في سياق المطالب الاجتماعية المتكررة لبعض الفئات العاملة في القطاع العمومي وشبه العمومي، تبرز مجددًا قضية حاملي الشهادات الجامعية غير المدمجين في السلاليم المناسبة داخل قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية. ويطالب هؤلاء الموظفون بتسوية وضعيتهم الإدارية بمجرد الإدلاء بالشواهد، دون المرور عبر المباراة، في خرق واضح للقانون ومبدأ تكافؤ الفرص الذي نص عليه الدستور المغربي. لا جدال أن من حق أي موظف أو مستخدم تطوير مساره المهني والأكاديمي، لكن هذا الحق لا يُمكن بأي حال أن يتحول إلى مدخل لممارسة ضغط نقابي من أجل فرض تسويات إدارية خارج الضوابط القانونية والتنظيمية المعمول بها. منذ سنة 2011، ومع صدور المراسيم التطبيقية للقانون التنظيمي المتعلق بالوظيفة العمومية، وتحديدًا بعد دورية الوزير الأول رقم 20/2012، قطعت الدولة المغربية بشكل رسمي مع نظام الترقية بالشواهد، وأقرت المباراة كآلية وحيدة للولوج إلى المناصب الأعلى، وذلك تماشيًا مع مقتضيات الفصل 31 والفصل 36 من دستور 2011، اللذين ينصان على مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الوظائف العمومية. وقد جاء المرسوم رقم 2.11.100 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات تنظيم مباريات التوظيف في المناصب العمومية ليؤكد هذا التوجه، حيث جعل المباراة هي الأداة القانونية الوحيدة المعتمدة للولوج إلى المناصب أو تغيير السلم، سواء عبر التوظيف أو الترقية الداخلية. رغم وضوح النصوص، قامت بعض المؤسسات العمومية في السنوات الأخيرة بتسوية وضعية عدد من المستخدمين بناءً فقط على توفرهم على شواهد جامعية (إجازة، ماستر…)، دون أي مباراة أو تكوين مسبق. وتم ذلك إما تحت ضغط نقابي أو في غياب مراقبة صارمة من طرف القطاعات الوصية. وهو ما يُطرح أكثر من علامة استفهام حول مشروعية هذه التسويات، خصوصًا أن مؤسسات أخرى مشابهة رفضت هذه المطالب احترامًا للضوابط القانونية. كيف يُعقل أن يُدمج مستخدمون في السلم العاشر أو الحادي عشر في مؤسسة معينة، في حين يُرفض نفس الطلب لنظرائهم في مؤسسات أخرى رغم تساويهم في الوضعية والشهادة؟ أليس هذا خرقًا صارخًا لمبدأ المساواة؟ أليس هذا كيلًا بمكيالين يُفقد الإدارة العمومية مصداقيتها ويزعزع ثقة المواطنين في منطق العدالة الإدارية؟ من الناحية العملية، فإن إدماج آلاف الموظفين فقط بناءً على الشهادة، دون تقييم لقدراتهم الوظيفية أو إخضاعهم لتكوين يؤهلهم لتحمل المسؤوليات الجديدة، ستكون له عواقب وخيمة على جودة المرفق العمومي. ذلك أن الحصول على شهادة لا يعني بالضرورة امتلاك الكفاءة التطبيقية أو المهارية اللازمة لممارسة مهام الإشراف أو التأطير. المناصب العليا، سواء في السلم العاشر أو الحادي عشر، لا تُمنح فقط بناء على الشهادة، بل هي نتاج لمسار وظيفي متكامل يمر عبر التدرج، التكوين، التجربة، والاختبار. إدماج مباشر دون هذه المراحل هو مجازفة غير محسوبة تضر أكثر مما تنفع. النقابات، من جهتها، تلعب دورًا مشروعًا في الدفاع عن مصالح الشغيلة، لكن لا يجب أن تكون المطالب وسيلة للمحاباة أو لتكريس الاستثناءات داخل القطاعات. بالمقابل، فإن الدولة، من خلال الحكومة، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتقديم توضيحات رسمية حول هذه الملفات، وباتخاذ قرارات موحدة، عادلة، وشفافة تنسجم مع مبدأ "ربط المسؤولية بالمحاسبة" ومع التزامات الحكومات المتعاقبة في الحفاظ على حياد وفعالية المرفق العمومي. المقاربة المثلى لتسوية هذا النوع من الملفات تكمن في فتح مباريات داخلية مخصصة للموظفين الحاصلين على شواهد، مع تمكينهم من التكوين والتأهيل اللازمَين، بشكل يضمن التوفيق بين مطلبهم المشروع وبين الحفاظ على كفاءة الإدارة العمومية. بهذه الطريقة فقط، نكون قد احترمنا النصوص الدستورية، وضمانا المساواة بين جميع الموظفين، دون التمييز بين من ينتمي إلى مؤسسة خضعت للضغط النقابي ومن لم يخضع. حان الوقت لتُغلق الدولة المغربية هذا الملف بشكل نهائي وواضح، بعيدًا عن منطق "تسويات استثنائية" أو "ترضيات ظرفية". وحده القانون يجب أن يكون الفيصل. أما سياسة الكيل بمكيالين، فإنها تُقوض الثقة في الإدارة، وتُضعف دولة المؤسسات.