يرتقب أن يشهد «المعرض الدولي للنشر والكتاب»، بالعاصمة الرباط، في دورته الحادية والثلاثين الممتدة من 30 أبريل إلى 10 ماي 2026، تقديم النسخة الأولى من رواية «جنون» بتوقيع كاتبها حميد ركاطة، وذلك في محطة جديدة تكرس حضور هذا الاسم ضمن المشهد الروائي المغربي، وتأتي هذه الرواية الصادرة عن «مؤسسة الموجة الثقافية» امتدادا لمشروع روائي يتسم بالنزوع نحو التجريب وتفكيك القوالب الجاهزة. ومن خلال روايته الجديدة، يواصل الكاتب حميد ركاطة مساءلة البنيات الاجتماعية والثقافية عبر نص سردي مكثف، يزاوج بين الرمز والتشويق، ويقترح على القارئ تجربة قراءة متعددة المستويات، فمن خلال «جنون»، لا يكتفي الكاتب بإعادة إنتاج الحكاية، بل يسعى إلى إعادة تشكيلها عبر تقنيات سردية متداخلة، تستثمر في تعدد الأصوات وتكثيف الدلالات. الرواية، التي تتجاوز 350 صفحة، لا تنصاع للبنية التقليدية القائمة على تدرج خطي للأحداث، بل تعتمد بناء تراكميا تتجمع فيه الخيوط السردية تدريجيا إلى أن تتكشف الصورة في النهاية، وهو اختيار فني يمنح النص نفسا قويا، ويضع القارئ أمام تجربة تأويلية تتطلب الانخراط الفعلي في تشخيص تقلبات العمل الذي يبرز اشتغالا واضحا على العمق النفسي للشخصيات. فالشخصيات في «جنون» تتحول إلى علامات دلالية تتجاوز بعدها الحكائي المباشر، لتلامس أسئلة الوجود والتحول، ولا تقدم ككيانات ثابتة، بل كذوات في حالة تشكل دائم، تتحدد ملامحها من خلال الأدوار التي تؤديها داخل النسيج السردي، ومن خلال علاقتها بمحيطها الاجتماعي والسياسي، بينما ينجح ركاطة في نسج روابط ذكية بين الحكايات، مستثمرا خبرته الإبداعية في بناء عالم سردي متماسك، رغم تعدد مساراته وتشعبها. تأخذ الرواية قارئها إلى مساحة سردية لا تفصح عن نفسها منذ الوهلة الأولى، بل تغري بالدخول التدريجي إلى عوالم متداخلة ومتشابكة بذكاء، يتجاور فيها القلق مع الحنين، وتتقاطع فيها التجربة الفردية مع أسئلة أوسع تتصل بالوجود والهوية، وعبر كتابة تراهن على شد القارئ لا عبر الحدث وحده، بل عبر الإحساس بأن كل تفصيل يقود إلى معنى أبعد مما يبدو. في قلب نسيج العمل، يظهر «مراد» في مرحلة متقدمة من العمر، منشغلا بإعادة ترتيب ماضيه من خلال ما تركه له جده «الحاج علال»، لا يتعلق الأمر بقراءة مذكرات بقدر ما هو انخراط في مسار معقد يقوده إلى تتبع أثر عائلته: الأب «نضال»، الأم «حورية»، ثم الأخت «مروة» التي ستصبح بدورها جزءا من آلة الحكي قبل أن تنسحب منها بشكل غامض، وكأن الرواية تتعمد ترك فراغات لا تملأ بسهولة. ومن خلال هذا المسار، تتكشف سيرة عائلة عرفت تحولات حادة، انتقلت من موقع القرب من السلطة إلى موقع مناهض لها، في انعكاس لتحولات أوسع داخل المجتمع، غير أن ما يمنح هذا التحول فرادته ليس الحدث في حد ذاته، بل الطريقة التي يعاد بها بناؤه، حيث تتوزع خيوط الحكاية على عناصر تبدو عادية: أشياء صغيرة يحتفظ بها مراد، لكنها تتحول إلى نقاط ارتكاز يستند إليها السرد ليعيد تشكيل الوقائع. وتنفتح الرواية على شبكة من الأسئلة المرتبطة بالعلاقات الإنسانية في تعقيدها: التباس الهوية، تداخل الرغبات، هشاشة الولاء، وتوتر العلاقة مع الآخر، وفي هذا السياق، لا تبقى الشخصيات مجرد أدوات داخل الحكاية، بل تكتسب نوعا من الاستقلال، إلى حد أنها تعارض أحيانا المسار الذي يراد لها، في إشارة واضحة إلى وعي النص بذاته، وإلى رغبته في كسر الحدود التقليدية بين السارد والمسرود. ويحضر البعد الرمزي بقوة، خاصة من خلال عناصر تتحول إلى مفاتيح لقراءة التجربة، حيث يتخذ «مكعب النرد» مثلا وظيفة تتجاوز شكله، ليصبح صورة لاحتمالات متعددة تحكم مسار البطل، كما تستعيد الذاكرة وجوه نساء تركن أثرهن في حياته، ضمن علاقات متشابكة تستعيد، بطريقة غير مباشرة، سيرة الجد وما طبعها من انفتاح على تجارب إنسانية مختلفة. لا تنفصل هذه المسارات عن الفضاء الذي تحتضنه، إذ تتحول الأمكنة، من مكناس إلى الرباط، إلى جزء من الحكاية، لا مجرد خلفية لها، كما تبرز شخصيات نسائية تحمل بعدا نضاليا، سواء في الماضي أو الحاضر، في تواز يوحي بأن التجارب الفردية ليست سوى امتداد لسياقات أوسع، تتكرر فيها الأسئلة وإن اختلفت الظروف، من هنا تقدم «جنون» نصا يتحرك بين الواقع والتخييل في رحلة غير آبهة بإجابات جاهزة. وكما تظل الرواية مفتوحة على قراءات متعددة، تستجيب لانتظارات القراء والنقاد على حد سواء، لا تخفي الرواية انتماءها إلى سياق مغربي خالص، حيث تتشبع بمدلولات اجتماعية وسياسية وتاريخية، وتعيد طرح أسئلته بلغة أدبية مشحونة بالإيحاء، حيث يحرص الكاتب على التمييز بين عمله ورواية «جنون» للكاتب النمساوي أرتور شنيتسلر، مؤكدا أن نصه ينبع من تربة محلية، ويستمد قوته من خصوصية التضاريس المغربية. بهذا الإصدار الروائي الجديد، يواصل حميد ركاطة ترسيخ مساره كواحد من الأصوات التي تراهن على تطوير الكتابة الروائية في المغرب، من خلال الانفتاح على أشكال سردية مغايرة، والبحث المستمر عن أفق جمالي يزاوج بين العمق الفكري ومتعة القراءة، ذلك عندما تتعمق رواية «جنون» في مشروعها السردي من خلال بنية داخلية دقيقة تقوم على أربعة فصول كبرى، تحتضن في مجموعها 39 عنوانا فرعيا. وفي عمق العمل ما يمنحه امتدادا حكائيا متشعبا يعكس تعدد الرؤى وتداخل المسارات، ففي الفصل الأول، تنفتح الرواية على عناوين دالة مثل «نيكاتيف»، «على حافة الجحيم»، «أنشودة الريح»، «مجرد سؤال»، «مراد»، «فلاش باك»، «حوار مع الشيطان»، «السي علال»، «كرة البلياردو»، «مكعب النرد»، «مصفاة نرجيلة»، «تذكرة السينما»، «قلم الرصاص»، «أوراق الرهان» و»هيلين»، وهي عناوين توحي بعالم يتأرجح بين الواقعي والمتخيل.أما الفصل الثاني، فيأخذ القارئ نحو فضاءات أكثر غموضا عبر «الدهليز الأول»، «الدهليز الثاني»، «الدهليز الثالث»، و»دهليز أهل الكهف»، قبل أن يستعيد تقنية «فلاش باك» ويستقر عند «إمبراطورية في مهب الريح»، في بحث داخل متاهة سردية، وفي الفصل الثالث، تتكثف الأبعاد الاجتماعية والسياسية عبر عناوين مثل «شيء لله يا شيخي الكامل»، «لؤلؤ»، «دسائس ومؤامرات»، «نساء الرياض»، «مسرار» و»أم الخير». وينفتح الفصل الرابع على ذروة الأحداث من خلال «الوجه والقناع»، «حورية»، «جلبة داخل الرياض»، «اختفاء غامض»، «تنظيم سري»، «كنانيش جدي»، «السي علال»، «سقوط ورقة التوت»، «الفخ»، «منيرة»، «جراح الروح» و»دم الحوت»، حيث تتقاطع الخيوط لتكشف عن مآلات الشخصيات في بناء سردي متماسك، يعكس قدرة حميد ركاطة على التحكم في إيقاع الحكي وتشييد عالم روائي مغاير عن باقي كتاباته. ولا تقتصر الرواية على البناء الحكائي فحسب، بل يفتتح كل فصل بحكم وتأملات حول مفهوم الجنون في علاقته بالحب والعقل والحرية والذكاء والإنسان، مستلهمة من مرجعيات فكرية وأدبية عالمية، من قبيل غسان كنفاني، إيمانويل كانط، فريدريك نيتشه، ميشيل فوكو، إيميل سيوران، نجيب محفوظ، جان بول سارتر، شمس الدين التبريزي، ألبرت أينشتاين وأوسكار وايلد، وهو ما يضفي على النص بعدا يزاوج بين الأدب والفلسفة. وتنطلق الرواية من مدخل سردي مشحون بالعاطفة والالتباس، حيث تستدعي «ذات المرأة» التي قادت البطل نحو تخوم الجنون، لتتحول إلى هاجس دائم يطارده في وجوه العابرين، في تداخل بين الذاكرة والرغبة والخيال. كما تطرح الرواية أسئلة مقلقة حول السلطة والمعرفة، من خلال صوت متمرد يتساءل عن مصداقية الخطاب الطبي وسلطة «أصحاب الوزر البيضاء»، في إشارة إلى نزعة نقدية تجاه المؤسسات. تندرج «جنون» ضمن مسار إبداعي متنوع لحميد ركاطة، من أعمال روائية مثل «مذكرات أعمى»، و»أسرار شهريار» (بشراكة مع الروائي المصري شريف عابدين)، و»حياة واحدة لا تكفي»، مع أفق إصدار رواية «إليان»، فيما يمتد إنتاجه إلى القصة القصيرة جدا بأعمال مثل «دموع فراشة» و»ذكريات عصفورة»، فضلا عن مساهماته النقدية من بينها «العتبات النصية في القصة القصيرة جداً» و»أنطولوجيا الرواية بجهة بني ملالخنيفرة». ويعزز هذا المسار انخراط الكاتب حميد ركاطة في الحقل الثقافي المغربي، بصفته عضوا في اتحاد كتاب المغرب، ورئيسا لمركز روافد للأبحاث والفنون والإعلام بخنيفرة، ما يجعل من «جنون» حلقة جديدة في مشروع يسعى إلى مساءلة الواقع وإعادة تشكيله فنيا، عبر كتابة تنفتح على التجريب وتراهن على إرباك يقينيات القارئ المغربي وإغنائه في الآن ذاته.