في الوقت الذي يواصل فيه المغرب تعزيز موقعه كوجهة سياحية دولية، والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، تتصاعد أصوات الانتقاد بشأن وضعية المطارات الوطنية، التي تبدو في نظر كثير من المسافرين غير مواكبة لحجم الطموحات المعلنة. فبين أرقام قياسية في عدد المسافرين، واستثمارات ضخمة في البنيات التحتية، تظل تجربة العبور داخل عدد من المطارات المغربية محل تساؤل، بسبب اختلالات متكررة تمس جودة الخدمات وسلاسة الإجراءات. ارتفاع حركة النقل دون تحسن ملموس سجلت المطارات المغربية خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في حركة النقل الجوي، خاصة عبر مطار محمد الخامس الدولي، الذي يعد أكبر منصة جوية في المملكة، إلى جانب مطارات كبرى مثل مراكش المنارة وطنجة ابن بطوطة. غير أن هذا النمو الكمي لم ينعكس بشكل واضح على جودة الخدمات، حيث يواجه المسافرون يوميا عراقيل تبدأ من لحظة دخول المطار، وتمتد إلى غاية مغادرته. طوابير مرهقة في مختلف المراحل وأكثر ما يثير استياء المسافرين هو طول فترات الانتظار في مختلف مراحل العبور داخل المطار. فبمجرد الوصول، يجد كثيرون أنفسهم أمام طوابير طويلة عند نقاط التفتيش الأمني، قبل الانتقال إلى مرحلة مراقبة الجوازات التي تعرف بدورها بطئا ملحوظا في عدد من الفترات، خاصة عند تزامن الرحلات. وحتى بعد إنهاء هذه الإجراءات، لا تنتهي المعاناة دائما، إذ تمتد أحيانا إلى قاعات استلام الأمتعة، حيث يضطر المسافرون إلى الانتظار لوقت طويل دون توضيحات كافية، ما يزيد من حدة التذمر ويجعل تجربة السفر مرهقة منذ بدايتها أو نهايتها. شهادات تعكس حجم المعاناة ويؤكد أحد المسافرين أنه وصل قبل موعد رحلته بثلاث ساعات، ومع ذلك كاد أن يفوتها بسبب الطوابير الطويلة وبطء الإجراءات. كما تقول مسافرة أخرى إنها انتظرت أكثر من ساعة ونصف لاستلام أمتعتها، دون أن تتلقى أي توضيح بشأن سبب هذا التأخير. وتكشف مثل هذه الشهادات المتكررة أن الأمر لا يتعلق بحالات معزولة، بل بصورة عامة تتكرر بشكل لافت، خصوصا خلال فترات الذروة والعطل والمواسم السياحية. الخلل لا يقتصر على البنية التحتية ورغم أن المكتب الوطني للمطارات يشرف على مشاريع لتوسعة وتحديث عدد من المطارات، في أفق الاستعداد للاستحقاقات الدولية المقبلة، فإن الإشكال لا يبدو مرتبطا فقط بالبنية التحتية، بل أيضا بطريقة التدبير والتنظيم. فالمسافر لا يقيس جودة المطار بحجم البناية أو شكلها الخارجي، بقدر ما يقيسها بسرعة المرور، ووضوح التوجيه، وجودة التواصل، وسلاسة مختلف المراحل التي يمر منها. وهنا بالتحديد تظهر مكامن الخلل التي تجعل كثيرا من المسافرين يشعرون بأن الخدمات لا تزال دون المستوى المطلوب. مقارنة تفرض نفسها وفي المقابل، تمكنت مطارات عالمية كبرى من التعامل مع ضغط المسافرين دون أن تفقد نجاعتها، بفضل حسن التنظيم، وتوزيع الموارد البشرية بشكل فعال، واعتماد حلول رقمية عملية تسهم في تسريع الإجراءات. وهذا ما يطرح سؤالا مشروعا حول واقع المطارات المغربية: هل المشكل في الإمكانيات فعلا، أم في الحكامة والتدبير وغياب رؤية تضع تجربة المسافر في صلب الأولويات؟ مونديال 2030 واختبار الواجهة الأولى وتكتسي هذه الإشكالات أهمية أكبر في ظل اقتراب مونديال 2030، الذي سيضع المغرب تحت أنظار العالم، ليس فقط من حيث الملاعب والبنيات الرياضية، ولكن أيضا من حيث جودة الاستقبال والخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المطارات. فهذه الفضاءات تمثل الواجهة الأولى للبلاد، وأي ارتباك أو تأخير أو سوء تنظيم داخلها قد ينعكس بشكل مباشر على صورة المغرب لدى الزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم. الرهان الحقيقي إن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد فقط في تشييد محطات أكبر أو توسيع الطاقة الاستيعابية، بل في جعل تجربة العبور أكثر سلاسة واحتراما للمسافر. فنجاح المغرب في 2030 لن يقاس فقط بعدد الرحلات أو بحجم الاستثمارات، بل أيضا بمدى قدرته على ضمان خدمات مطارية فعالة، سريعة، وواضحة، تليق بصورة بلد يطمح إلى تنظيم حدث عالمي بهذا الحجم. وفي المحصلة، يبدو أن مطارات المغرب مطالبة اليوم بأكثر من مجرد التوسعة والتحديث الشكلي، فهي مدعوة إلى مراجعة عميقة لمنظومة الخدمات والتدبير، حتى لا يتحول مونديال 2030 من فرصة لإبراز صورة المغرب الحديثة إلى مناسبة تكشف اختلالات كان يفترض معالجتها قبل موعد الحدث بسنوات.