في آخر حلقات حواره مع برنامج "أول الفهم" على هسبريس، قدم عبد العزيز بن عثمان التويجري، المدير العام السابق للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، شهادته حول "الربيع العربي" وآثاره، مع الوقوف عند محطات متفرقة، من بينها مرحلة تقتيل المسلمين في البوسنة بعد انهيار يوغوسلافيا، ومرحلة دخول جزر القمر إلى جامعة الدول العربية. وقال التويجري إن "الحرب في البلقان، وخاصة البوسنة والهرسك بعد تفكك يوغوسلافيا، شهدت مجازر بشعة جدا، من طرف الصرب والكروات، وذهبت بعد الحرب ورأيت المدارس والمعالم المدمرة (...) والحقد على الإسلام والمسلمين، وصبر المسلمين على الأذى والظلم (...) وأرسلت الإيسيسكو حمولة من الكتب والمراجع، ومبلغا لترميم المؤسسات المدرسية (...) ووجدنا كل شيء مدمرا، وفي الفندق المدمر مثلا أشعلوا لنا ثلاث أو أربع غرف (...) أما منظمة اليونسكو فلم تقدم لهم شيئا، إلا تنظيم حفل لرفع أعلام السلام، وترك هذا غصة في (صفوف قيادة الدولة بعد الحرب). وتعرف التدخلات الأجنبية، والسياسات المتحكمة في اليونسكو آنذاك، ففرنسا كان لها موقف من البوسنة ومسلميها". وتابع الشاهد: "انضمت البوسنة لمنظمة الإيسيسكو، قبل الضغط عليها للانسحاب لأنها عضو مراقب في منظمة التعاون الإسلامي، وهذه ضغوط من الغربيين لأنهم لا يريدون دولة أوروبية عضوا في منظمة إسلامية. وفي هذا الباب تفهم كذلك مضايقة الأوروبيين لألبانيا". ثم أضاف: "بعد ذلك مولنا في الإيسيسكو ترجمة القرآن الكريم بلغة برايل البوسنية للمكفوفين، وحضرت تقديمها. وزرت سراييفو مرة ثالثة بعد المحطتين السابقين، ورأيتها وقد تطورت ونمت، وصارت مدينة جميلة، مع تحديات مستمرة إلى اليوم مع صربيِّينَ يريدون اليد العليا، وهذا لن يحدث". وانتقد التويجري بشدة التصورات العنصرية وادعاء المركزية الحضارية، قائلا: "الحضارات تنبني بعضها على بعض، ولا تميز لحضارة على أخرى إلا بما يخدم الإنسانية والمعرفة والفكر والسلام في العالم". وشهد المتحدث على محطة أخرى هي العناية بتراث "جزر القمر"، وقال: "كان يعمل بها مندوب الإيسيسكو الدكتور مصطفى الزباخ (...) وصار مستشارا لرئيس الدولة (...) ونظمنا مؤتمرا للإيسيسكو في عهد الرئيس محمد سعيد جوهر، سنة 1992، وكان هذا المؤتمر النواة الأولى التي مكنت من انضمام جزر القمر إلى جامعة الدول العربية، لأن ممثلا عنها، حضر معنا، وطلبنا منه نقل خلاصات وتوصيات المؤتمر". وحول دولة أخرى من المنطقة ذات الأغلبية المسلمة، هي المغرب، شهد التويجري على أول استقراره بها قبل أربعين سنة، موضحا: "أنه خلال أول رحلة لي في المغرب سنة 1985، مررت بمدن عديدة لأصل إلى سبتةالمحتلة (...) وتألمت كثيرا من احتلال جزء لا يتجزأ من المغرب (...) فهي ومليلية والجزر الجعفرية جزء من المغرب تاريخا، وحضارة، وساكنة (...) والمملكة المغربية بقيادتها الحكيمة تعالج هذا الموضوع بكل حكمة وبعد نظر، في إطار العلاقات الودية والمصالح المشتركة بين المغرب وإسبانيا". واسترسل قائلا: "المغرب ركيزة من ركائز الحياة الإنسانية، وليس فقط العالم الإسلامي، وهو جزء من المنظومة العالمية بما أعطى من علوم ومعارف، عبر التاريخ، وما شكله من دولة قوية منذ الأدارسة إلى الدولة العلوية القائمة والمستمرة". وحول رأيه في "الربيع العربي" ومآلاته، وضعه التويجري في إطار مشروع "الفوضى الهدامة" لا "الفوضى الخلاقة كما ادّعي من قبل"، وهو ما طال "بلدانا مستقرة تنمو، وذات استقرار أمني وسياسي، وفجروها من الداخل. لا أزكي مثلا حكم الرئيس زين العابدين بن علي الذي كان صديقا لي وساعدني في عملي بالإيسيسكو ولكن دولته كانت مستقرة، وكذلك ليبيا التي تقسمت لدولتين ويجري الآن تآمر عليها واغتيالات رغم الملاحظات الكثيرة على حكم القذافي. وسوريا مثلا بعد الفوضى دخلها الكل، وصارت فيها طائفية مقيتة، وتدمير مدن كثيرة، وقد كنت أعرف بشار الأسد وعلاقاتي معه قوية ويشهد الله أني حدثته في خطورة الطائفية (...) وكانت لي علاقة طيبة معه، ومع أبيه حافظ الأسد ومع وزراء ومسؤولين سابقين". ثم أردف موضحا: "ما حدث تفجير للدول، كانت له أسبابه الداخلية المحلية، لكن هناك أيضا تأثيرات خارجية. والآن أراها صفحة سوداء، ولا أزكي الرؤساء الذين كانوا من قبل، لكن جلَّ من لا عيب فيه؛ فلننظر اليوم للرئيس الأحمق دونالد ترامب وفضائحه في ملفات إبستين هو والرئيس الأسبق بيل كلينتون وغيره، من الجرائم البشعة، فالعالم كله فيه صالح وطالح. لكن ما حدث عندنا، تدمير للمنطقة العربية، وإثارة للنعرات الطائفية، وإدخال المنطقة في دوامة من الصراعات والانقسامات". وحول المستقبل وأمل العمل المشترك، قال عبد العزيز بن عثمان التويجري إن "المسؤولية الأولى والكبرى على الهيئات الحاكمة، لأنها هي التي تستطيع أن توفق وتقارب بين الدول، وتحل المشاكل القائمة بينها، وكل الشعوب تريد التقارب والتضامن مع بعضها البعض. والخلافات تغرس بين الشعوب، وبعضها يصل إلى حد القطيعة والتجني؛ فلا بد من أن تكون الإرادات السياسية متوافقة ومتضامنة لما في مصلحة العالم الإسلامي وشعوبه". ثم تلي هذه المسؤولية مسؤولية "العلماء والمثقفين والإعلام؛ فلهم دور كبير في التوعية والتثقيف وتوجيه الرأي العام نحو المسارات التي تحفظ تماسك العالم الإسلامي وتضامنه. فهو وحدة في إطار التنوع، لأن فيه ثقافات ولغات وأجناسا واختيارات مختلفة، لكن يمكنه الاجتماع في الإطار الشامل الذي يوحد، في الحد الأدنى على الأقل". وبعد ذلك، يردف التويجري، مسؤولية "الجامعات، والخطاب الديني الذي يجب أن يبتعد عن لغة التكفير والتفسيق والتبديع، والتنابز بالألقاب، وأن نتعاون ويكون الوعظ والإرشاد بالتي هي أحسن، والتخاطب والجدال بيننا بالتي هي أحسن وأحسن إذا ما استحضرنا أننا مأمورون بالجدال مع غير المسلمين بالتي هي أحسن". وختم التويجري حواره بالقول: "ينبغي إبعاد الشعوب عن المهاترات والملاسنات والتنابز بالألقاب واستثارة المشاكل القديمة. وأنا من المتفائلين دائما، وسيأتي إن شاء الله بعد عسر يسرٌ، ولن يقع العالم الإسلامي فريسة لمن يريد أن يضعفه ويشتته ويقضي عليه، وما ينبغي علينا القيام به هو الحفاظ على مقومات الدين المعتدلة السمحة، فقد جاء رحمة للعالمين، هداية واستقامة، في غير تعصب ولا تشدد، فينبغي علينا بالتالي السعي لما فيه خيرنا وخير غيرنا، والحفاظ على رسالتنا هذه كفيل بأن يوصلنا إلى ما نبتغيه".