بعد قرن من نهاية حرب الريف، ماذا تبقّى من محمد عبد الكريم الخطابي؟ لا شيء تقريبًا في العلن. لا تماثيل، لا ساحات، لا متاحف، لا اعتراف رسمي. وكأنّ هناك إرادة صامتة لمحو اسمه، لطمس أثره، لاقتلاع تاريخه من ذاكرة الشعوب. لكن ما لا يُقال هو الأهم: عبد الكريم لم يُهزم كما يريدون أن نصدّق. نعم، سقط مشروعه عسكريًا، لكن روحه لم تسقط. لأنّ بعض الهزائم، حين تكون في مواجهة الاستعمار، تتحوّل إلى بذور لا تموت، بل تنتظر. لا أرى نصبًا يحمل اسمه، لكنّي أراه في العيون التي لم تنكسر. لا أرى قبرًا يُزار، لكنّي أسمع صوته في الحكايات التي تُروى خفية، كأنها فعل مقاومة. لا أرى احتفالات رسمية، لكنّي أرى ذاكرة حيّة، عنيدة، ترفض أن تُصادر أو تُختزل. إنّهم يريدون ذاكرة بلا مقاومة، تاريخًا منزوع الدسم، ماضيًا بلا شوكة. يريدون أن يتحوّل عبد الكريم إلى صفحة منسية، إلى اسم يُذكر بلا معنى. لكن الحقيقة أقسى: لقد كان مشروعه تمرّدًا جذريًا، ثورة على نظام الهيمنة، وعلى كل أشكال الخضوع. بعد مائة عام، ما بقي ليس دولة، ولا سلطة، ولا حدود. ما بقي هو أخطر من ذلك: فكرة لا تُروّض. فكرة تقول إنّ الاستعمار يمكن مواجهته، وإنّ الكرامة ليست شعارًا بل موقفًا، وإنّ الشعوب قادرة على أن تنهض، حتى حين تُترك وحدها. هذه الفكرة لم تحمها مؤسسات، ولم ترعها دولة، ولم تتبنّها سلطة. عاشت رغم الإهمال، رغم التهميش، رغم محاولات الإعدام الرمزي. عاشت لأنّ هناك من رفض الخضوع للنسيان. اليوم، لم يعد السؤال: ماذا ورثنا؟ بل: ماذا سنفعل بهذا الإرث الذي حُرمنا منه؟ إذا لم تكن هناك نصب، فعلينا أن نكون نحن النصب. إذا لم تكن هناك ذاكرة رسمية، فعلينا أن نصنع ذاكرة متمرّدة. إذا صمتوا، فعلينا أن نرفع الصوت. أنا لا أتكلّم بصفتي قاضيًا، بل بصفتي شاهدًا على محاولة محو، ووارثًا لذاكرة مُصادَرة. لقد تُرك لنا إرث هشّ، أقرب إلى الأسطورة، لكنّه في الحقيقة مسؤولية ثقيلة: أن نحافظ على ما أُريد له أن يندثر. أن نعيد الحياة لما حُكم عليه بالصمت. وحين تغيب الحجارة، تصبح الكلمات سلاحًا. وحين تُمحى الآثار، تصبح الذاكرة ساحة معركة. وحين يُراد لنا أن نصمت، تصبح الكتابة فعل مقاومة. أن نكتب، لا لنُمجّد، بل لنُقاوم. أن نكتب، لا لنكرّر، بل لنُحيي. أن نكتب، لأنّ الصمت خيانة. لعلّ هذا هو الإرث الحقيقي لعبد الكريم: ليس ما تركه وراءه، بل ما فرضه علينا. ذاكرة لا تقبل الموت. وقضية لا تسقط بالتقادم. ووعد بأنّ ما زُرع في زمن المقاومة، سيعود يومًا في زمن التحرّر. وهذه المسؤولية لا تخصّ فردًا واحدًا، بل كل من يحمل الكلمة كسلاح: المؤرخون، الفنانون، الكتّاب، وكل من يرفض أن يُختزل التاريخ في رواية المنتصر.