لم تكن الدراسات الاستكشافية الأولى للمجتمع المغربي، والتي اضطلع بها باحثون أوربيون، لتتحرر من النزعة الوصفية الموجهة صوب التمهيد لتثبيت السلطة الاستعمارية. لذلك فإن معظم ما طُرح من مقاربات كان منصبا على توصيف المجتمع المغربي انطلاقا من عتاد منهجي وجهاز مفاهيمي غربيين، مع ما يشوب هذا الإسقاط من تعسف، إن لم نقل من تسلط منهجي. على أن هذه الدراسات قد خصت الزعامات بالقسط الأكبر من الوصف والنمذجة، وهو ما يترجم ارتباط هذه الدراسات بشرطها الكولونيالي. إذ إن دراسةً استكشافية للزعامات، يتكامل فيها الفحص التاريخي والاقتصادي والسوسيولوجي والسياسي، كفيلةٌ برسم الخطوط الكبرى التي يمكن أن تسعف السلطات الاستعمارية في بسط سيطرتها على الأهالي. وكان على العلوم الاجتماعية في المغرب أن تنتظر بروز اسم بول باسكون (1932- 1985) كي يتسنى لها أن تستقل بجهازها المفاهيمي وعتادها المنهجي المنسجم وخصوصية المجتمع المغربي. وفي سياق نقد إسقاط التحليل الاجتماعي للمجتمع الأوربي على المجتمع المغربي صاغ بول باسكون جهازا مفاهيميا ينسجم مع خصوصية المجتمع المغربي، استعاض مفهوم النظام الفيودالي بمفهومي القايدية والنظام القايدي، مكرسا لذلك دراسة حول القايدية في الحوز باعتبارها شكلا خصوصيا لعلاقات الإنتاج والمؤسسات التي سادت بشكل واضح في أواخر القرن 19 ومطلع القرن 20. ويصنف بول باسكون ثلاثة اتجاهات في النظر إلى القايدية: وجهة نظر روبير مونطاني وأوجين كيرني والحركة الوطنية. إن النظام القايدي حسب باسكون لا يمكن أن يوجد إلا في حضن قبيلة مستقلة نسبيا تعين بنفسها رؤساءها وتختار ممثلا عنها من أسرة قوية، ليستلم قيادتها. وبخصوص التأثير الاستعماري على النظام القايدي فيبدو أنه يحدث على مستويين: مستوى العمق، حيث يكون الاستعمار مسؤولا عن تعميق وعنف عملية تأسيس النظام القايدي، وكذا على مستوى الشكل، حين زودت الإدارة الاستعمارية النظامَ القايدي بقانون أساسي وإطار قانوني لم يكن ليدركه بدون هذا التزويد سواء من ناحية التقنين، أو من ناحية منح النظام القايدي دلالةً. لقد وُلد النظام القايدي في الهامش، وتقوى مع التدخل الاستعماري، غير أنه لم يستنفد نمطه المثالي، على الرغم من التصاقه بالتكوين المجتمعي المغربي. يبقى أن هذا النظام لم يستطع أن ينمو إلا كإجابة عن ضعف السلطة المركزية الناجمة عن السيطرة الاستعمارية ذاتها. ولعل ما أضعف هذا النظام وساهم في اندحاره تلك الصراعات المحتدمة بين القبائل، بالإضافة إلى غياب الإنتاج، مما أسس لظهور زعامات جديدة حسب واتربوري تمثلت في: النخب العسكرية والإدارية والتجارية والحزبية والنقابية، والأعيان. يركز بول باسكون على ضرورة تعميم الدراسة بمختلف مناطق المغرب لمعرفة الاختلافات في المسار التطوري للظاهرة القايدية، باعتبارها أحد أشكال الزعامات في المجتمع المغربي تختلف في مسارها التطوري وأدوارها عن مثيلتها في المجتمع الأوربي. من بين أهم الزعامات في المجتمع المغربي نجد الأعيان. فقد وجد الاستعمار الفرنسي أن هذا النظام القبلي قابل لأن يتحول إلى أداة تسهل من مأمورية تثبيت الجهاز الإداري، خاصة وأن هذه الزعامات لم تكلف السلطات الاستعمارية مصاريف الأجرة أو المقر. إن هؤلاء الأعيان كانوا أعوانا في الربط بين السكان والسلطات الاستعمارية، وهذا النظام يتوافق مع ما يُعرف ب "حكومة الرجال"؛ بما يمتازون به من هيبة تعود بالأساس إلى مكانتهم القديمة، وكذا إلى النفوذ الذي تتمتع به أوساطهم العائلية. وجدير بالإشارة أن الأعيان فقدوا دورهم السياسي خلال المرحلة التي تمت خلالها عملية نقل السلطات. ينضاف إلى ذلك أن الأعيان تعرضوا للإهانة والإذلال من لدن حزب الاستقلال وجيش التحرير، ومع ذلك حافظوا على أراضيهم وممتلكاتهم وتشبثوا بالعمل على النهوض بوضعياتهم تبعا لما تفرضه الأنماط العصرية. مما مكّنهم من الحصول على نفوذ جديد دون الاستناد على مكانتهم القديمة. فعندما سعت الإدارة الجديدة إلى التوسع استعانت بأبنائهم وأحفادهم وأقربائهم، الشيء الذي منحهم موقعا في النظام الجديد "للنخب" المحلية بصفتهم إداريين أو منتخبين. وقصارى القول فإن "نخبة" الأعيان هي الضامن الأساسي لاستمرار العالم القروي، وهي "النخبة" التي تحولت بشكل تدريجي من قواد الحرب إلى ملاك عقاريين كبار. في سياق تحديد خصائص الزعامات المحلية، وتحديدا الأعيان المحليين، استنتجت بعض الدراسات أن ما يضمن امتلاك سلطة العين ثلاثة عناصر أساسية هي: 1) القاعدة السوسيو- اقتصادية، وهي نتاج التداخل بين ما هو اجتماعي وما هو اقتصادي، والتي تتمظهر في الانتساب إلى عائلات تمتلك الوجاهة والثروة، فالثروة تسمح لهذه العائلات بوضع اعتباري خاص وموقع هيمنةٍ في التراتبية الاجتماعية، وتمنحها وسائل الفعل في النسيج الاجتماعي للجماعة. هذا الامتلاك للوجاهة والثروة يمكِّنها من سلطة إعادة التوزيع وإسداء الخدمات والحماية، وذلك اعتمادا على الأساس الاقتصادي المتمثل في الملكية العقارية، وهذا ما يبرز تاريخيا في امتلاك الزوايا للأراضي الشاسعة. ولا تزال وظيفية، سواء في المجتمع القروي أو الحضري. 2) مجال هيمنة، إذ تكون الهيمنة على مجال نفوذه بداية لاستلام العين مصالحَ اقتصادية في هذا المجال. مما يفضي إلى بناء محليته اقتصاديا، فتصير مصالحه متصلة بمصالح من يحميهم. والحاصل أن امتلاك صفة عين محلي هي نتاجُ نضج اجتماعي بطيء. فالسيطرة على المجال/التراب تعني قبل كل شيء بناء حقل المصالح التي يكون فيها العين نقطة ارتكاز. هذه القدرة نتاج دينامية اجتماعية تتطلب زمنا طويلة كي تُبنى. 3) نسج شبكة التحالفات، التي هي مزيج من العلاقات العائلية والقبيلة والدينية والسياسية. ومن هنا يبدو مفهوم الشبكة أساسيا، إذ يدل على أن العين ليس معزولا؛ وإنما هو فاعل قادر على تحريك فاعلين آخرين للوصول إلى نتائج تسهم في تقوية صورة الوسيط الخدوم لجماعته. وبهذا تتيح الشبكة للعين إمكانية التأثير. وبالتوافق مع العنصر الثالث في تحديد الزعامة المحلية، تشير مقاربة أخرى إلى أن العلاقات الزبونية تضطلع بوظيفة ترسيم سلطة الزعامات المحلية، بل إنها تمكنه من الاتصال بزعامات جهوية ومركزية. من هذا المنطلق يغدو مفهوم الزبونية إجرائيا في توصيف دور الوساطة الذي يقوم به العين المحلي بين عموم السكان والسلطة المركزية. وفي ظل التحولات السياسية والاجتماعية بالمغرب، خضعت زعامات الأعيان في تطورها إلى هذه التحولات وغيرت معاييرها ومجال نفوذها. ومرد ذلك إلى أن هذه التحولات قد منحت بنيات جديدة تجسد فرصا مناسبة لظهور الزعامات الجديدة ، وقد كسرت نخبة الأعيان الجديدة قواعد التموقع الاجتماعي والسياسي، وعملت على استغلال الوضع القائم نتيجة الموروث من الوسائل المالية والعقارات، لتصبح الزعامة أقل ارتباطا بالإمكانيات الموروثة من قبيل شبكة العلاقات والتقاليد السياسية، وبذلك صارت نخبة الأعيان المحلية الجديدة تبحث عن وسائل الاعتراف (الذي تمنحه لها المجموعة التي تنتمي إليها) والتي تختلف عن وسائل الاعتراف التقليدية، من قبيل مسارات التكوين والمكتسبات المعرفية والعلمية والانخراط في عالم المال والأعمال وموقعهم داخل المؤسسات الاجتماعية والسياسية. هذه التحولات السياسية والاجتماعية واكبتها تحولات اقتصادية مست فروعا من الأنشطة الاقتصادية الأكثر ربحا، من قبيل الريع والعقار والصفقات العمومية.. وقد طالت هذه التحولات ما هو مجالي، حيث توسع المجال الحضري على حساب المجال القروي خاصة في المدن الصغرى. ينضاف إلى ذلك أن التقسيم الإداري الجديد (2010) قد منح بعضها تسمية العمالة والإقليم. ولعل فرص الثراء والوجاهة التي أتاحتها هذه التحولات لم تنحصر في دائرة من يتوفر لديهم شرطا الحظوة والنسب، بل سمحت هذه الفرص لمن لا يمتلك هذه الشرطين بانتزاع مكانته بين وجهاء المنطقة. بهذا المعنى، صار من الممكن لهذه الفئة أن تمارس دور الوساطة، وهو دور لم يكن ليتحقق بغير خوض المعترك الانتخابي، ومن ثمة تَقلُّدِ منصب يسهل الاضطلاع بهذا الدور. ولأن فئة الأعيان تخضع كغيرها من الفئات لما يطرأ من تحولات في المجتمع، فإن المعايير التي تتحدد بها قد تغيرت. ذلك أن شرط الإرث العائلي لم يعد ملزما في الانتساب إلى هذه الفئة، واكُتفي بشروط الثراء (ويشار إلى أن طرق تحقيقه قد تغيرت أيضا) ومجال الهيمنة وشبكة العلاقات. والنتيجة أن فئة الأعيان الجديدة حافظت على نفس الوظائف المتصلة بالوساطة محليا وإقليميا وجهويا، منسجمة في ذلك مع الوظائف التي ارتبطت بالأعيان التقليديين.