تغيير مواقيت العمل بالإدارات في رمضان    ألباريس: العلاقات بين المغرب وإسبانيا في أوجها وحجم التجارة يبلغ 21 مليار أورو    هيئة النزاهة: تصنيف المغرب في مجال الرشوة ومحاربة الفساد دون مستوى الانتظارات    الكتابة الجهوية بمراكش–آسفي تدعو إلى تسريع وتيرة الإصلاحات    "النهج": الفيضانات كشفت فشل السياسات العمومية في مجال التهيئة المجالية وتدبير الموارد الطبيعية    أساتذة مدرسة عبد بن ياسين بالحسيمة يحتجون على تأخر صرف منحة "رائدة" ويهددون بالتصعيد    التساقطات المطرية تخلف خسائر ب 163 طريقا وتغلق مسارات بالشمال    فنانة مغربية ضمن برنامج «مستقبليّات»: مفردات تكشف عن أسماء النسخة الثانية من مبادرتها الفنية العربية    سهرة شيوخ العيطة تحط الرحال بالدار البيضاء بعد نجاح دورتها الثالثة بالرباط    الفنان العياشي الشليح أستاذ الآلة وأحد الأعضاء الموسيقيين الأوائل .. ورقة أخرى تسقط من تاريخ الموسيقى الأندلسية    لقجع: نجاح تنظيم كأس إفريقيا بأطر مغربية يعزز الاستعداد لمونديال 2030    سد وادي المخازن يصل إلى 167 في المائة بعد استقباله 105 مليون متر مكعب في يوم واحد    الجديدة : العمل المشترك بين رئيس المحكمة ووكيل الملك مكن من تحقيق النجاعة القضائية        لعلج: "مونديال 2030" فرصة لتسريع التنمية وخلق قيمة مضافة محلية    نتانياهو يلتقي ترامب وصواريخ إيران على رأس جدول الأعمال    عمر الشرقاوي يفكك دلالات برقية التهنئة الملكية لمحمد شوكي وسلفه عزيز أخنوش    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأربعاء    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية        لحاق الصحراوية 2026: متسابقات يصنعن ملحمة رياضية بين الكثبان والبحر    توتر داخل الكاف قبل اجتماع دار السلام واحتمال غياب عدد من الأعضاء    إصابة عضلية تبعد برقوق عن الرجاء لمدة شهر    الودائع البنكية تسجل الارتفاع بالمغرب    بورصة البيضاء .. تداولات الافتتاح على وقع الارتفاع    برنامج "إحياء" يطلق "بوتكامب الجيل الجديد" بتثمين 30 مشروعا قرويا مبتكرا    انتقادات تلاحق عمدة الدار البيضاء بسبب رفضها مناقشة الدور الآيلة للسقوط وعمليات هدم الأسواق    حقينات السدود ترتفع إلى أزيد من 11,4 مليار متر مكعب بنسبة ملء تفوق 68 في المائة    "أونسا" يسحب ويتلف دفعات من حليب الرضع بعد تحذيرات دولية مستعجلة    النادي الصفاقسي يلوّح بالانسحاب من الدوري التونسي احتجاجًا على قرارات التحكيم    لابورتا يتأهب لخوض انتخابات جديدة على رئاسة برشلونة    تراجع أسعار النفط في ظل تقييم مخاطر الإمدادات    تقارير فرنسية .. الركراكي متمسك بمغادرة تدريب المنتخب            القصر الكبير: تأجيل عودة السكان لمساكنهم بسبب استمرار الاضطرابات الجوية وسط مؤشرات انفراج    أنفوغرافيك | عمالقة روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي    الصين: أكثر من 1,4 مليار رحلة في الأسبوع الأول من موسم السفر بمناسبة عيد الربيع    "مستر بيست" يستثمر في بنك لجذب "الجيل زد"    أتمسك بحقي في الصمت".. غلين ماكسويل ترفض الإدلاء بشهادتها أمام لجنة الرقابة بالكونغرس الأمريكي    الشرطة الكورية تداهم مقر المخابرات    دراسة تثبت نجاعة تمارين الدماغ في الحدّ من خطر الإصابة بالخرف    ترامب يطالب بحصة في جسر مع كندا    الجديدة : تفاصيل اعتقال أمني ورئيس جماعة في فبركة ملفات    المغرب يشارك في الدورة ال 61 لبينالي البندقية برواق في قلب "أرسينالي"    صدور كتاب نقدي جديد حول أنثروبولوجيا السرد الروائي بالمغرب للباحث والروائي أحمد بن شريف    النسخة الثانية لملتقى النحت والخزف بالدار البيضاء    في وداع الهرم الشفشاوني «سيدي العياشي الشليح»    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    منظمة الصحة العالمية تستأنف برامج التطعيم ضد الكوليرا    العواصف والشدائد والمحن والمخاوف ومنسوب الإيمان لدى المغاربة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    لأول مرة.. رئة صناعية تبقي مريضا على قيد الحياة 48 ساعة        دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة ترفع خطر وفاة مرضى السرطان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عيالات لانافيط: هموم مسافرات يومية بلا حقائب
نشر في هسبريس يوم 27 - 11 - 2010


حكايات نساء يعشن بين مدينتين
نجحت المرأة المغربية في تحقيق مكاسب مهمة، خاصة في السنوات القليلة الماضية، فولجت سوق الشغل، وتمكنت من المساهمة في العمل بنسبة تصل إلى 30 في المائة، حسب عمر الكتاني، أستاذ اقتصاد، فساعدت الرجل في تحمل أعباء العيش، بل وتكلفت بإعالة الأسرة بدلا عنه في بعض الحالات، من بينهن نساء اضطرتهن متطلبات الحياة، والبحث عن لقمة العيش، والرغبة في تحقيق الذات للتنقل اليومي، بعدما آنسن في الماضي الراحة، وكن لا يكترثن لعناء الكسب. مسافرات بلا حقائب، يحملن همومهن للانتقال من مدينة إلى أخرى، بحثا عن مورد رزق. ولبلوغ هدفهن، يتعرضن للكثير من الأحداث، فضلا عن معاناة يومية تنهك جيوبهن، وتهدد سلامتهن.
يكفي فقط التجول في الساعات الأولى من صباح كل يوم، لمشاهدة عشرات النساء يقفن في محطات القطار، الحافلات، وسيارات الأجرة للانتقال إلى مقرات عملهن، التي قد تبعد مئات الكيلومترات، فيجدن أنفسهن مجبرات على الانتقال من مدينة إلى أخرى من أجل لقمة عيش. هذا السفر اليومي أجبر المرأة على تغيير شخصيتها لمواجهة كافة الأخطار المحذقة بها وهي في طريقها من وإلى العمل، لا رفيق لها إلا كتاب، أو جريدة، أو تجادب أطراف حديث لا يرجى منه إلا كسر الملل، وقضاء الوقت. ويشكل الزمن عند هؤلاء، والتحملات النفسية القوية المتصلة بظروف التنقل، ضغطا يوميا يؤثرعلى أدائهن المهني واستقرارهن الاجتماعي.
القطار: قد يأتي أو لا يأتي
يعتبر السفر عبر القطار من وسائل النقل المفضلة لدى الكثير من نساء "لانافيط" (السفر اليومي)، باعتباره الأكثر أمانا وسلامة، بالنظر للأرقام الصادمة التي تخلفها حرب الطرق يوميا بالمغرب، والتي أصبحت ترعب الجميع بمن فيهن مستعملات الطريق، خاصة اللاتي يتنقلن بشكل يومي. ورغم ما يوفره القطار من أمان وراحة بالمقارنة بغيره من وسائل النقل، إلا أن السفر فيه لا يخلو من محن ومعاناة، تزداد حدتها في مواسم الأعياد، والعطل، حيث يكثر الازدحام، وقد تتضاعف لحظات الانتظار، التي قد تصل إلى الساعات، تقول بهيجة "أصبحت أكره سماع إعلانات المحطة، تصيبني حالة من الذعر خوفا أن يكون الإعلان خاصا بتأخير موعد انطلاق القطار، وقد شاركت في وقفات عدة آخرها حين انضممت لاحتجاج مسافرين في محطة تمارة، بسبب شدة الازدحام داخل عربات القطارات، ناهيك عن "انعدام المكيفات التي يعتبر وجودها من رابع المستحيلات، فتصبح المقصورات عبارة عن صناديق فولاذية ساخنة لا تطاق، وبالتالي يجد المسافر نفسه أمام خدمات متواضعة، لا تحترم حتى حاجته إلى السفر، في مقعد يضمن له الحد الأدنى من الراحة بالنظر لثمن تذكرته، الذي يزداد باستمرار"، في السياق نفسه، أشارت خديجة، موظفة بوزارة العدل، إلى أنها طيلة 7 سنوات من التنقل بين الدارالبيضاء والرباط، جربت السفر بكل الوسائل آخرها القطار، إلا آنها اكتشفت أن الأمر لا يختلف من وسيلة إلى أخرى، إذ عاشت المعاناة نفسها، رغم أن القطار أكثر أمنا.
الطاكسي: رحلة محفوفة بالمخاطر
"تشعر وأنت على متن سيارات الأجرة الكبيرة بالحنين إلى الماضي لشدة تقادمها، إذ أن معظمها تجاوز العشرين عاما، وكان من المفترض أن تنال تقاعدها منذ مدة، مع منحها أوسمة للشرف لصمودها أمام الحفر، والطرقات المتهالكة" تقول عائشة، عاملة بشركة بعين السبع وتسكن بابن سليمان. وتضيف قائلة "ليس لي اختيار آخر، استعمل الطاكسيات لأنني لا أجد غيرها لاتنقل من ابن سليمان إلى المحمدية، ومنها إلى عين السبع. جربت أن أسكن بالدارالبيضاء، لكنني لم أستطع العيش بعيدا عن أسرتي، رغم أن السفر بسيارات الأجرة محفوف بالمخاطر، إلا أنني لا أجد خيارا آخر غيره".
لم تخف عائشة، تسكن بالمحمدية وموظفة بشركة خاصة بالدارالبيضاء، امتعاضها من سائقي سيارات الأجرة، وقالت بأنها تنطق الشهادتين، وتقرأ ما تيسر من القرآن كلما همت بركوب الطاكسي الكبير، خوفا من حادث ما قد يؤدي بحياتها. وأضافت موضحة " بعض السائقين بمجرد أن يمسكوا مقود السيارة يتحولون إلى أشخاص شرسين، وبعضهم لا يفوت فرصة لسب الآخرين، أوالتسابق مع غيره من السائقين، ومنهم من يقود سيارته في اتجاه معاكس لتجاوز باقي السيارات، خاصة عند توقف السيارات في إشارات المرور، وأحيانا كثيرة نسلم من حوادث اصطدام بلطف الله، إلا أن السائق لا يسلم من شتم الراكبين".
وأجمعت الكثير من النساء على أن معاناتهن مع الطاكسي تبدأ في فجر كل يوم، حين يقفن لساعات في طابور طويل انتظارا لقدومه ، مما يسبب لهن مشاكل كثيرة في العمل بسبب التأخير، والوصول مرهقات، بالإضافة إلى ما يتعرضن له من تحرش ومضايقات، سواء من طرف "زبناء" الطاكسي، أو سائقه. تقول حليمة "منذ 5 سنوات وأنا استعمل سيارات الأجرة للانتقال من المحمدية إلى الدارالبيضاء، حتى أصبحت من أهم زبناء "الطاكسي الشيبي"، ورغم ذلك مازلت أتعرض للمضايقات، وكثيرا ما اضطر لتحمل تصرفات بعض الرجال، الذين يحاولون ملامسة جسمي بشتى الطرق".
الحافلة: صراع يومي للفوز بمقعد
تعتبر الحافلة وسيلة التنقل الأرخص بالمقارنة مع غيرها، والأكثر استعمالا. إلا أن أكثر زبوناتها يعملن في محور الدارالبيضاء، المحمدية، عين حرودة، وابن سليمان. وتستقطب نساء يشتغلن في الغالب في شركات خاصة، في حين تفضل الموظفات التنقل في القطار، أو سيارات الآجرة الكبيرة.
والتنقل بالحافلة لا يخلو، بدوره، من المخاطر والمتاعب، بدءا من الصراع اليومي، مع عشرات الركاب أمام باب الحافلة، للفوز بمقعد داخلها، دون التعرض للضرب، أو الدخول في مشاداة كلامية، أو التعرض للسرقة. تحكي بهيجة كيف تعرضت، في الأسبوع الأول من رمضان الماضي، لسرقة سلسلتها الذهبية من عنقها، دون أن تشعر، ولم تدرك الأمر إلا بعد جلوسها في الحافلة، حينها بدأت تصرخ، وهي تردد "سلسلتي مشات، داك البرهوش مول الكاسكيط داها"، أمسك أحدهم بالطفل صاحب القبعة، لكنه أنكر بشدة سرقة السلسلة. لم تتمكن بهيجة يومها من الالتحاق بمقر عملها، وبالإضافة إلى إضاعت حليها، خصم منها يوم من أجرتها، لأن رب عملها لم يتفهم الأمر، وطالبها بشهادة طبية أو الرضوخ للأمر.
طرق قتل الوقت
تختلف طرق قضاء الوقت في "لانافيط"، إذ تغط المتعبات في نوم متوتر، خصوصا من يستيقظن باكرا لتحضير وجبات الأكل، أو الاعتناء بالبيت والأولاد. أما "المثقفات" ، اللائي يفضلن استعمال القطار في تنقلاتهن، فينهمكن في قراءة الصحف، أو مراجعة بعض الملفات، أو يستعملن أجهزة الكومبيوترات المحمولة للغوص في عالم الإنترنيت، بعيدا عن ضوضاء المقصورات. أما المهمومات، أو الحالمات، فيسرح بصرهن عبر النوافذ، أكثرهن ربما يفكرن في مخرج من أزمة مالية، أو حل لمشكل أسري، خاصة بتزامن العطلة السنوية مع رمضان والدخول المدرسي، ثم عيد الأضحى، الذي يطرق الأبواب. تقول نصيرة، موظفة بمحكمة الاستئناف بالدارالبيضاء، "علي الاستعداد منذ الآن لجمع المال لشراء خروف عيد الأضحى"، وزادت ضاحكة، "فكما يقال تظهر قرون الكبش في آخر زلافة للحريرة".
أما البعض، فتجدهن يتبادلن أطراف الحديث طوال الرحلة في الهاتف النقال، ومنهن من يتخدن من وسائل النقل فضاء لتوسيع دائرة معارفهن، والتواصل مع الآخر، ولما لا العثور على عريس بالنسبة للعازبات، فكم من صداقات نشأت على الطريق، منها علاقات تطورت إلى زواج.
ولعل من الأمور اللافتة في القطار أن الصمت هو القاعدة والحديث استثناء، بعكس الحافلة، التي تتسم بالكثير من الضوضاء. وفي بعض الأحيان تتعالى أصوات بعض المتحدثين، أكثرهم نساء، كاشفة عن تفاصيل حياتهن، ومنهن من يستغل زمن الرحلة لإفراغ همومه، خاصة أن الشخص المتحدث معه رفيق طريق فقط، قد لا يجمع القدر بينهما بعد تلك اللحظة.
نجاة: لانفيط جعلت زوجي يخونني
بكت نجاة(القنيطرة، 45سنة) بحرقة شديدة وهي تحكي قصة طلاقها من زوجها عبد الكريم، بعد قصة حب ملتهبة و وزواج عمر حوالي عشر سنوات أثمر طفلين. تقول والدموع متحجرة في عينيها" لم أكن أشك في حبه لي، وظننت أن عملي البعيد، وسفري الدائم بين الرباط والقنيطرة لن يؤثر في علاقتنا، إلا أن الأيام أثبتت العكس، فبحكم عملي في مدينة أخرى، كنت أسافر بشكل يومي بين المدينتين، أركب القطار في تمام الساعة السابعة صباحا ولا أرجع إلا ليلا، في حدود الثامنة مساء، حينها يكون زوجي خارج المنزل، ولا يعود إلا في ساعات متأخرة، فيجدني نائمة. ومع مرور الأيام، ازدادت الهوة بيننا، وأصبح حوارنا جافا. وعندما كنا نلتقي خلال أيام العطل، كان يتذرع بكل الوسائل للخروج، أصبح يفضل الجلوس في المقاهي، وتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه على البقاء في المنزل. وازداد الوضع سوءا مع انجاب طفلي الثاني، الذي كنت أتركه لآمي لرعايته طيلة الآسبوع، فزادت علاقتي بزوجي توترا، وأصبح سريع الغضب. وذات يوم، أحسست بعياء شديد، فغادرت عملي بالرباط باكرا وعدت إلى منزلي لأكتشف زوجي مع امرأة أخرى، لم تكن أصغر مني سنا، ولا حتى أجمل مني، لكنها كانت، حسب ما قاله لي، بجانبه كل الوقت. واعترف لي أنه يعاشرها منذ سنوات، لأنه ضجر من امرأة دائمة السفر.
فاطمة الزهراء: تدوسها أقدام الركاب بلامبالاة
تحكي فاطمة الزهراء(المحمدية،52سنة) كيف غادرت منزلها بالمحمدية كعادتها في السابعة صباحا. كان اليوم شديد الحرارة. استقلت سيارة أجرة صغيرة في اتجاه محطة الحافلة رقم 900، الرابطة بين المحمدية والدارالبيضاء، لتصطدم بازدحام شديد. بسبب ازدياد عدد الركاب من نساء، ورجال نتيجة تأخر الحافلة. وبعد حوالي نصف ساعة من الانتظار، ظهرت الحافلة، فبدأ عشرات الركاب يتزاحمون ويتدافعون للصعود. وجدت فاطمة الزهراء نفسها وسط الحشد الكبير، فحاولت بدورهاالتدافع من أجل الصعود، للفوز بمقعد طيلة زمن الرحلة المقدر في ساعة، إلا أنها تعثرت وسقطت أرضا. لم ينجدها أحد، بل داست أقدام الراكبين جسدها النحيل بلامبالاة. صرخت بأعلى صوتها، ولم تنجدها إلا يد إحدى رفيقاتها في رحلاتها اليومية. نفضت الغبار عن جلبابها الآزرق، لم تتمالك نفسها، فبدأت بالصراخ ساخطة على جميع الركاب، واصفتهم بعديمي الإنسانية. ومنذ تلك الحادثة قررت فاطمة الزهراء البحث عن عمل آخر بالمدينة نفسها، وإن كان أقل أجرا.
فوزية: "لانافيط طيحت صحتي"
تعاني فوزية( 49سنة، تسكن بالرباط وتعمل صحفية بالدارالبيضاء منذ 18 سنة)، من أمراض "ورثتها من سفرها اليومي"، حسب قولها. وأكدت أنها تشكو من ارتفاع الضغط الدموي، وداء السكري والقولون العصبي. قضت أحلى سنوات عمرها في القطار، حيث تمضي قرابة 12 ساعة أسبوعيا، آي ما معدله 48 ساعة شهريا. وأوضحت قائلة "حياتي، منذ سنوات، عبارة عن دائرة مفرغة يملأها الروتين، حيث تبدأ رحلتي اليومية صباحا بتحضير الفطور لابنتي وابني وزوجي، وتركه فوق طاولة الطعام، ثم انتظار الحافلة، التي تقلني إلى محطة الرباط المدينة، وبعد الوصول إلى الدارالبيضاء استقل سيارة أجرة في اتجاه العمل، ثم أعود مساء حوالي السابعة مساء، لتبدأ رحلة أخرى، وهذه المرة في مطبخ المنزل، حيث أجهز العشاء، وغذاء اليوم الموالي، وهكذا مضت 18 سنة، دون أن أشعر بشبابي الذي ضاع في ترحالي اليومي، ولا وضعيتي الصحية، التي تدهورت يوما بعد يوم. والآن أعيش بالأدوية، بالإضافة إلى ما أعانيه من توتر عصبي، يفقدني السيطرة على هدوئي، سواء في العمل أو المنزل. وفي الكثير من الأحيان أجد نفسي في حالة من الانهيار وأرغب فقط في الخلود إلى النوم طويلا".
ملحوظة : توفيت فوزية بعد إنجاز هذا التحقيق.
عمار حمداش، أستاذ باحث في علم الاجتماع
عمل المرأة خارج مدينة إقامتها غير مقبول اجتماعيا
كان السفر إلى عهد قريب مقرونا بحركة الذكور عبر المجال، ولا تكون النساء ضمنه إلا مرافقات، أما أن يتخذ سفرهن وتحركهن بعيداعن بيت الأهل طابعا يوميا، نظرا لكونهن يشتغلن خارج فضاء البيت ومتطلبات رعايته اليومية من جهة، وخارج مدينة الإقامة من جهة ثانية، فذلك ما لم يكن واقعا ضمن دائرة المقبول والمعقول اجتماعيا، وما يزال كذلك بالنسبة للكثيرين إلى اليوم.
مثل هذه الحركة المكوكية، الحاضرة يوميا في مشاهد أفواج ومواكب الموظفات والمستخدمات عبرالقطار، ومحطات سيارات الأجرة والحافلات، ترجع لعوامل عديدة، بعضها يعكس تطورات اجتماعية مهمة، مثل اتساع رقعة تأهيل النساء، كما يعكس بعضها الآخر اختلالات تستدعي المراجعة، وأساسا ما يتصل بتركز عدد من الأنشطة، الخدماتية والإدارية والاقتصادية، بالمدن الكبرى للبلاد. أما الانعكاسات والتداعيات فهي، دون شك، بحاجة إلى استقصاء وبحث، للتعرف على أهمها ومواقع تأثيرها، من بينها الانعكاسات المهنية المعروفة، حيث تظل المعنيات بالسفر اليومي مشدودات إلى لحظات الذهاب والإياب، ومواعيد وسائل التنقل، بما لا يتناسب وشروط الانكباب على أداء المهام المهنية.
من جانب آخر، قد تكون الاعتبارات الأسرية، قبل الزواج بالنسبة للبعض من هؤلاء المستخدمات أقل وطأة، بالمقارنة مع المتزوجات المتحملات لمسؤولية أسرهن، حيث يشكل الضغط الزمني عند هؤلاء، بالإضافة إلى الاستنزاف المالي الذي يفرضه السفر اليومي على جيوبهن، والتحملات النفسية القوية المتصلة بظروف التنقل... عوامل يجهل نوع الانعكاسات التي تحدثها على صعيد الأسرة، في غياب دراسات علمية حول الموضوع، إلا أنه يمكننا الاستئناس ببعض المؤشرات الدالة على مدى ثقلها، من ذلك مثلا تلك الأعداد المتزايدة المطالبة بالالتحاق بمقر إقامة أزواجهن، زد على ذلك المستفيدات من المغادرة الطوعية للعمل، أو اللواتي يقدمن طلبات الاستفادة من التقاعد المبكر، دون الحديث عن مؤشرات ذات صلة باضطراب أحوال الأسرة واتجاهها نحو التفكك .
تداعيات السفر اليومي
- الاستنزاف المالي.
- أداء مهني ضعيف.
-الإحساس المتواصل واليومي بالعياء، قبل استئناف العمل.
- الانشغال بالزمن، وهاجس التنقل والوصول إلى محل الإقامة، خاصة بالنسبة للمتزوجات.
- الضغط النفسي.
- تداعيات أزمة النقل، وانعكاساتها، خاصة خلال أيام الاضرابات.
- صعوبة التحاق الموظفات بمقرات عملهن، خاصة في أوقات الذروة.
- التعرض للمضايقات، التحرش الجنسي، والسرقة، خاصة في الحافلات، وسيارات الأجرة.
- مواجهة خطر حوادث السير.
تكاليف "لانافيط" الشهرية
أظهر بحث ميداني، أجرته "سيتادين"، أن السفر اليومي مابين محل إقامة المرأة ومكان عملها، يستنزف ميزانيتها الشهرية، ويكلفها مبالغ يصعب تحديدها، مع ما تفرضه الحياة اليومية من التزامات ومتغيرات. وأكدت معظمهن أن التنقل يستأثر بجانب كبير من ميزانيتهن حسب كل شهر، إذ يضطررن في بعض الأحيان، خاصة في المساء، إلى استعمال وسائل تنقل عديدة للوصول إلى بيوتهن، مما يجعل تكلفة التنقل تتضاعف، وقد تمتص نصف الدخل الشهري. وتختلف التكلفة حسب وسائل النقل المعتمدة، ويعتبر القطار أغلاها، تليه سيارات الآجرة الكبيرة، فحافلات النقل العمومية.
تكلفة النقل بالقطار(شهريا)
محور الدارالبيضاء - القنيطرة: 1152 درهم.
محور الدارالبيضاء - الرباط: 840 درهم.
محور الدارالبيضاء - المحمدية: 360 درهم.
تكلفة النقل بسيارات الأجرة(شهريا)
ما بين الدارالبيضاء والمحمدية: 336 درهم.
مابين الدارالبيضاء وابن سليمان: 406 درهم.
مابين المحمدية وابن سليمان: 70 درهم.
رشيد دهني مفتش شغل
المرأة تستفيد قانونيا من تعويضات عن تنقلها
أكد رشيد دهني، مفتش شغل، أن المرأة الأجيرة تستفيد من تعويضات عن تنقلها وأخرى خاصة بأكلها; في حالة عدم توفر المؤسسة على مطعم خاص بذلك. وتختلف التعويضات حسب الأجر والشركات، إذ تعتبر المؤسسات المتعددة الجنسية أكثر الشركات احتراما لأداء تعويضات تناسب مهمة الأجيرة، وراتبها الشهري.
ويتراوح تعويض الأكل، أو ما يصطلح عليه في سوق الشغل ب "بريم البانيي"، بين 300 و450 درهم في الشهر. في حين تستفيد الأجيرة من تعويضات عن تنقلها، في حالة تعدت المسافة 20 كلم عن مكان اشتغالها، ويتراوح مبلغ التعويض، الذي يحتسب ضمن الأجر الشهري، بين 400 و700 درهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.