في قضية الطفل المغربي ريان التي حركت العالم بأسره قبل أربع سنوات، كان لعدد من ناشطي الثورة السوريين رأي مغاير في التفاعل معها، حيث استكثروا عليه ما حظي به من تعاطف حتى من المحرومين في فلسطين واليمن وغيرهما. ولعل أبرزهم الإعلامي فيصل القاسم بتغريدته المثيرة "كم أنت محظوظ يا ريان؟" والتي كانت خارج السياق، حيث يفترض بالضحية أن يتعاطف مع الضحية أينما كان لا أن يحسدها، فعندما يتحدث عن مأساة غيره يتذكر الناس مأساته ويكبرون تعاليه على جراحه. هذه النزقية والغيرة الطفولية التي تم التعبير عنها في حادثة الطفل المغربي ليست معزولة، ففي محطات كثيرة كان يقابل كل من يتألم في أية بقعة عربية بعبارة: "أنت لم تر شيئا مما عشناه وشفناه". وقد كان للقضية الفلسطينية النصيب الأبرز في الاستهداف حتى قبل طوفان الأقصى وقبل سقوط نظام بشار، فمع كل اقتحام للمسجد الأقصى أو مصادرة لأراض جديدة من طرف الصهاينة أو مع كل أسير تبرز قضيته إلا وينتفض القوم مخافة على شعارهم الأخرق "إسرائيل أرحم من بشار". واللافت أن هذه السلوكيات برزت قبل أي إشكال مع الفصائل الفلسطينية الكبرى وفي نفس الفترة التي دفعت فيها حماس فاتورة باهظة جراء مغادرة دمشق كي لا تتورط في المستنقع السوري، بما يعني أن العدوانية السورية لم تكن مبررة ولم تكن نتاج خلاف سياسي. كان يمكن أن يفسر السلوك غير السوي للناشطين السوريين بشكوى العاجز المحبط الذي انفض الناس حول قضيته، فاختار أن يصادمهم وينغص عليهم حياتهم، لكن استمرار تضخيم قضية الشعب السوري وتبخيس معاناة الآخرين حتى بعد استتباب الأمور لصالحهم يجعلنا أمام توجه يراد له أن يتجذر عند السوريين وعند الكثير من الدوائر المرتبطة بهم، والذي يستنسخ أساليب الهولوكست التي لا تعترف بأية معاناة غير معاناة العرق اليهودي، والتي تنصب محاكم التفتيش ضد أي صوت مشكك في بعض تفاصيله أو حتى ضد من يحاول أن يضعه في إطاره التاريخي دون تهويل. وهكذا فإن الدم السوري يعلو على دماء الجميع، والطريف هو أن هذا الطرف المتشنج يتهم غيره تحديدا الفلسطيني بما يمارسه هو عملا بمقولة "رمتني بدائها وانسلت"، حيث يشهرون سيوفهم على كل من يتحدث عن مركزية القضية الفلسطينية معتبرين أنه يروج، في تدليس مقصود، لقداسة الدم الفلسطيني. من هنا فإننا أمام توجه قسري يهدف إلى قلب أولويات الأمة العربية والإسلامية، وإلى حرف بوصلتها عبر إعادة تعريف أعدائها لتنتقل الشوكة من مواجهة الخارج إلى الصراعات المحلية المدمرة. والحال أن مركزية القضية الفلسطينية تعني أن كل الصراعات التي تجري في المنطقة بينها خيط ناظم يصل إلى فلسطين، فإذا كان يرى محتلها أن أمنه القومي مرتبط بمنع أية حالة كفاحية أو نهضوية في المنطقة، فهذا يعني أن كل شهداء العرب والمسلمين لهم ارتباط وثيق بفلسطين سواء قصدوا ذلك في نضالاتهم أم لم يقصدوا، والتي تصب في نفس بوثقة تحرير أرض الإسراء، الشيء الذي لا ينفي مظلوميتهم بل يفتح آفاقا أرحب لكل القضايا العربية الصغرى. إن كل دم بميزان الشرع غال، لكن البشر اعتادوا التعاطف مع الطرف المظلوم الذي يقاوم قوة غاشمة تفوقه عدة وعتادا أكثر من التعاطف مع المنخرطين في الاقتتال الداخلي لإكبار قيم الشجاعة والثبات والصمود في الحالة الأولى ولصعوبة تمييز الحق من الباطل في الحالة الثانية، وهذا ما عانى منه الفلسطينيون أنفسهم فقد فقدت القضية الفلسطينية جزءا كبيرا من زخمها بعد انقسام 2007 والذي لم تسترجعه إلا بعد السابع من أكتوبر. وهو ما حدث كذلك للسوريين بشكل أوسع، حيث أساؤوا استخدام كل الإمكانات التي حازوها، والتي لم يوفر العرب منها للفلسطينين حتى العُشُر، فلم يبخلوا عنهم لا بالرجال ولا بالسلاح ولا بالأموال ولا بالتفاعل الإعلامي والشعبي، وبعد أن اقتربوا من الحسم في عدة محطات كانت شهوة الاقتتال البيني بين الفصائل التي كانت تتناسل كالفطر تغلبهم وتعطل مسارهم. ومع كل ما استفادوا منه ما زالوا يشتكون من أن الفلسطيني مقدم عند العربي على السوري. إضافة إلى هذه الصفحة القاتمة التي لا يراد استحضارها من أجل تبييض وجه من أصبح اليوم في سدة الحكم، فإن كل الوسائل مباحة أمامهم للوصول إلى غاياتهم البراغماتية، فقد استنجدوا بدول الخليج التي كانت تخوض حربا دموية على اليمن وأهلها، ولم يلتفتوا للدم اليمني المسفوك بغير وجه حق فيها، كما توسلوا لأمريكا ولحلف الناتو من أجل إعانتهم دون أن يكترثوا بالدم الأفغاني والعراقي والفيتنامي وغيره، واليوم يعيبون على غيرهم ما وقعوا فيه دون أن يحسوا بالإحراج وبتأنيب الضمير. بقي القول أن هذه المعركة خاسرة في سوريا قبل غيرها من الدول العربية لعمق وعي شعوب المنطقة بوحدتها وبعدوها ولهشاشة النموذج الذي يختفي وراء هذه البروباغندا العنصرية، حيث ما زال يتفادى لحد اللحظة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع خوفا من الانكشاف أمام شعب اختُطِفت ثورته وأُريدَ لبلده أن يتحول إلى كيانات مفتتة خادمة للكيان العبري.