يشكل رمضان بالنسبة للسلاطين المغاربة فرصة للتعبد وللمبادرات البرية والإحسانية بأوجه متعددة ولكنه لا يخلو كذلك من جوانب تتسم بالعنف لإخضاع القبائل المتمردة والأمراء المتمردين. تاريخ المغرب يزخر بنماذج عن العلاقات المتعددة بأعمال السلاطين خلال شهر رمضان من البر والتقوى إلى مجابهة الأعداء وإلى وفيات السلاطين بأشكال مباغتة. العادات المخزنية في رمضان يعتبر موضوع السلاطين المغاربة والمبادرات الدينية من المواضيع المهمة في تاريخ المغرب.. حيث نجد عددا كبيرا من المؤرخين المغاربة درجوا على تناول الموضوع والاقتراب منه من مجموعة من الزوايا : وصف جلسات السلطان في أيام رمضان والاستعداد والإعداد لها وكذلك في وصف أسفاره إلى المناطق المغربية المتعددة زمن الشدة وزمن الرخاء في رمضان وتشير العديد من الكتابات إلى هذا الموضوع لأنها تصف حالة جاهزية الحاكم للحكم ومتابعته للشأن الديني عن قرب باعتباره أميرا للمؤمنين. ويدخلها المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان في «العادات المخزنية»،أي انها تصاحب جميع السلاطين وهي متأصلة على المستوى الاجتماعي والفقهي ومترسخة كفعل نفسي في رمضان في ارتباط السلطان بالرعية و بحالة الفقه الشرعي ضمن شروط البيعة. بينما تعمل المؤسسة الشرعية على ترسيخها والتذكير بها في أكثر من مناسبة. تاريخيا هذه العادات المخزنية المرتبطة في شهر رمضان توارثها الملوك والسلاطين المغاربة عبر دول مغربية متعاقبة من تاريخ المغرب وبالتالي يعمل باقي السلاطين على دوام استمراريتها وتطبيقها. في اطار المذهب المالكي والإمامة الكبرى المتبعة في المغرب لقرون طويلة والتعايش معها. وهي عادات ترفع درجة تميز سلاطين في الغرب الإسلامي عن المشرق العربي والبلاطات الشرقية. ودرج الاخباريون المغاربة في وصف السلاطين المغاربة والمبادرات الدينية في رمضان ومنحها أهمية كبرى وفي إبراز مزايا السلطان الأخلاقية من الفضل والكرم والجود والإحسان والسخاء… مصبوغة ومتبوعة بالأحاديث الدينية خلال هذا الشهر الكريم. وفي هذا الإطار تأتي عادة قراءة سفر من أسفار البخاري كل ليلة (عددها خمسة وثلاثون سفرا) وفق ترتيب منهج يتولى فتحه قاضي العاصمة الذي «يتولى السرد بنفسه يسرد نحو الورقتين من أول السفر ويتفاوض مع الحاضرين في المسائل (…) والسلطان في جميع ذلك جالس قريبا من حمى الحلقة قد عين لجلوسه موضع»، كما أورده المؤرخ الإفراني في ” نزهة الحادي”. وتعتبر المجالس الرمضانية فرصة كبرى للقاء العلماء بالسلاطين حيث يتم تبادل الأفكار الدينية ببعدها السياسي والإجتماعي ويتم التعامل معهم في هذه الحالات كعلماء ومرشدين يقدمون المشورة والنصح وهم مهيئون أكثر من غيرهم للتعامل مع هذه القضايا الكبرى والتذكير بها. ويقدم السلطان كعالم جليل كما هي حالة السلطان المولى سليمان الذي كان يعتبر نفسه فقيها وألف الكثير من كتب الفقه…وهنا يأتي دور الإمامة الكبرى التي تعتبر أن السلطان ” هو أول المجتهدين ولا اجتهاد من دون تزكيته “. لذلك لامناص من اعتبار العلماء لمكانته العلمية الرفيعة على أنه يعمل على نشر تعاليم الدين الصحيحة وأنه هو المؤهل لصيانة الحقل الديني وتنقيته من الشوائب وحفظ وجه العلماء والإغداق عليهم بظهائر التوقير والاحترام وبالكسوة والمكانة الجيدة وبالرواتب والعلاوات….ووضعهم إلى جانبه في مناسبات رمضان وخارجه. وتشكل قصور السلاطين المكان المناسب ودواوينه المكان الأرحب في لقاء اللسلطان بالعلماء ورجال الدين والفرصة للتناول مواضيع بعيدا عن العامة و وإبراز الإختلاف فيها ليتسنى للسلطان التعرف عليها مقدمة من طبيعة الحال من طرف أناس مشهود لهم بدرجات كبيرة من المعرفة ومن العلماء المقربين والمخلصين للسلطان يبرزون فيها الجوانب المبدئية والمقاصدية بالاجتهاد وفق نهج يروم التأصيل والتنزيل والتعليل… وغني عن البيان أن استماع السلطان بصفته أميرا للمؤمنين لمدخلات العلماء هو بمثابة المباركة للطروحات المقدمة. وفي نظر د. محمد حاتمي، أستاذ التاريخ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله أن وحدة العقيدة للدولة وللأمة يتعامل مع جزئياتها بنوع من الصرامة الكبرى ” فإن الدولة حرصت من جانبها باستمرار على ألا يمس الجزئيات أي تغيير وإن رمزي. ومن الأمثلة ذات الدلالة توحيد القراءة وشكل الصوامع والمقولات قبل صلاة الجماعة وبعدها ولباس الأئمة… إنها إجمالا ممارسات توضح بالملموس الرغبة في التميز والوفاء لمعايير محلية تراكمت على مر القرون. والمرجع الحاسم في تبني الصرامة هو المذهب المالكي الذي يعطي للإمام الحق في الضرب بقوة على يد كل من تسول له نفسه زعزعة العقيدة والمس بالإجماع “. الحرب وبناء المساجد ووفيات السلاطين حسب العديد من الدراسات التاريخية المغربية فإن العديد من السلاطين المغاربة قاموا ببناء العديد من المساجد والصوامع خلال شهر رمضان. وسجل رمضان كذلك مجموعة من وفيات السلاطين بشكل مباغت منهم تاشفين بن علي الذي توفي في ليلة 27 من رمضان من سنة 529 ه، الذي يوافق سنة 1134 ميلادي. والزعيم الموحدي ابن تومرت الذي وافته المنية في 13 من رمضان سنة 524 ه/1129، والملك الموحدي عبد الواحد المخلوع الذي انتقل إلى دار البقاء في5 رمضان من سنة 621 هجرية، الموافق ل20 شتنبر من سنة 1224ميلادي. ومنهم السلطان الموحدي يحي بن محمد الناصر الذي وافاه أجله في 28 رمضان من 633 ه، 5 يونيو 1236م، ثم السلطان محمد الخامس الذي رحل إلى دار البقاء في 10 رمضان من سنة 1380 ه / 26 فبراير 1961. وشهد العصر العلوي أيضا حروبا داخلية طاحنة بين السلاطين وأقاربهم في شهر رمضان الكريم كان لا مفر من اعلان الحرب فيها وقيادة الجيوش وهو ما حدث في حرب المولى الرشيد مع ابنه المولى محمد الذي زحف على مراكش، وحاصرها في شهر رمضان من سنة 1082ه/ 1671م. وخلال شهر رمضان من سنة 1089ه/ 1678م، عرف أيضا تمرد إخوة السلطان مولاي إسماعيل، وهم المولى الحران، والمولى هشام، والمولى أحمد على أخيهم السلطان مولاي إسماعيل، مما جعلته يواجههم بنوع من الصرامة المبالغ فيها. وكان شهر رمضان يعتبر فرصة سانحة لتجديد الجهاد والغزوات وعملياتها السريعة خلال شهر رمضان.