في كل مرة يُطرح فيها موضوع المجتمع المدني في المغرب، إلا وينقسم النقاش بسرعة بين خطاب يحتفي بما يسمى «الدينامية الجمعوية»، وخطاب آخر ينتقد ضعف الأثر ويختزل المشهد في جمعيات موسمية تعيش على الإعانات. لكن الأمر أكبر من هذا الانقسام التبسيطي، حيث إن الإشكال أعمق من ذلك بكثير، فالأمر لا يتعلق بوجود الجمعيات، بل بطريقة اشتغالها، وبالبيئة التي تتحرك داخلها، وبغياب التفكير الاستراتيجي الذي يحول النوايا إلى نتائج. أولا : كثرة الجمعيات ومحدودية الأثر لا أحد يمكنه أن ينكر أن المملكة تتوفر على عدد كبير من الجمعيات التي تنشط في مجالات عدة، من التعليم إلى الصحة ومن التكوين المهني إلى العمل الاجتماعي… إلخ، غير أن هذا الحضور الكمي لا يترجم دائما إلى أثر نوعي، السبب في ذلك بسيط لكنه في نفس الوقت عميق، فجزء كبير من العمل الجمعوي لا يزال يدار بعقلية الأنشطة، لا بمنطق حل المشاكل، حيث يتم تنظيم ورشات، وتتحرك قوافل وحملات، وتكتب تقارير، لكن السؤال الجوهري الذي يبقى غائبا، هل تغير شيء فعلا في حياة الناس؟ لقد أصبح العمل الجمعوي في المغرب يقاس نجاحه بعدد الأنشطة المنجزة، لا بحجم التغيير والأثر المحقق، وهنا مكمن الخلل. ثانيا: حين يتحول التمويل من وسيلة إلى غاية في كثير من الحالات، لم يعد التمويل وسيلة لتحقيق الأثر، بل أصبح هدفا في حد ذاته، حيث تصمم المشاريع بناءً على شروط ورغبات الممول، بل وأحيانا تحدد الأولويات خارج السياق المحلي، كما يتم استعمال نماذج تقييم مستوردة لا تعكس واقع المجتمع المغربي، لتؤول النتيجة إلى كون الجمعيات تتكيف مع التمويل بدل أن تكيّف هذا التمويل مع حاجيات الناس. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى إضعاف الأثر، بل يخلق نوعا من التبعية، حيث تفقد الجمعيات استقلاليتها الاستراتيجية وتتحول إلى أداة لتنفيذ برامج لا تعكس بالضرورة أولوياتها الحقيقية التي تظهر على واقع المغاربة وحاجاتهم. ثالثا : وهم النية الحسنة هناك تصور سائد مفاده أن النية الحسنة كافية لإحداث التغيير، لكن الواقع الاجتماعي لا يدار بالعواطف فقط. فالفقر، والهدر المدرسي، والصحة النفسية، ليست مشاكل بسيطة، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والمؤسسات. التعامل مع مثل هذه القضايا يتطلب أدوات للتحليل، وفهما عميقا للأنظمة، وقدرة على تحديد الأسباب الجذرية. بدون ذلك، يتحول العمل الجمعوي إلى مجرد تدخلات سطحية، تعالج الأعراض لا الأسباب العميقة. رابعا: غياب التفكير الاستراتيجي إن الفرق بين جمعية تُنظم أنشطة وأخرى تُحدث أثرًا ليس في الموارد، بل في طريقة التفكير. فالفاعل الجمعوي اليوم مطالب بأن يطرح أسئلة الجوهرية، ما المشكلة الحقيقية التي أشتغل عليها؟ أين يمكن لتدخلي أن يُحدث أكبر الأثر؟ وكيف أقيس هذا الأثر؟ وهل النموذج الذي أعتمده قابل للاستمرار؟ بدون هذا النوع من التفكير، يبقى العمل الجمعوي في دائرة الاجتهاد، لا الفعالية. وهنا تظهر الحاجة إلى أدوات تحليلية ومنهجيات استراتيجية تسمح بتحويل العمل الاجتماعي من رد فعل إلى رؤية. خامسا: الدولة ليست خارج المعادلة لا يمكن تحميل الجمعيات وحدها مسؤولية هذا الوضع. فالسياسات العمومية بدورها تعاني من نفس الخلل. ففي كثير من الأحيان، يتم توزيع الدعم دون ربطه بنتائج واضحة، كما وتُموَّل برامج دون تقييم دقيق لأثرها، كما تغيب آليات المحاسبة المبنية على المعطيات. في غياب هذا الربط بين التمويل والأثر، يصبح من الطبيعي أن تستمر مشاريع دون معرفة حقيقية بمدى نجاعتها، وهنا تضيع فرصة أساسية لتحسين السياسات العمومية وتوجيه الموارد بشكل أنجع. سادسا: الإعلام العنصر الغائب في معادلة الأثر الإعلام بدوره لا يطرح الأسئلة الضرورية، فبدل أن يناقش النتائج، يكتفي غالبًا بتغطية الأنشطة. حيث نقرأ عن مبادرات، ونشاهد صورًا، لكننا نادرًا ما نرى تحليلًا حقيقيًا لمدى تأثير هذه المبادرات. من يسأل عن النتائج؟ من يقارن بين التكلفة والأثر؟ من يحاسب البرامج التي لم تحقق أهدافها؟ في غياب هذا الدور، يبقى النقاش حول العمل الجمعوي سطحيًا. سابعا: نحو إعادة تعريف النجاح يمكن القول إنه إذا أردنا فعلاً تطوير العمل الجمعوي في المغرب، يجب أن نعيد تعريف معنى النجاح في حد ذاته، إذ لم يعد كافيًا السؤال حول كون الجمعية نشيطة أم لا، بل يجب أن نطرح السؤال ، هل تُحدث فرقًا؟ فليس مهما كم عدد الأنشطة، بل ما الذي تغير في الواقع. إننا بحاجة إلى انتقال واضح، من منطق النية إلى منطق الأثر، من منطق الأنشطة إلى منطق النتائج، من منطق التمويل إلى منطق القيمة . السؤال الذي يجب أن نواجهه في النهاية، المشكلة ليست في العمل الجمعوي، بل في الطريقة التي نفكر بها حوله، ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الجمعيات، بل المزيد من التفكير الاستراتيجي، والمساءلة، والوضوح في الأهداف، ليبقى السؤال الحقيقي الذي يجب أن يزعج الجميع: هل نريد مجتمعًا مدنيًا يملأ الفراغ... أم مجتمعًا مدنيًا يُغيّر الواقع؟ (*)استراتيجي في الابتكار والأثر الاجتماعي