشك في قدرتهم على تحديهم للصعاب اللغوية وعلى نقلهم و ترجمتهم للمفاهيم المكتسبة باللغات الأجنبية إلى اللغة العربية ؟"
"أو ليس الأستاذ الباحث بقادر على رفع هذه التحديات؟ أو لا يمكن لمن يتحمل المسؤولية الوطنية الكبرى في تكوين الأجيال و توجيهها بالجامعة المغربية أن يحول معلوماته من اللغات الأجنبية ، والفرنسية منها بالخصوص ، إلى اللغة العربية ،و أن يتعلم هذه الأخيرة إذا كان لا يتقنها؟"
"و ما الأسهل ،مواصلة تدريس المواد العلمية و التقنية باللغة العربية لعشرات الآلاف من الطلاب بالجامعة وهم العارفون لهذه اللغة أم تحويل بضعة آلاف من الباحثين الجامعيين لتغيير أداة التدريس من الفرنسية إلى العربية ؟"
" أو ليس من مسؤولية الأساتذة الباحثين البحث و الترجمة و إتقان اللغات ومن بينها اللغة العربية المرسمة ومسايرة التطورات العلمية و التكنولوجية بمصطلحاتها و إشاعة هذه الأخيرة و توظيفها في البحوث العلمية التي هم مطالبون بالقيام بها؟"
- وأما عن قلة المراجع العلمية باللغةالعربية،فهذا أمر سيظل قائما في غياب التدريس بهذه اللغة.
و للملاحظة،فإن اللغة الفرنسية نفسها تشكو من هذه القلة بالمقارنة مع المراجع باللغة الإنجليزية. و إذا لم يستعمل التعليم العلمي و التقنياللغة العربية بالجامعة، فلن تكون هناك ترجمة ولن يكون هناك تأليف و بالتالي لن تكون هناك مراجع باللغة العربية ،و الأساتذة الباحثون مطالبون بالاضطلاع بهذه المسؤولية الكبيرة . وطبعا و بكيفية مرحلية يمكن للطلاب و الأساتذة الاعتماد على اللغات الأجنبية التي من المفروض أن يكونوا قد تعلموها في مسارهم الدراسي لكي يستفيدوا منها و يفيدوا اللغة العربية بها في إنتاجاتهم .
-و فيما يتعلق بالمصطلحات، فهذا مشكل مصطنع، يرفعه خصوم اللغة العربية و الجاهلون لها والحاقدون عليها لمواصلة الفرنسة التي يقتاتون بها و منها. و لا يمكن لأي عاقل الزعم أن اللغة ، أية لغة ، لايمكنها إنشاء مصطلحات جديدة كما سبقت الإشارة إلى ذلك . وكم يحتاج علم"النيولوجيا" من"فونمات" لإنشاء مصطلح ما إذا علمنا أن كل لغة لا يتعدى عدد أصواتها الخمس و الثلاثين صوتا على الأكثر ؟ ثم كيف حل هذا المشكل في الثانوي ويتعذر حله في التعليم الجامعي إذا تصدى له بحزم الباحثون الجامعيون و هم القادرون على كل التحديات في هذ الميدان ؟ فتوظيف اللغة والتدريس بها هو الحافز على خلق المصطلحات .ولا بد من التذكير أن مشكل المصطلحات هو في توحيدها على مستوى البلاد العربية لا في إنشائها،وهذا أمر في المتناول لأن المعجم في اللغة لا يمس البنية النحوية / الصرفية وهيالجوهر والأساس في اللغة التي لا يمكن تغييرها كما هو الحال بالنسبة للمعجم القابل لأي تغيير، و يظل البقاء بالنسبة للمصطلحات للأصلح و الأكثر تداولا.
هذه الذرائع هي في الواقعحربظالمة تشن على اللغة العربية للتشويش عليها.
و أما العوامل الخفية و الحقيقية التي تقف حجر عثرة في تدريس المواد العلمية و التقنية في الجامعة باللغة المدسترة و الجاهزة الآن وكما كانت في الماضي البعيد و القريب ،فتكمن في الإشكاليات التالية :
** خطورة تدريس المواد العلمية و التقنية باللغة المدسترة على مصالح و امتيازات اللوبي الفرانكفوني المتحكم في القطاعات الحيوية بالبلاد و هو اللوبي الذي له تأثير كبير في القرارات السياسية .
** التأثيرات المختلفة للدولة الفرنسية، وهي الشريك التجاري الأول للمغرب ،و التي لا تتعامل إلا بلغتها نظرا لموقع القوة التي توجد فيه.
** خوف الدولة المغربية من نتائج تعريب لن يجد له انعكاسات إيجابية في المحافل الاقتصادية والأوساط العلمية في الداخل و الخارج وعدم ثقته في التعامل باللغة العربية – اقتصاديا و علميا - حتى مع الدول التي نتقاسم و إياها استعمال اللغة العربية ،وهي دول في معظمها ذات ثروات نفطية وغازية هائلة ،لكنها تظل مع ذلك دولا متخلفة علميا و تقنيا و تكنولوجيا .
** خوف الدولة المغربية من تغيير لغة ( الفرنسية)، أهلها متقدمون علميا و تكنولوجيا، بلغة أخرى مازالت تعاني من تخلف أبنائها، أكثر من نصفهم يجهلون القراءة و الكتابة و الحساب ،مع ما يرافق هذا الخوف من دسترة لغة ثانية تمعير و تقعد الآن، وقد نزلت للساحة تطلب بإصرار حقها في الوجود . وهي ترى أن اختيار اللغة الفرنسية سيريحها من مشاكل قد تأتيها من اللغتين المدسترتين .
بخصوص النقطة الأولى،من الضروري أن يكون لتدريس المواد العلمية و التقنية بالتعليم الجامعي باللغة العربية منافذ للشغل بهذه اللغة التي يجب أن تكون متداولة و لغة الاستعمال في القطاعات الهامة بالبلاد و إلا فما قيمة شهادة عليا لا تلقى أي ترحيب في سوق الشغل . وهكذا وفي غياب استعمال اللغة العربية في هذه القطاعات ،يمكن التساؤل : " أية منافذ بالإمكان فتحها في وجه الحاملين المحتملين للشهادات العليا العلمية المعربة؟ " فتدريس المواد العلمية و التقنية بالجامعة باللغة العربية إذا لم يستتبعه استعمال اللغة العربية في النسيج المجتمعي المغربي برمته، مآله الفشل . و الخطير فيما يحدث اليوم عندنا،في سوق الشغل،هو أن اللوبي الفرانكفوني المتحكم فيه و المعادي للغة العربية ،يرفض تشغيل حتىالخرجين من الشعب العلمية المفرنسة بالجامعة المغربية بدعوى عدم تمكنهم من اللغة الفرنسية ،فما بالك بالخرجين المحتملين من شعب علمية معربة؟ ويفضل هذا اللوبي اللجوء إلى أطر تنتمي إلى أوساطه، تلك التي درست في مدارس المصالح الثقافية الفرنسية بالمغرب وتابعت دراساتها الجامعية في المدارس و المعاهد العليا و الجامعات بفرنسا ،مستهزئة ب "المبادئ" وهي في الواقع أضاليلوردت في الميثاق من قبيل مبدأ "تكافؤ الفرص بين أبناء الشعب". وهذا اللوبي يرى أن من مصلحته أن يظل الانفصام اللغوي قائما بين الثانوي و العالي فيما يتعلق بتدريس المواد العلمية و التقنية ،إيمانا منه بأن التعليم العلمي و التقني بالجامعة حاليا ليس بإمكانه، رغم استعماله للغة الفرنسية ،أن ينتج إلا أطرا هجينة و ضعيفة لغويا و معرفيا ليس باستطاعتها الاستجابة لمتطلبات سوق يحتاج إلى أطر تمتلك ناصية اللغة الفرنسية بكيفية قوية وسليمة .
وعلى مستوى آخر، لا شك أن هناك ضغوطات صادرة عن الشريك التجاري الأول للمغرب يمكن وصفها بالتلقائية للتعامل باللسان الفرنسي والإبقاء على هيمنته في المجتمع المغربي، وهو ما يفسر هذا التواجد القوي للمدارس الفرنسية ،الابتدائية و الثانوية، على صعيد المدن المغربية الكبرى التي تعد المشاتل الخصبة لتكوين الأطر المغربية المفرنسة المعادية ،بصورة لاإرادية في أغلب الأحيان، للغة عربية لا ترى منفعة في تعلمها و لا يلزمها لا الميثاق "الوطني " و لا أي "إصلاح " آخرلفعل ذلك. وهكذا فقد استطاع التواجد الفرنسي في المغرب-عن طريق مؤسساته التعليمية- أن ينجب مغاربة فرنسيي العقلية و السلوك، غرباء لسانيا عن وطن متحكمين فيه،في غياب مدرسة موحدة وطنية يؤمها جميع أبناء المغاربة لا فرق بين من ينتمي إلى الطبقات الفقيرة أو الطبقات الغنية .
وأما الإشكالية الأخرى التي تواجه تدريس المواد العلمية و التقنية باللغة العربية بالجامعة المغربية فتتمثل في كون الدول التي نتقاسم معها استعمال اللغة العربية ،ليست من التقدم العلمي والتكنولوجي بحيث يمكن أن تكون لنا نموذجا يحتذى به، و بناء على هذا، يصبح من الطبيعي ألا يغامر أصحاب القرار السياسي عندنا بالانفتاح، باستعمال اللغة العربية في ميدان العلم و التكنولوجيا،على هذه البلدان التي تعاني مثلنا من التخلف. وهكذا يبقون على الفرنسة. إلا أن هذا الموقف غير مبرر بدليلوجود دول صغيرة، استطاعت أن تتقدم باستعمال لغاتها الرسمية بدون أدنى مركب نقص وحتى باللغة العربية إذا أخذنا بعين الاعتبار تجربة سوريا الناجحة على سبيل المثال. و ربما كان هذا التقدم السوري باللغة العربية هو من الأسباب التي جعلت بعض الدول المجاورة التي تفتقد إلى الدمقراطية ،مثلها مثل النظام السوري ، الهجوم على سوريا بدعوى أنها بلد يسوده نظام استبدادي.
واضح إذا أن المغرب يعرف حاليا تيها لغويا قد يجعل منه- لاقدر الله- امتدادا ل"المتربول"القديم الذي يجتهد بوسائله الخاصة للإبقاء على لغته مهيمنة و متحكمة في محمياته القديمة ويحاول الانفلات من الغول الأنجلوسكسوني وذلك بسيطرته هو بدوره على دول ضعيفة ،مثل المغرب، يحقق اليوم فيها بعضا من انتصاراته اللغوية الصغيرة، مستعينا بأبناء من هذه البلاد، لا غيرة لهم على اللغة العربية ولا محبة عندهم للغاتهم الوطنية. فإلى متى ستظل اللغة العربية مهمشة في التعليم العلمي و التقني بالجامعة وكذا في البحث العلمي الدقيق؟ وكيف سيكون المغرب في العقود القادمة،إذا استمرت الوضعية اللغوية على ما هي عليه الآن .إننا ونحن نتمرغ في هذه الحلقة اللغوية المفرغة نلاحظ أن الجسم اللغوي المغربي يعرف هشاشة لغوية تنم عن شخصية غير متوازنة لافتقادها إلى أداة لغوية قوية نتواصل بها ،كما نلاحظ بأسف شديد أن الميثاق "الوطني " للتربية و التكوين و الإصلاحات التي جاءت بعده لم تأت بأي جديدلتوحيد لغة التعليم العلميو التقني الذي يطبق في الثانوي باللغة العربية حيث عرف تقدما ملموسا ونتائج طيبة وأبعد عمدا وبشكل مقصود من الجامعة لأسباب تحتاج لاجتثاثها إلى قرار سياسي وطني شجاع،وهو قرار غير وارد الآن حتى مع الحزب الحاكم اليوم الذي كان ، و هو في المعارضة ، يدافع بشراسة عن اللغة العربية . وإلى ذلك الحين تظل اللغة الفرنسية لغة رسمية في المغرب المستقل وإن لم يكن منصوص عليها في الدستور...ولم تكن تحلم بهذا إبان الاحتلال بسبب وجود آنذاك حركة وطنية قوية كانت متشبتة بلغاتها الوطنية وعلى رأسها اللغة العربية العالمة العتيدة. فيا لسخرية هذا الزمنالرديء .
* رئيس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.