أثار تداول وثيقة رسمية موجّهة إلى مديرة معهد باستور المغرب بالدار البيضاء، قبل المصادقة عليها خلال المجلس الحكومي المنعقد يوم الخميس، جدلاً واسعاً حول مدى احترام مساطر التعيين في المناصب العليا داخل المؤسسات العمومية. هذا التسريب يطرح أكثر من علامة استفهام حول الشفافية، وتكافؤ الفرص، واحترام القواعد القانونية المؤطرة للتعيينات. من حيث المبدأ، تخضع التعيينات في المؤسسات العمومية بالمغرب، خاصة ذات الطابع الاستراتيجي كمعهد باستور، لمسار قانوني واضح يبدأ بفتح باب الترشيحات، مروراً بعملية الانتقاء والتقييم، وصولاً إلى المصادقة النهائية داخل الحكومة المغربية. وبالتالي، فإن تسريب معلومات دقيقة حول هوية المعين قبل استكمال هذه المراحل، يُعدّ – من الناحية المؤسسية – إخلالاً بمبدأ سرية المداولات، وقد يرقى إلى شبهة توجيه مسبق للقرار. لكن قبل القفز إلى استنتاجات قطعية، يجب التمييز بين احتمالين: الأول: أن يكون الأمر مجرد تسريب إداري غير مقصود لوثيقة داخلية، وهو خلل تقني أو تنظيمي يستوجب المحاسبة الإدارية دون بالضرورة وجود نية تلاعب. الثاني: أن يكون التسريب انعكاساً لقرار محسوم سلفاً خارج القنوات الرسمية، وهو سيناريو أخطر، لأنه يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص ويقوّض الثقة في آليات التعيين. من زاوية الحكامة، تكمن خطورة مثل هذه التسريبات في تأثيرها على مصداقية المؤسسات. إذ كيف يمكن إقناع الكفاءات بالتقدم للمناصب العليا إذا كان الانطباع السائد هو أن النتائج معروفة مسبقاً؟ بل إن الأمر قد يتجاوز ذلك ليؤثر على صورة المغرب في ما يتعلق بالشفافية الإدارية، خاصة في القطاعات العلمية والصحية التي تتطلب أعلى درجات النزاهة. في المقابل، ينبغي أيضاً طرح سؤال مهم: هل كل تسريب يعني بالضرورة وجود فساد؟ الواقع أكثر تعقيداً. في بعض الأحيان، تتسرب المعلومات نتيجة ضعف في تأمين الوثائق أو سوء تدبير قنوات التواصل داخل الإدارة، دون أن يعني ذلك وجود نية مبيتة. لذلك، فإن أي تحليل جاد يجب أن يستند إلى تحقيق دقيق يحدد مصدر التسريب وسياقه. ختاماً، سواء تعلق الأمر بخطأ إداري أو اختلال بنيوي، فإن ما حدث يستدعي فتح نقاش جدي حول: تعزيز سرية المساطر الإدارية الحساسة رقمنة وتأمين تداول الوثائق الرسمية ضمان شفافية أكبر في التعيينات العليا لأن الثقة في المؤسسات لا تُبنى فقط بالقرارات، بل أيضاً بكيفية اتخاذها.