قراءة في تحولات النظام الرأسمالي العالمي العرائش أنفو إن التحولات الجيوسياسية الحالية لا يجب أن نفهمها بوصفها مجرد تنافس بين الدول الرأسمالية، بل بوصفها تعبيراً عن تحولات في بنية التراكم الرأسمالي نفسه. فالدولة المهيمنة ليست سوى الشكل السياسي الأعلى لمركز التراكم العالمي. ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن الانتقال من عصر الهيمنة الأمريكية إلى صعود الصين هو في جوهره حديث عن انتقال مركز إنتاج القيمة وفائض القيمة على الصعيد العالمي. على اعتبار أن التراكم بوصفه قانون الرأسمالية يتم حسب التحليل الماركسي على أساس استخراج فائض القيمة من العمل وإعادة استثماره لتوسيع الإنتاج، وكذلك التوسع الجغرافي بحثاً عن يد عاملة أرخص ومواد أولية، إضافة إلى أسواق جديدة. من هنا يظهر ما يمكن تسميته بالجغرافيا المتحركة لرأس المال الذي بطبعه لا يعرف الاستقرار، بل ينتقل حيث توجد شروط التراكم الأفضل. تاريخيا انتقل مركز التراكم من بريطانيا الذي عرفه خلال القرن 19م إلى أمريكا في القرن 20م، وهذا يجب أن يُأْخَذ في الحسبان لفهم صعود الصين في القرن 21م حاليا، ومن بين أسباب ذاك الانتقال: 1 ارتفاع كلفة الإنتاج في بريطانيا. 2 صعود الصناعة الأمريكية الثقيلة. 3 الحربان العالميتان اللتين أنهكتا أوروبا. 4 حلول الدولار محل الجنيه. إن هذه السابقة التاريخية تقدم نموذجاً نظرياً لفهم انتقال المركز اليوم، فما هي ملامح أزمة التراكم في المركز الأمريكي الآن والتي تنذر بهذا الانتقال؟ إن أهم مؤشر على بداية تآكل الهيمنة الأمريكية ناتج عن الأزمة البنيوية في التراكم نفسه، وذلك عبر انتقال الصناعة إلى الأطراف فمنذ سبعينيات القرن الماضي قامت العديد من الشركات الأمريكية بنقل الإنتاج إلى الصين وجنوب شرق آسيا ثم المكسيك، بغرض تخفيض كلفة الإنتاج، لكن النتيجة البنيوية هي انتقال إنتاج فائض القيمة مادياً خارج المركز، زد على ذلك صعود الرأسمال المالي لَمَّا تحولت أمريكا من رأسمالية الإنتاج إلى رأسمالية مالية، وهو ما تمثله بورصة وول ستريت باعتبارها مركز الربح والاحتكار وبه حلت المضاربة محل الصناعة وتصدير رأس المال عوض البضاعة، إضافة إلى تضخم الديون التي تخطت 38.5 تريليون دولار خلال سنة 2025م. الشيء الذي سبق للينين التحذير منه بقوله: "حين تهيمن المالية يدخل الرأسمال طور الإمبريالية المتأزمة" النتيجة هي تآكل القاعدة الصناعية داخل الولاياتالمتحدةالأمريكية، ناهيك عن وجود بطالة بنيوية، والاعتماد على الاستيراد بشكل أكبر عوض التصدير البضاعي حيث ارتفع العجز التجاري بشكل كبير في بداية 2025 (وصل إلى 131.4 مليار دولار في يناير) نتيجة نمو الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات بالرغم من قرارات ترامب بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات، وتمثل الصين جزءاً كبيراً من العجز التجاري الأمريكي بحوالي 50% من إجمالي العجز، تليها أوروبا وآسيا. بهذا تكون أمريكا قد احتفظت بالهيمنة النقدية والتفوق العسكري، لكنها تفقد تدريجياً مركز إنتاج القيمة الفعلية التي تتم عبر التصنيع بدرجة كبيرة. فما موقع الصين حاليا؟ أصبحت الصين الآن بمثابة موقع جديد لاستخراج فائض القيمة، كونها مصنع العالم، إذ تتربع على رأس الدول الصناعية بناتج صناعي قُدر ب 4.659 تريليون دولار، متفوقة على الولاياتالمتحدة التي تأتي في المركز الثاني ب 2.497 تريليون دولار. ويأتي ترتيب الدول على المستوى الصناعي العالمي كما يلي: 1 الصين: 28% من الصناعة العالمية. 2 الولاياتالمتحدة: 17.3% من الصناعة العالمية. 3 ألمانيا: 845 مليار دولار. 4 اليابان: 818 مليار دولار . كما وفرت الصين شروطاً مثالية للتراكم، من خلال اليد العاملة الضخمة والرخيصة، وباعتبارها دولة مركزية تضبط العمل، وتوفر بنية تحتية هائلة، ومناطق اقتصادية خاصة. الشيء الذي أدى إلى انتقال خطوط الإنتاج العالمية إليها منذ مدة، كما أن الصين بالرغم من أنها سياسيا تتبنى الإيديولوجية الشيوعية، إلا أنها لم تحارب وتواجه الرأسمالية، بل اندمجت فيها لكن بشروطها، وذلك عبر استقبال الاستثمار الأجنبي، ونقل التكنولوجيا، مما جعلها تفرض شراكات محلية، أدت إلى تحقيق التراكم عبر الاستيعاب، وكل ذلك أدى إلى تحول الصين من ورشة إنتاج إلى مركز تراكم، وهذا التحول النوعي وقع حين بدأت الصين ب: 1 تطوير شركاتها العملاقة. 2 امتلاك سلاسل التوريد. 3 الاستثمار خارجياً. هنا بالضبط انتقلت من موقع إنتاج فائض القيمة إلى موقع تراكمه وإعادة تصديره. وحين يتراكم فائض رأس المال داخلياً ولا يجد ربحية كافية، يتجه إلى الخارج، وهو ما قامت وتقوم به الصين من خلال تصدير الفائض الرأسمالي، وتمويل بنى تحتية عالمية في العديد من البلدان خاصة في إفريقيا واسيا، بالإضافة إلى ربط الأسواق بالصين عبر سياسة "الحزام والطريق". الآن هل تعتبر الصين مركزا رأسماليا جديدا، أم نموذجا بديلا؟. بخصوص هذا السؤال هناك جدل بين المحليين الاقتصاديين خاصة الماركسيين منهم، فهناك من يرى أن الصين اشتراكية سوقية بحضور قوي للدولة، من خلال التخطيط الاستراتيجي مع وجود ملكية عامة جزئية. وطرح آخر يرى أن الصين دولة رأسمالية تقوم على أساس استغلال العمل، إضافة إلى تراكم رأسمالي ضخم وتوسع خارجي. لكن الراجح في اعتقادي هو أن الصين ليست نقيض الرأسمالية، بل طورها الآسيوي الجديد. وبالرغم من وجود مؤشرات عدة تقول بانتقال التراكم من أمريكا إلى الصين، إلا أن هناك بعض التناقضات التي قد تعرقل انتقال المركز إلى هناك، والقراءات الماركسيةً تعلمنا أنه لا انتقال بلا أزمات، والصين الآن بالرغم من كل التفوق المذكور سالفا إلا أنها تكاد أن تكون على المستوى الداخلي عبارة عن فقاعة عقارية ترزح تحت ديون محلية تصل إلى 92 تريليون يوان (حوالي 12.58 تريليون دولار) في عام 2023، تمثل فيها ديون الشركات غير المالية النسبة الأكبر (142% من الناتج المحلي)، تليها الحكومة بنسبة 93%.، مع وجود تفاوت طبقي متنامي بقوة داخلها، حيث انتقلت البلاد من مساواة شبه تامة قبل 1978م إلى مستويات تقارب الولاياتالمتحدة في انعدام المساواة، إذ يتركز الثراء في المدن الكبرى (أكثر من 100 مليون فرد في الطبقة الوسطى) بينما يعاني ملايين العمال المهاجرين من نقص الخدمات والضمان الاجتماعي، مع استئثار أغنى 10% ب 62% من الثروة، وقد أظهرت البيانات أن أغنى 1% من السكان يمتلكون أكثر من ثلث صافي الثروة الوطنية، بينما يمتلك أغنى 5% أكثر من نصفها، ضف إلى ذلك شيخوخة سكانية، حيث تواجه الصين تحولاً ديموغرافياً سريعاً نحو الشيخوخة، إذ تجاوز عدد المسنين البالغين أكثر من 60 عاما فما فوق 297 مليون نسمة بنهاية 2023، ما يشكل نحو 21.1% من السكان، وبحلول سنة 2035م يُتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 400 مليون أي ثلث سكان الصين. أما على المستوى الخارجي فإن الصين تواجه تطويقا عسكريا أمريكيا، حرب تكنولوجية، وصراعات تجارية مع أمريكا نفسها والاتحاد الأوربي ، لذلك يمكن القول أن انتقال المركز من أمريكا إلى الصين ليس حتمياً وخطياً، لكن ما هو مؤكد الآن هو أننا في إطار التحول من الهيمنة إلى الصراع على الهيمنة، لأن المرحلة الحالية يمكن توصيفها بازدواج مركز التراكم، باعتبار أمريكا مركز مالي عسكري، بينما الصين تعتبر مركز صناعي تجاري، وهذا من شأنه أن يولد توتراً بنيوياً، لأن الرأسمالية تميل تاريخياً إلى مركز واحد مهيمن. عموما يمكن القول أننا لا نشهد فقط صعود دولة، بل انتقالاً في جغرافيا إنتاج فائض القيمة، وإعادة توزيع مراكز التراكم، وأزمة في الرأسمالية الأطلسية، مقابل صعود رأسمالية دولة آسيوية. باختصار يمكن تلخيص اللحظة التاريخية بأن أمريكا لم تعد مصنع العالم، والصين لم تصبح بعدُ إمبراطوريته الكاملة، نحن في الفراغ الفاصل بين مركز يحتضر ومركز يتشكل آجلا أم عاجلا. شفيق العبودي