الريف ليس مجرد مساحة جغرافية محصورة بين البحر والجبل، ولا مجرد ذاكرة مثقلة بصور المقاومة وأسماء النساء والرجال الذين عبروا التاريخ كعلامات فارقة في زمن الانكسار؛ بل هو أيضًا فضاء للقيم والهوية، وعنوان لصراع متواصل بين معاني متضادة: بين الإصرار على الفعل الجماعي، والانزلاق التدريجي نحو الانعزال والذات المنفصلة عن التاريخ. في هذه الثنائية يظهر الهتاف، لا كصوت عابر، بل كإشارة حيّة لوعي جماعي يمتد عبر الأجيال، ثم يشيخ ببطء حين تتعرض البنية التي كانت تمنحه القدرة على الاستمرار للانكسار. حين يشيخ الهتاف، لا يموت دفعة واحدة، بل يتحول إلى صدى باهت؛ أثرٍ في الذاكرة الجماعية، وعادة لغوية أكثر منها فعلًا حيًا. قد يُستعاد في النقاشات أو الجلسات، لكنه يفقد القدرة على التأثير التي كان يحدثها في الساحات، وتغيب تلك الرعشة التي تربط الإنسان بأجداده وبفعلهم المقاوم الذي شكّل جوهر تاريخ الريف. هنا تبدأ المفارقة: يبقى الخطاب السياسي حيًا على مستوى الكلمات، بينما تنحرف الممارسة اليومية عن مسارها، فيغدو الهتاف صوتًا يتردد دون أن يُنتج فعلًا، كأن ما تبقّى منه مجرد ذكريات صامدة. وفي قلب هذا التحول، يظهر الانزلاق من سردية "عاش الريف" إلى سردية "عاشت الحانة"؛ انتقال لا يحدث بوعي كامل، بل نتيجة تراكم طويل من خيبات الواقع، وضغط القمع، والإحباط، وغياب الأفق التنظيمي. لم تعد الساحة هي المرجع، ولم يعد الفعل الجماعي ممكنًا بالشروط نفسها. في المقابل، تغدو الحانة رمزًا لمكان يملأ الفراغ، سواء بالحديث أو النقاش أو النسيان المؤقت. الحانة، بهذا المعنى، ليست مجرد فضاء مادي، بل انعكاس لتفريغ المعنى الجماعي، وإعادة إنتاج زمن مختلف؛ زمن فردي بعيد عن جذور الوعي التاريخي. التحولات التي أصابت اليسار الريفي في السنوات الأخيرة ليست مجرد تغير سلوكي، بل انعكاس لهزيمة نفسية وسياسية ممتدة. حين يتلبد الأفق أمام الفعل، يضطر الإنسان إلى إعادة ترتيب أولوياته، والبحث عن مساحات أقل توترًا وأقل كلفة، حتى وإن كانت أقل معنى. هنا تظهر الحانة كمساحة بديلة، تمنح شعورًا مؤقتًا بالتحرر أو الإشباع، لكنها لا تستطيع حمل إرادة جماعية، ولا تاريخًا، ولا حلمًا. لقد عبّر الخطابي عن الريف بوصفه شاهدًا على التاريخ، وعن الأجداد باعتبارهم رموزًا للكرامة، وعن المقاومة كفضاء يحفظ الإنسان من الانكسار عبر فعل نبيل، حين قال: "الريف مدرسة للكرامة، والأرض فيه ليست مجرد أرض، بل وسيلة لبناء الإنسان". تعكس هذه الرؤية أن أي انزلاق عن الفعل الجماعي ليس خيارًا فرديًا محضًا، بل نتيجة غياب البنية التي تؤسس للعلاقة بين الإنسان ومجتمعه، وبين الفرد وذاكرته الجماعية. فحين تُضعف التنظيمات تحت ضغط القمع، ويغيب الأفق، ينفصل الإنسان عن جذوره، حتى وإن احتفظ بالخطاب، وحتى لو ظل الهتاف يتردد في صوته. وفي هذا السياق، تستعاد مقولة غرامشي الشهيرة: "تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة". فهي تختزل المرحلة الراهنة بوضوح: عقل يرى الانكسار والفراغ وانهيار البنية الاجتماعية والسياسية، لكنه لا يمنع الإرادة من البحث عن معنى، ولا من محاولة استعادة الفعل وإحياء التاريخ داخل واقع مهدد. يعيش الريف اليوم هذا التوتر: بين عقل يدرك تآكل الهتاف وانتشار الانسحاب الفردي، وإرادة ترفض الاستسلام الكامل، وتسعى إلى إعادة تشكيل الفعل وبناء المعنى. من هنا يمكن فهم المسافة بين القول والفعل لدى اليساري الريفي: مستوى يحتفظ فيه الفرد بهويته كمناضل، ومستوى آخر يتكيف مع الواقع وإكراهاته اليومية. هذه الازدواجية ليست دائمًا واعية، لكنها تتحول مع الزمن إلى نمط عادي للحياة، ما يجعل مساءلة الفرد صعبة. إنها أزمة بنيوية أكثر منها فشلًا شخصيًا؛ أزمة علاقة الإنسان بالتاريخ، وبالذاكرة، وبالمعنى الجماعي. في ظل هذا التحول، يتقدم الجسد إلى واجهة الاهتمام، وتتراجع الأولويات من المشروع الجماعي إلى الاحتياجات اليومية المباشرة. ليس لأن الإنسان أصبح أنانيًا فجأة، بل لأن المعنى الذي كان يمنحه التاريخ قد تآكل، ولأن الأفق الذي كان يبرر التضحية لم يعد واضحًا. وحين يغيب الفعل الميداني السلمي، يُحاصر الفرد باللحظة، ويبحث عمّا يمكن التحكم فيه. عندها تصبح المتعة، بأي شكل—في الكلام أو الشراب أو الفضاء الليلي—تعويضًا عن فراغ أعمق، عن معنى مفقود. ومع ذلك، لا يعني الانزلاق نحو سردية "عاشت الحانة" نهاية القدرة على المقاومة. حتى في الحانة، وفي النقاشات التي تبدو بلا جدوى، تبقى بقايا من الوعي والغضب والرغبة في الفهم. المشكلة ليست في اختفاء هذا الوعي، بل في عجزه عن التحول إلى فعل. وهذا العجز ليس فرديًا، بل نتيجة تفكك البنية، واستنزاف التنظيمات، وضعف الأطر التي تمنح الفعل الثقافي والسياسي معنى واتجاهًا. لذلك، لا يمكن استعادة المعنى عبر الإدانة أو السخرية، بل عبر الفهم والتفكيك والتحليل، وإدراك الشروط التي أنتجت هذا الانزلاق. فاليساري الذي يجلس اليوم في الحانة ليس بالضرورة من تخلى عن قضيته، بل قد يكون شخصًا فقد الوسائل للاستمرار في المسار النضالي. الفرق بين الحالتين جوهري: هل نحن أمام خيانة أم أزمة؟ وغالبًا ما نكون أمام أزمة، تتطلب أدوات جديدة للفهم والعمل، وصيغًا جديدة للفعل، وأفقًا ممكنًا يعاد بناؤه. وفي قلب هذه الثنائية، يتجلى الصراع بين سرديتين: سردية "عاش الريف": تنحاز إلى الريف، إلى الأجداد والشهداء، وإلى التراجيديا المؤسسة للتاريخ. هي استمرار لحلم لم ينكسر، ولحياة قائمة على الكرامة والصمود، ولوعي يربط الحاضر بالماضي ويصنع المستقبل رغم الصعوبات. سردية "عاشت الحانة": تنحاز إلى الانسحاب الفردي، وإلى أثر دخيل يعيد إنتاج القطيعة مع الجذور، ويُغري بالهروب من الالتزام الجماعي نحو فضاء آمن لكنه بلا معنى مشترك. بين هاتين السرديتين، يتحدد معنى الريف اليوم: بين حلم يقاوم الانكسار، وانزياح يومي يهدد إعادة إنتاجه؛ بين الالتزام والانسحاب؛ بين هتاف يشيخ، وفضاء بديل بلا معنى جماعي. ولا يمكن، عند الحديث عن الواقع الراهن، تجاهل التحديات الجديدة التي تنخر النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي. فإلى جانب الانزلاق الفردي وانكسار الهتاف الجماعي، تبرز سرديات ظلامية تستغل الفراغ الناتج عن تراجع الفعل المدني والثقافي والحقوقي. الطبيعة الاجتماعية لا تحتمل الفراغ، ومن ثم نشهد صعود تيارات محافظة متشددة، تتمدد مستفيدة من هشاشة التنظيمات وضعف الحراك الجماعي. يشكل هذا الوضع تهديدًا مزدوجًا: لإعادة إنتاج الوعي الريفي المقاوم، وللاستمرار كفضاء للحياة الجماعية والتضامن. كما يزيد من صعوبة استعادة الهتاف، ويفرض التفكير في آليات جديدة لإعادة البناء السياسي والثقافي والاجتماعي، بما يحمي الريف من الانزلاق نحو التفكك على مستوى الهوية والفعل. في النهاية، يقف الريف على مفترق طرق: بين ماضٍ حي يربطه بأجداده وشهدائه، وحاضر يفرض اختبارًا يوميًا بين الالتزام والانزلاق؛ بين هتاف يشيخ، ومحاولات للهروب إلى فضاءات بلا معنى جماعي. هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يستعيد الريف حلمه؟ كيف يستعيد الهتاف قوته؟ وكيف يتحول الانكسار إلى فرصة لإعادة بناء معنى جديد للفعل الجماعي، دون التفريط في إرث المقاومة وصمود الأجيال؟ لاهاي، 1 أبريل 2026