يقذفنا الدرس السوسيولوجي إلى أمثلة حية يمكننا اليوم أن نقارب بها واقعنا الاجتماعي مقاربة تحليلية تكشف المستور وتزيح الأقنعة، ولم يكن عالم الاجتماع بول باسكون مبالغا حين تحدث عن طبيعة المجتمع المغربي باعتباره مجتمعا مركبا، أو مجتمعا يقوم على المزج والتركيب، سواء على مستوى البنيات أو القيم أو أنماط التفكير، إن هذا التركيب لا يظهر فقط في البنى الكبرى، بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى أبسط الممارسات التي نمارسها دون وعي بخلفياتها الرمزية. ومن بين هذه الممارسات ما يمكن أن نصطلح عليه بظاهرة "العطايا حسب الوجوه"، وأنا هنا لا أتحدث عن سلوك فردي معزول، بل عن ظاهرة اجتماعية تعاد من خلال ملاحظات متكررة في مجالس متعددة، حتى خلصت إلى أن الإكراميات والهدايا لم تعد تمنح دائما وفق معيار الحاجة أو الاستحقاق، بل وفق معيار المكانة والوجاهة والسلطة الرمزية. في أصلها، الهدية فعل إنساني نبيل، و قيمة رمزية تعكس التضامن والتكافل والاعتراف بالآخر دون إذلاله، أن تكرم محتاجا دون أن تشعره بحاجته، أن تمنحه شيئا ذا قيمة ودلالة دون أن تحاصره بنظرة الشفقة، تلك هي الإنسانية في أسمى تجلياتها، غير أن ما نرصده اليوم هو تحول في دلالة العطاء، إذ أضحى في كثير من الأحيان أداة للتموقع الاجتماعي، ومناسبة للاستعراض، ووسيلة لاكتساب رضى من يفوقنا مقاما أو ثروة. لقد أصبح بعض الناس يتباهى بكونه يقدم هدية لفلان أو ينفق على علان، لا لشيء إلا لأن ذلك الآخر يحتل موقعا رمزيا مرموقا، وهنا يغيب السؤال الأخلاقي ليحل محله سؤال المنفعة: ماذا سأجني من هذه الهدية؟ أي شفاعة سأحصل عليها؟ أي رضى سأضمنه؟ وهكذا تتحول الهدية من قيمة رمزية إلى رأسمال اجتماعي يوظف في لعبة المصالح، وتفقد بعدها الإنساني لصالح بعدها النفعي. الإشكال لا يقف عند حدود المعطي، بل يتجاوزه إلى المتلقي أيضا، فقد يتقبل الآخر هذه العطايا ويبتسم ويفتخر، رغم أنه قد لا يكون في حاجة إليها، بينما يظل المحتاج الحقيقي على الهامش، خارج دوائر الضوء والمجالس،إنها مفارقة تكشف عن خلل في سلم القيم، حيث يتم تقديس الثروة والمكانة، لا الأخلاق والمبادئ. من منظور سوسيولوجي، لا يمكن اعتبار هذه الظاهرة مجرد انحراف عابر، بل هي تعبير عن بنية تفكير ترى في الآخر مرآة للذات، وتبحث عن كينونتها في رضاه، إنها ظاهرة مرضية أكثر منها شذوذا اجتماعيا، لأنها تعكس نقصا في الثقة بالذات، وحاجة دائمة إلى الاعتراف الخارجي، حتى وإن كان هذا الاعتراف مبنيا على وهم المكانة. لقد أشار بول باسكون إلى أن فهم المجتمع المغربي يقتضي إدراك طابعه المركب، حيث تتعايش القيم التقليدية مع حسابات المنفعة الحديثة، ويتجاور الخطاب الأخلاقي مع الممارسة النفعية، وبين هذا وذاك تتشكل ممارساتنا اليومية، فنرفع شعار الإنسانية، ونمارس في الآن نفسه منطق الوجاهة. ويبقى السؤال مفتوحا: إلى متى سنظل أسرى لمن لا يمتلك من المقومات إلا ثروة أو منصبا، فنطلب شفاعته ونسعى إلى رضاه، ونمنحه عطايا لا لأنه يستحقها، بل لأنه يمثل لنا سلطة رمزية؟ ومتى نستعيد جوهر العطاء باعتباره فعلا إنسانيا خالصا، لا وسيلة للتموقع ولا سلعة في سوق العلاقات؟ إنها دعوة لإعادة التفكير في معنى الهدية، وفي معنى الإنسان أيضا، حتى يكون العطاء تعبيرا عن إنسانيتنا، لا عن خوفنا، ولا عن رغبتنا في الصعود على أكتاف الآخرين.